الحرب تسرّع تحصين اقتصادات الخليج إستراتيجياً
(القبس)-17/08/2026
أفاد تقرير حديث بأن اقتصادات الخليج أظهرت قدرة على الصمود بصورة خالفت الكثير من التوقعات، التي سادت في بداية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أواخر فبراير الماضي، حين كان الاعتقاد السائد بأن أسعار النفط ستقفز، والأسواق المالية ستشهد تقلبات حادة، فيما ستتعرض الاقتصادات الخليجية لصدمة مؤقتة قبل أن تستعيد نشاطها سريعاً.
وأوضح تقرير موقع «ذا ناشيونال» أن مرور خمسة أشهر على اندلاع الحرب أظهر أن تلك الافتراضات كانت قصيرة النظر، إذ اتضح أن الخطر الاقتصادي الأكبر لا يتمثل في ارتفاع أسعار النفط وحده، وإنما في تعطل قدرة دول الخليج على تصدير الطاقة واستيراد السلع وممارسة أنشطتها بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز.
صدمة أكبر
وأشار «ذا ناشيونال» إلى أن التمييز بين ارتفاع أسعار النفط وتعطل الصادرات أمر بالغ الأهمية بالنسبة لاقتصادات الخليج، إذ تستفيد الدول المنتجة عادة من صعود الأسعار، بينما يؤدي استمرار تعطل صادرات النفط والغاز إلى إلحاق أضرار اقتصادية بها.
ولفت إلى أن البنك الدولي أظهر حجم التحول في التوقعات، عندما خفض في أبريل توقعاته لنمو اقتصادات الخليج خلال 2026 من %4.4 إلى %1.3 فقط، قبل أن تصبح النظرة أكثر تشاؤماً بحلول يوليو.
وبحسب استطلاع لوكالة «رويترز» شمل اقتصاديين، كان متوقعاً انكماش اقتصادي الكويت وقطر بنسبة %8.1 لكل منهما، والبحرين بنسبة %5.1، والإمارات بنسبة %0.5، في حين كان متوقعاً أن تحافظ السعودية وسلطنة عمان على معدلات نمو إيجابية، بفضل امتلاكهما مسارات أكثر تنوعاً للصادرات.
وأضاف الموقع أن المفارقة تتمثل في أن أسعار النفط لم تستقر عند المستويات القياسية، التي كان يخشى وصولها إليها في بداية الحرب، إذ كان خام برنت يتداول قرب 84 دولاراً للبرميل في 10 أغسطس، مقارنة بمخاوف مبكرة من أن يؤدي استمرار الاضطرابات إلى دفع الأسعار نحو 120 إلى 150 دولاراً للبرميل.
حسابات مختلفة
وأوضح أن المشكلة الأساسية لدول الخليج لم تعد مرتبطة بمدى ارتفاع أسعار النفط، بل بقدرتها على إنتاج النفط ونقله وبيعه، لافتاً إلى أن التوقعات الاقتصادية المبكرة بُنيت على افتراض إعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة قصيرة نسبياً.
وأشار إلى أن توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في يوليو، افترضت بدء إعادة فتح المضيق في منتصف الشهر نفسه، والعودة تدريجياً إلى الأوضاع الطبيعية بحلول مارس 2027، إلا أن هذا الجدول الزمني ثبت أنه متفائل بدرجة كبيرة.
تكلفة الاستمرار
وذكر الموقع أن أهمية عامل الوقت ترجع إلى تراكم التداعيات الاقتصادية كلما طالت الأزمة، إذ يمكن لارتفاع تكاليف الشحن وأقساط التأمين وتعطّل سلاسل الإمداد، وتأجيل الاستثمارات وضعف ثقة المستهلكين، أن تصبح أكثر ضرراً من القفزة الأولية في أسعار النفط.
وبيّن أن الأشهر الخمسة الماضية كشفت أيضاً عن تفاوت كبير في تأثير الحرب على اقتصادات الخليج، حيث تتمتع السعودية بحماية أكبر بفضل البنية التحتية لخط أنابيب الشرق – الغرب، فيما تمتلك سلطنة عمان موانئ خارج المضيق، كما تتوافر لدى الإمارات بنية تحتية بديلة لتصدير الطاقة، رغم أن مكانتها مركزاً عالمياً للخدمات اللوجستية والطيران والسياحة والمال تجعلها عرضة بدرجة ما للتداعيات الأوسع للاضطرابات الإقليمية.
وأوضح أن النظرة السائدة لآفاق دول الخليج على المدى المتوسط أصبحت أقل تشاؤماً، مقارنة بأكثر فترات الحرب صعوبة، لكنها في الوقت نفسه باتت أكثر حذراً بشأن الآفاق القصيرة الأجل.
وتشير توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في يوليو إلى إمكانية حدوث انتعاش قوي في 2027 بالنسبة للاقتصادات، التي تستعيد صادراتها من الطاقة وشبكات النقل نشاطها، إذ يتوقع، على سبيل المثال، تسارع نمو الاقتصاد السعودي من %1.7 في 2026 إلى %5.5 في 2027.
مسار التعافي
وأوضح الموقع أن هذه التوقعات تعكس اعتقاداً بأن جانباً كبيراً من الأضرار الاقتصادية الحالية يمثل تأخيراً للنمو وليس خسارة دائمة له، إلا أن هذا السيناريو يعتمد بصورة أساسية على إمكانية عودة الأوضاع إلى طبيعتها على المديين القريب والمتوسط.
وأضاف أنه في حال إعادة فتح مضيق هرمز وتحسن الأمن الإقليمي، يمكن أن تشهد اقتصادات الخليج انتعاشاً قوياً مع استئناف الاستثمارات المؤجلة وإنتاج الطاقة والسياحة والتجارة ومشاريع البنية التحتية.
لكن استمرار الاضطرابات قد يحول مسار التعافي المتوقع من شكل V، الذي يعكس هبوطاً حاداً يتبعه تعافٍ سريع، إلى شكل U يتسم بفترة أطول من الضعف قبل استعادة النشاط الاقتصادي.
وأكد «ذا ناشيونال» أن إحدى النتائج الطويلة الأجل للحرب بدأت تتضح بالفعل، إذ من المرجح أن تصبح دول الخليج أكثر وعياً بالمخاطر الاقتصادية الناجمة عن التركّز الجغرافي لصادرات الطاقة ومسارات الشحن وإمدادات الغذاء والبنية التحتية الحيوية.
وتوقع أن يؤدي ذلك إلى تسارع الاستثمار في الممرات اللوجستية البديلة، ومرافق التخزين، والإنتاج المحلي، وأمن الطاقة، وتعزيز قدرة سلاسل الإمداد على مواجهة الصدمات.
تكلفة الاعتماد الجيوسياسي
خلص التقرير إلى أنه قبل خمسة أشهر كان النقاش الاقتصادي يتركز إلى حد كبير على سعر النفط، أما اليوم فأصبح يدور بصورة أكبر حول تكلفة الاعتماد الجيوسياسي، التي قد تتحول في نهاية المطاف إلى أهم الآثار الاقتصادية وأكثرها استدامة، التي تتركها الحرب على منطقة الخليج.
