عقد من تحولات الجنيه.. كيف انعكست قرارات التعويم على مؤشرات الاقتصاد المصري
(سي ان بي سي)-03/11/2026
على مدار عشر سنوات، لم تكن رحلة الجنيه مجرد سلسلة من التحركات أمام الدولار، وإنما محطات متعاقبة من خفض قيمة العملة وإعادة ضبط سوق الصرف، وصولاً إلى تطبيق سياسة سعر الصرف المرن في مارس/ آذار 2024، وسط متغيرات داخلية وخارجية فرضت ضغوطاً متباينة على الاقتصاد، وأعادت اختبار قدرته على امتصاص الصدمات وتوفير النقد الأجنبي.
امتدت آثار هذه التحولات إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، من معدلات النمو والتضخم والاحتياطي النقدي إلى التصنيف الائتماني وتدفقات الاستثمار الأجنبي، كما انعكست على تنافسية الصادرات وقطاع السياحة وأداء البورصة، في وقت ظلت فيه أعباء الدين العام واحتياجات التمويل الخارجي من أبرز التحديات أمام استدامة الاستقرار الاقتصادي.
ومع حلول الذكرى العاشرة لقرار التعويم، تبرز تساؤلات حول حصيلة هذه التجربة، ومدى نجاح سياسات تحرير سعر الصرف في تعزيز مرونة الاقتصاد المصري واستعادة ثقة المستثمرين، وما إذا كانت التحسينات التي شهدتها بعض المؤشرات تمثل تحولاً مستداماً أم أنها لا تزال رهينة تدفقات النقد الأجنبي وتطورات الاقتصاد العالمي. وتكشف قراءة الخبراء لتلك السنوات عن أبرز محطات التجربة ومكاسبها وتحدياتها، والملفات التي ستحدد مسار الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.
تكشف المؤشرات الاقتصادية في مجملها عن حصيلة متباينة لسياسات التعويم، جمعت بين تعزيز الاحتياطيات الأجنبية واستمرار ضغوط المديونية وتراجع قيمة العملة المحلية.
ارتفع سعر الدولار من نحو 8.88 جنيه قبل التعويم الأول إلى نحو 55.5 جنيه في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، بما يعادل ارتفاعاً يتجاوز 525% في سعر الدولار مقابل الجنيه، وفقدان العملة المصرية نحو 84% من قيمتها الاسمية أمام الدولار خلال عشر سنوات.
أبرز المحطات الرئيسية
قالت خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس لـ CNBC عربية، إن مصر شهدت محطات رئيسية لتحريك سعر صرف الجنيه أمام الدولار، قبل الانتقال إلى تطبيق سياسة مرونة سعر الصرف في مارس/ آذار 2024، مشيرة إلى أن هذه القرارات انعكست بصورة متفاوتة على أداء الأسواق المصرية، وفقاً للظروف الاقتصادية والأسواق العالمية المحيطة بكل قرار.
وأوضحت رمسيس أن المحطة الأولى كانت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، عندما تحرك سعر الدولار من نحو 8.88 جنيه إلى 14.50 جنيه، فيما جاءت المحطة الثانية في مارس 2022، ليرتفع الدولار من مستويات 15 جنيهاً إلى نحو 19.70 جنيه.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، شهدت السوق محطة أخرى مع وصول الدولار إلى نحو 24.70 جنيه، قبل أن تأتي المحطة الرابعة في يناير 2023، ليتحرك إلى مستويات 30.90 جنيه.
وأضافت أن المحطة الأخيرة تمثلت في التحرك نحو مرونة سعر الصرف، وصولاً إلى مستويات قاربت 50 جنيهاً للدولار، بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة، في إطار حزمة من الإجراءات النقدية والاقتصادية المصاحبة لتحرير سعر الصرف.
الاحتياطي النقدي
وفيما يتعلق بالاحتياطي النقدي، أشارت رمسيس إلى أنه شهد تحولات كبيرة خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2016 وحتى أكتوبر 2026، إذ بلغ نحو 19 مليار دولار في بداية تلك الفترة، قبل أن يبدأ مساراً تصاعدياً بالتزامن مع برنامج الاقتراض من صندوق النقد الدولي، ليسجل نمواً بأكثر من 200% على مدار عشر سنوات، وصولاً إلى قرابة 57 مليار دولار.
ولفتت إلى أن هذا الاحتياطي يتضمن أرصدة الذهب، وتدفقات تمويلية متنوعة، من بينها ودائع دول خليجية يجري تجديدها على فترات محددة، إلى جانب إصدارات أدوات الدين بعملات مختلفة، وهو ما يعكس تعدد مصادر دعم الاحتياطي النقدي.
وعن انعكاس تحركات سعر الصرف على الأسواق المصرية، أكدت رمسيس أن خفض قيمة الجنيه يمنح الدولار قوة شرائية أكبر مقابل العملة المحلية، كما يعزز القوة الشرائية للمستثمرين العرب والأجانب عند دخول السوق المصرية، ويجعل الأصول والأسهم المحلية أكثر جاذبية من منظور المستثمر الذي يمتلك عملة أجنبية، على حد تحليلها.
وارتفع صافي الاحتياطيات الدولية من نحو 19 مليار دولار بنهاية أكتوبر 2016 إلى 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر/ أيلول 2026، أي ما يقارب ثلاثة أمثال مستواه السابق، مدعوماً بتدفقات التمويل والاستثمار والتحويلات.
وعلى صعيد المديونية، ارتفعت نسبة الدين الحكومي العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 91.6% في 2016 إلى ذروة بلغت 97.8% في 2017، قبل أن تتراجع إلى نحو 84% وفق تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026، فيما ظل عبء الفوائد والاحتياجات التمويلية من أبرز التحديات المالية.
أما التصنيف الائتماني السيادي، فقد انتقل لدى ستاندرد آند بورز من B- في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 إلى B بنظرة مستقرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2026، في حين رفعت موديز تصنيف مصر إلى B3 بنظرة إيجابية خلال أكتوبر 2026، وأبقت فيتش تصنيفها عند B بنظرة مستقرة، ما يعكس تحسناً نسبياً في تقييم الجدارة الائتمانية، لكنه يُبقي البلاد ضمن الفئة عالية المخاطر والمضاربة.
وأضافت أن تحركات سعر الصرف قد تدفع المستثمر المحلي أيضاً إلى توجيه جزء من مدخراته نحو البورصة باعتبارها أحد البدائل الاستثمارية التي يمكن أن تساعد في الحفاظ على قيمة الأموال في مواجهة مخاطر التضخم، إلا أن تأثير التعويم على أداء الأسهم لا يكون بالضرورة عميقاً أو مستداماً، نظراً إلى حساسية البورصة لمجموعة واسعة من المتغيرات الاقتصادية والمالية.
وأوضحت أن أبرز هذه المتغيرات يتمثل في الصراعات الجيوسياسية الإقليمية والعالمية، والأوبئة والجوائح مثل جائحة كورونا، فضلاً عن اتجاهات أسعار الفائدة، إذ يؤدي ارتفاع العائد على أدوات الدين إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة أمام المستثمر، الذي يصبح أمام مفاضلة بين الاستثمار في أدوات دين أكثر استقراراً وانخفاضاً في المخاطر، وبين التداول في الأسهم التي تتسم بتقلبات سعرية ومخاطر أعلى.
كما أشارت إلى أن اضطرابات سلاسل الإمداد، وتعطل مصادر الطاقة، وارتفاع أسعار الخامات ومدخلات الإنتاج، تمثل عوامل إضافية تؤثر على القطاعات الإنتاجية والشركات المقيدة في البورصة، وبالتالي تنعكس على تقييمات الأسهم واتجاهات المؤشرات.
التصنيف الائتماني
في سياق متصل، مثّل تحريك سعر صرف الجنيه المصري خلال السنوات العشر الماضية أحد أبرز التحولات في مسار الاقتصاد المصري، لما ترتب عليه من انعكاسات على السياسة النقدية، ومستويات التضخم، والاحتياطيات الأجنبية، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
ولم تقتصر تداعيات هذه القرارات على سوق الصرف، وإنما امتدت إلى نظرة مؤسسات التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري، في ظل تقييمها لمرونة السياسة النقدية، وتوافر السيولة الدولارية، وقدرة الحكومة على إدارة أعباء الدين وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
ومع مرور هذه التحولات، بدأت مؤسسات التصنيف الائتماني في إعادة تقييم الجدارة الائتمانية لمصر، في ضوء ما أحدثته مرونة سعر الصرف من تغييرات في تدفقات النقد الأجنبي وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية. وبينما اعتبرت بعض المؤسسات هذه الإجراءات خطوة داعمة لتحسين المؤشرات الاقتصادية وتقليص المخاطر التمويلية، ظلت مستويات الدين العام وأعباء خدمته واحتياجات التمويل الخارجي عوامل مؤثرة في تقييماتها.
وفي هذا السياق، قال مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، مصطفى أبوزيد، لـ CNBC عربية، إن مؤسسات التصنيف الائتماني تستند إلى معايير عدة لتقييم حالة أي اقتصاد، تتعلق باستدامة نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتنوع هيكل الاقتصاد، إلى جانب نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وحجم احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، وكفاءة السياسة النقدية في إدارة التضخم وسعر الصرف.
وأضاف: خلال تجربة الاقتصاد المصري منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 2016، الذي استهدف في مرحلته الأولى ضبط المالية العامة على جانبي الإيرادات والمصروفات، اتخذت الدولة قرار تحرير سعر الصرف في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، فقفز سعر الدولار من نحو 8 جنيهات إلى ما يقرب من 18 جنيهاً، قبل أن يتراجع إلى 15.7 جنيهاً، ويستقر عند تلك المستويات لعدة سنوات.
أما التضخم، فقد ارتفع بصورة كبيرة ليصل إلى نحو 30% في عام 2017، وكانت تصنيفات مؤسسات التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري منخفضة نتيجة الاضطرابات التي شهدها آنذاك، إذ بلغ تصنيف موديز B3، وستاندرد آند بورز B-.
ثم جاء العام المالي 2018/2019 ليشهد جني ثمار تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما انعكس على المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري، من خلال تحقيق نمو اقتصادي بلغ 5.6%، وتحقيق فائض أولي في الموازنة العامة للدولة للمرة الأولى، ما أدى إلى تحسن التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري، حيث رفعت ستاندرد آند بورز تصنيفها إلى B، وموديز إلى B2.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19، وأثبت الاقتصاد المصري قدرته على التكيف وامتصاص الصدمات، وثبّتت مؤسسات التصنيف الدولية نظرتها للاقتصاد المصري. لكن الحرب في أوكرانيا شكلت ضغطاً كبيراً على الاقتصاد، بسبب ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، وخروج الأموال الساخنة التي قُدّرت بنحو 20 مليار دولار، ما أدى إلى نقص العملة الدولارية وتنشيط السوق الموازية للنقد الأجنبي، وفق أبوزيد.
ويتابع: في هذه المرحلة، تراجعت التصنيفات الائتمانية للاقتصاد المصري بصورة كبيرة، إذ خفضت موديز تصنيفها إلى Caa1، كما خفضت ستاندرد آند بورز تصنيفها إلى B-.. ثم بدأ الوضع الاقتصادي يدخل مرحلة تحول إيجابية مع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج إصلاح اقتصادي بقيمة 8 مليارات دولار، ينتهي في ديسمبر/ كانون الأول 2026.
وأسهمت زيادة التدفقات الدولارية إلى الاقتصاد المصري، خاصة بعد صفقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، وتراجع معدل التضخم، الذي كان قد وصل في سبتمبر 2023 إلى 38%، إلى جانب تطبيق سياسة سعر الصرف المرن، في زيادة حجم الاحتياطي النقدي، والقضاء على سوق المضاربات في الدولار، واستعادة الثقة مجدداً في الجهاز المصرفي.
بالإضافة إلى ذلك، حقق الاقتصاد المصري معدلات نمو مستدامة، كان أحدثها 5.1%، وارتفع حجم الاحتياطي النقدي إلى 57 مليار دولار، وتحويلات المصريين بالخارج إلى 47 مليار دولار، والاستثمار الأجنبي المباشر إلى 18 مليار دولار.
ويستطرد: بالتالي، نجد أن هناك علاقة عكسية بين معدل التضخم وتقييمات مؤسسات التصنيف الائتماني؛ فكلما ارتفع معدل التضخم، اتجهت مؤسسات التصنيف إلى خفض تقييماتها للاقتصاد، والعكس صحيح. أما العلاقة بين مرونة سعر الصرف ومؤسسات التصنيف الائتماني، فهي علاقة طردية؛ فكلما اتسم سعر الصرف بالاستقرار والمرونة، تعززت ثقة المستثمرين ومؤسسات التصنيف، ما يدعم فرص رفع التصنيف الائتماني للاقتصاد.
تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة لـ CNBC عربية، إن مؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر شهدت تحسناً خلال السنوات العشر الماضية، سواء على مستوى معدلات النمو أو تراجع التضخم خلال فترات مختلفة، إلى جانب التحسن الملحوظ في التصنيف الائتماني للدولة، واستقرار سوق الصرف خلال بعض الفترات.
وأضاف بدرة أن تحركات سعر الصرف أسهمت في تعزيز الصادرات المصرية، إلى جانب تحسن مؤشرات قطاع السياحة، وهو ما انعكس على الصورة العامة لأداء الاقتصاد المصري خلال العقد الماضي.
وأوضح أن تحريك سعر الصرف كان ينبغي أن يصاحبه اتخاذ مجموعة من الإجراءات الأخرى، مشيراً إلى أن الاقتصاد المصري استفاد بصورة مقبولة من هذه التحركات، وهو ما يظهر في تحسن أداء الصادرات والسياحة.
وأشار إلى أن انخفاض قيمة الجنيه يمنح دفعة للقطاعات والأنشطة الاقتصادية التي تتأثر إيجابياً بتحسن تنافسية الأسعار، بما يدعم قدرتها على النمو وزيادة مساهمتها في النشاط الاقتصادي.
وفيما يتعلق بإدارة الدين العام، قال بدرة إن تشكيل لجنة حكومية لدراسة ووضع سقف للدين خلال السنوات المقبلة يمثل خطوة مهمة، مشدداً على ضرورة تحديد مستهدفات واضحة لمستويات الدين الخارجي والداخلي.
مستهدف الدين الخارجي
واقترح أن يكون هناك مستهدف للدين الخارجي لا يتجاوز 170 مليار دولار، مع وضع حد محدد للدين المحلي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بما يضمن وجود رؤية واضحة لإدارة الالتزامات المالية للدولة.
وأوضح أن تحديد هذه المستهدفات يجب أن يأخذ في الاعتبار الزيادة السكانية، وحجم المشروعات والاستثمارات المستهدف تنفيذها خلال السنوات الثلاث المقبلة، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بهذه التوسعات.
وشدد على أهمية أن تستند استراتيجية إدارة الدين إلى رؤية متكاملة، تتضمن تحديد حجم الاستثمارات المطلوب جذبها، وتقدير الإيرادات العامة المتوقعة، إلى جانب ضبط مستويات الإنفاق العام.
وتوقع بدرة أن تحقق اللجنة الحكومية المعنية بإدارة الدين نتائج إيجابية خلال الفترة المقبلة، استناداً إلى ما وصفه بالتحسن المقبول الذي شهدته إدارة الدين خلال العامين الماضيين.
وبذلك، تشير حصيلة العقد إلى أن تحرير سعر الصرف ساعد على إعادة بناء هوامش الأمان الخارجية وتحسين مرونة سوق النقد، لكنه لم يكن كافياً وحده لمعالجة الاختلالات الهيكلية أو خفض تكلفة الدين بصورة مستدامة.
