مساعد مدير الفاو: أزمة السودان الأكبر عالمياً ونستهدف 193 مليون دولار لمساعدة 15.5 مليون شخص
(سي ان بي سي)-29/10/2026
حذر الدكتور عبد الحكيم الواعر، مساعد المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) والممثل الإقليمي للشرق الأدنى وشمال إفريقيا، من التداعيات الكارثية للحرب الدائرة في السودان منذ شهر أبريل 2023.
وفي تصريحات خاصة لـ CNBC عربية، أجرى الواعر مقارنة دقيقة للمشهد الإنساني العالمي قائلاً: “إذا كانت غزة تمثل الأزمة الإنسانية الأكثر حدة في العالم، فإن السودان يمثل الأزمة الأكبر حجماً على الإطلاق”، مشيراً إلى أن هذه الأزمة تعصف بحياة حوالي 50 مليون مواطن سوداني، يتأثر نصفهم تقريباً بشكل مباشر وتام بتداعيات الصراع.
انهيار القطاع الزراعي ومخاطر المجاعة
وأوضح الواعر تفاصيل الانهيار الذي أصاب القطاع الزراعي، مبيناً أن الحرب ألحقت أضراراً واسعة ومدمرة تمثلت في تدمير البنية التحتية، وتعطيل الأسواق وسلاسل الإمداد، والارتفاع الحاد في أسعار المدخلات الزراعية.
وأضاف أن تقييد وصول المزارعين إلى أراضيهم أدى إلى تعطل شبه كامل لعملية الإنتاج، فضلاً عن عمليات النزوح الداخلي التي طالت نحو 8.5 مليون شخص، مما أفقد ملايين الأسر مصادر دخلها وسبل عيشها وأضعف قدرتها على توفير الغذاء.
وأشار المسؤول الأممي إلى أن السودان، الذي كان يُنظر إليه تاريخياً كـ “سلة غذاء” للمنطقة العربية والإفريقية، بات يسجل تراجعاً خطيراً في إنتاج الحبوب بنسبة تصل إلى 25% مقارنة بالمتوسط السنوي خلال السنوات الماضية، ليواجه اليوم خطراً حقيقياً ومحدقاً بوقوع مجاعة في العديد من مناطقه.
المساعدات وفجوة التمويل
وحول أسباب تعثر الجهود الدولية في احتواء أزمة الأمن الغذائي، أكد الواعر أن الحل الجذري يتوقف بالدرجة الأولى على تحقيق السلام بين الفئات المتنازعة لضمان عودة المزارعين المهجرين إلى أراضيهم. وفي ظل غياب الحل السلمي، شدد على الضرورة القصوى لفتح المعابر الإنسانية وتأمين وصول منظمات العمل الإنساني بأمان، خاصة في مناطق الصراعات الساخنة مثل شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان، وهي المناطق التي تعجز المساعدات الإنسانية عن بلوغها بشكل مستمر.
وكشف الواعر عن حقيقة التراجع الكبير في حجم المساعدات الإنسانية الأممية الموجهة لدعم حالة الطوارئ في السودان. وأوضح أن منظمات الأمم المتحدة تتعثر في حشد الموارد المالية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل “مرن ومتعدد السنوات” يسمح بالانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي.
وأعلن أن خطة منظمة “الفاو” للطوارئ والصمود لعام 2027 تستهدف حشد 193 مليون دولار أميركي لمساعدة 15.5 مليون شخص، مع إعطاء الأولوية القصوى للمناطق الزراعية والرعوية عالية المخاطر والأشد احتياجاً.
التأثيرات الجيوسياسة
واستند مساعد مدير عام “الفاو” إلى تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لتقديم صورة رقمية للوضع، محذراً من أن 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل 41% من سكان السودان، يواجهون اليوم مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في حين يتهدد خطر سوء التغذية الحاد أكثر من 825 ألف طفل سوداني.
وفيما يتعلق بمصادر التمويل، أشار الواعر إلى أن الممولين التقليديين من الدول الكبرى في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، إلى جانب دول الخليج، كانوا دائماً الداعم الرئيسي. إلا أنه لفت إلى أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة في منطقة الخليج، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أدت إلى تراجع كبير وملحوظ خلال السنتين الماضيتين في التمويل الإنساني المرن والكافي.
إنقاذ المواسم الزراعية
وحول أولويات منظمة “الفاو” في ظل نقص التمويل، شدد الواعر على أن الأولوية القصوى ليست المساعدات الغذائية للاستهلاك المباشر فحسب، بل “رفع قدرة الصمود لدى المزارعين للإنتاج الغذائي المحلي”.
وأكد أن حجم الكارثة يفوق قدرة الاستجابة عبر المساعدات الطارئة المؤقتة، وأن الحل الأنجع والأكثر استدامة هو “إنقاذ المواسم الزراعية”.
وأوضح أن السودان يعتمد بشق كبير على الزراعة المطرية في موسميه الصيفي والشتوي، محذراً من أن التغيرات المناخية وظاهرة “النينيو” أدت إلى انحسار معدلات هطول الأمطار بأكثر من 20% خلال العام الماضي، مطالباً بإدخال المدخلات العاجلة من بذور، وأسمدة، وأعلاف حيوانية، وتحصينات للثروة الحيوانية، لتمكين السودانيين من إنتاج غذائهم محلياً، لا سيما مع تراجع إنتاج “الذرة الرفيعة” – المحصول الأساسي في البلاد – بأكثر من 25%.
دور الدول العربية
واختتم الدكتور عبد الحكيم الواعر حديثه لـ CNBC عربية بالإشادة بالدور المستمر الذي تلعبه الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، والسعودية، وقطر، والإمارات، في دعم عمليات الطوارئ وبرنامج الفاو.
ووجه نداءً دولياً وعربياً ملحاً لتقديم المزيد من العون العاجل لإنقاذ الموسم الزراعي الشتوي الذي يبدأ تزامناً مع حصاد الموسم الصيفي الحالي، محذراً من أن أي تأخير في توفير المدخلات تزامناً مع أوقات هطول الأمطار سيعني حتماً “فقدان الموسم الزراعي بالكامل”.
