الاقتصاد المغربي.. كيف يواجه تداعيات حرب إيران؟ وما هي أبرز التحديات والفرص؟
(سي ان بي سي)-06/05/2026
يواجه الاقتصاد المغربي ضغوطاً متصاعدة مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، حيث انعكست تداعيات الصراع على أسعار النفط والغاز العالمية بشكل مباشر على الموازنة العامة والمالية العمومية، لكن في الوقت نفسه لا يزال يبدي مرونة نسبية.
بحسب تقرير صندوق النقد الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي، الصادر فى أبريل/نيسان 2026، فإن الاقتصاد المغربي يواجه ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، لكنه ما زال يحافظ على وتيرة نمو مستقرة نسبياً. لكن الصندوق بشكل عام يشيد بقدرة اقتصاد المملكة على التعافي والصمود، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة تسريع الإصلاحات.
توقع التقرير أن يسجل المغرب نمواً عند 4.9% في 2026 (وبذلك يكون المغرب “الأكبر نمواً بين الاقتصادات العربية في 2026 في تقديرات الصندوق)، قبل أن يستقر في حدود 2% على المدى المتوسط.
فيما أشار الصندوق إلى أن التضخم سيصعد مؤقتاً إلى حدود متوقعة بين 2%–2.5% خلال العام الجاري نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، على أن يعود لاحقاً إلى مستويات أكثر استقراراً.
كما أبرز التقرير أن فاتورة الطاقة المرتفعة ستؤدي إلى اتساع العجز التجاري، حيث يعتمد المغرب على استيراد معظم احتياجاته من الطاقة، وهو ما يضغط على الميزانية العامة.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغت مستوى قياسياً عند 56 مليار درهم في 2025، مؤكداً أن الإصلاحات الهيكلية وتوسيع الاستثمار في الطاقات المتجددة تبقى ضرورية لضمان استقرار الأسعار ودعم النمو المستدام.
صدمة الطاقة
أعدت الحكومة المغربية ميزانية 2026 على أساس تقديرات متوقعة لسعر النفط عند متوسط 65 دولاراً للبرميل، لكن الأسعار تجاوزت حاجز 110 دولارات بعد اندلاع الحرب.
وهو ما نتج عنه ارتفاع فاتورة دعم الطاقة، ما يضغط على الميزانية ويزيد نفقات الدعم، بينما ما تزال الحكومة تحافظ على استقرار أسعار الوقود داخلياً لتجنب اضطرابات اجتماعية، برغم ارتفاع تكلفة الاستيراد.
يعلق رئيس المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الخبير الاقتصادي المغربي رشيد الساري، فى حديثه مع CNBC عربية بالقول: إن اعتماد المغرب على استيراد أكثر من 90% من احتياجاته الطاقية انعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية.
ويوضح أن الحرب الأخيرة أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بنحو 18% والديزل بنسبة 12%، وهو ما زاد من الضغوط على الاقتصاد الوطني.
ويقول الأستاذ السابق بكلية الحقوق والاقتصاد بجامعة ليموج في فرنسا، الخبير الاقتصادي هشام بن فضول، فى حديثه مع CNBC عربية إن تداعيات الحرب في إيران يمكن تشبيهها بتداعيات الحرب في أوكرانيا في مجال الطاقة، موضحاً أن التضخم سيضغط بقوة على جيوب المغاربة ويقلص استهلاكهم، ما قد يؤدي إلى تراجع العائدات الخاصة بضريبة القيمة المضافة.
ويضيف بنفضول قائلاً: المغرب يستورد مشتقات البترول مثل البتروكيماويات، وعند ارتفاع أسعار المواد الأولية يتقلص هامش الربح، وهو ما يضعف تنافسية المنتجات المغربية مقارنة بمثيلاتها الأوروبية.
وبلغ العجز التجاري نحو 87,37 مليار درهم في الربع الأول من 2026، مدفوعاً بارتفاع واردات الطاقة، وفق بيانات مكتب الصرف.
وتهدد الحرب استمرار تدفق الاستثمارات نحو المغرب، مع مخاوف من تراجع تحويلات المغاربة بالخارج نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة في أوروبا والخليج.
لكن أحدث البيانات تدحض تلك المخاوف، إذ واصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج ارتفاعها، حيث بلغت أزيد من 29,7 مليار درهم عند نهاية مارس/ آذار 2026، مقابل 26,62 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق أحدث بيانات مكتب الصرف.
فيما تواجه عديد من القطاعات ضغوطات ملحوظة ناجمة عن ارتفاع كلفة الطاقة، على رأسها القطاع الزراعي. ويشير الخبير الاقتصادي رشيد الساري، في هذا السياق، إلى أن القطاع الفلاحي يعاني من ارتفاع تكاليف النقل، فيما امتدت هذه الضغوط إلى الصناعات التحويلية والخدمات اللوجيستية، إضافة إلى القطاع السياحي والخدمات المرتبطة به، حيث ارتفعت تكلفة الإنتاج والنقل بشكل ملحوظ.
لكن حتى الآن يستطيع الاقتصاد المغربي تقديم مستويات لافتة في القطاع السياحي رغم الحرب في الشرق الأوسط، إذ أعلنت وزارة السياحة المغربية، يوم الجمعة 3 مارس/ آذار، أن المغرب استقبل 4.3 مليون سائح خلال الأشهر الثلاثة الأولى هذا العام بزيادة 7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي على الرغم من تأثير التوتر في الخليج على حركة الطيران وتكاليف السفر على الصعيد العالمي. وعلى الرغم من التوتر في الخليج، ذكرت وزارة السياحة في بيان “تميز شهر مارس بدينامية استثنائية، حيث بلغ عدد السياح نحو 1.6 مليون سائح، بزيادة قدرها 18% مقارنة بشهر مارس 2025”.
وكانت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، قد أشارت فى مارس/آذار فى تصريحات صحافية، إلي أن المغرب يملك الأدوات والخبرة اللازمة للتخفيف من آثار الأزمات، مع وجود احتياطيات من المحروقات والعملات الأجنبية، إضافة إلى سياسات عمومية أثبتت فعاليتها، وفق وكالة الأنباء المغربية الرسمية (MAP).
كما نقلت وكالة الأنباء المغربية الرسمية (أبريل 2026) عن مجلس الحكومة أن الأولويات الحكومية فى مواجهة آثار الصراع فى الشرق الأوسط، تشمل تعزيز الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، وتوسيع الاستثمار في الطاقات المتجددة لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
أبرز الفرص
يلفت الساري إلى أن نسبة الكهرباء المنتجة من الطاقة المتجددة بلغت 42%، مع توقعات بتجاوز 50% بحلول عام 2023، وهو ما قد يسهم في تقليص فاتورة استيراد الطاقة مستقبلاً.
وتحدث الساري عن التوقعات المستقبلية للمغرب، قائلاً إن النمو يمكن أن يتجاوز 5% رغم التداعيات، وأضاف أن هذه المعطيات تفتح النقاش حول الفرص المتاحة، حيث يمكن للمغرب أن يعزز مكانته كمركز تجاري إقليمي بديل بفضل موانئ غرب المتوسط، خاصة ميناء طنجة الذي يتمتع بأهمية استراتيجية.
غير أنه يشدد على أن استمرار أسعار النفط المرتفعة سيضغط على الميزان التجاري الذي سجل عجزاً بلغ 38 مليار دولار العام الماضي، كما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم بين 6% و8%.
وختم الساري بالتأكيد على ضرورة تنويع الشراكات التجارية مع أوروبا وأفريقيا للاستفادة من الفرص التي تتيحها الظروف الراهنة الناتجة عن الحرب.
الاستفادة من الأزمات
بينما يؤكد بن فضول أن المغرب يسعى للاستفادة من الأزمات، فكما استفاد من حرب أوكرانيا عبر تسريع إنشاء خط أنبوب الغاز مع نيجيريا، فإنه اليوم مع الأزمة الإيرانية يدرك أهمية البحث عن حلول وبدائل للطاقة، مثل رفع إنتاجية الطاقة من الشمس والرياح، والبدء في إنتاج الهيدروجين الأخضر.
وبلفت بن فضول إلى أن السيارات الكهربائية باتت تشكل حيزاً متزايداً من صناعة السيارات في المغرب، مع وجود علامات مثل Renault الفرنسية والسيارات الصينية، ما يعزز مكانة المغرب في هذا القطاع، ويشدد على ضرورة إعادة رفع ثقافة الاستهلاك لدى المواطن المغربي للاعتماد على المنتجات المحلية والإفريقية والأوروبية، مع ضبط سياسة الموازنة العامة، مؤكداً أن فرضية سعر النفط عند مستوى أقل من 70 دولار لا يجب أن تتكرر، لأن السلم الاجتماعي مرتبط بشكل مباشر بالاستقرار الاقتصادي.
