انحسار التوترات يعيد تدفقات الودائع للقطاع المصرفي الكويتي
(القبس)-08/05/2026
تشير تطورات المشهد المصرفي خلال الفترة الأخيرة إلى عودة تدريجية لمزيج من الودائع سواء من العملاء المحليين أو ضمن شبكة العملاء الدولية، وذلك بعد مرحلة من الترقب الحذر التي سادت مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة. هذه العودة تعكس تحولاً في سلوك المودعين، مدفوعاً بقراءة أكثر توازناً للمخاطر، الى جانب ثقة متجددة بمتانة القطاع المصرفي وقدرته على امتصاص الصدمات.
في بداية الأزمة، وتحديدا خلال الأسابيع الأولى من تصاعد التوترات، شهدت بعض البنوك حالة من الحذر الواضح في حركة الودائع، حيث تم رصد عدم تجديد جزء منها، ولا سيما تلك المرتبطة بشبكة العملاء الدولية، وقد جاء ذلك في سياق طبيعي يعكس سلوك المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية في أوقات عدم اليقين، اذ تميل هذه الفئات الى اعادة توزيع السيولة أو الاحتفاظ بها في أدوات أكثر سيولة وأقل مخاطرة، الى حين اتضاح الرؤية.
ومع مرور الوقت وبدء انحسار حدة التوترات أو على الأقل استيعاب الأسواق لتداعياتها بدأت ملامح عودة الثقة تظهر تدريجياً، فقد عادت بعض الودائع التي لم يتم تجديدها سابقاً الى جانب تدفقات جديدة سواء من عملاء محليين أو دوليين، في مؤشر واضح على إعادة تموضع السيولة بدلاً من خروجها الكامل من النظام المصرفي.
عوامل عدة
تعكس هذه العودة عوامل عدة أبرزها استمرار الاستقرار النسبي في المؤشرات الاقتصادية الكلية، وقوة المراكز المالية للبنوك، اضافة الى السياسات الاحترازية التي عززت مستويات السيولة والملاءة، كما لعبت أسعار الفائدة دوراً مهماً في اعادة جذب الودائع، حيث وفرت بيئة عائد مناسبة مقارنة ببعض الأسواق الأخرى، ما شجع على اعادة توظيف الأموال داخل القطاع المصرفي.
من جانب آخر، يلاحظ أن عودة الودائع لم تكن متجانسة بالكامل، بل جاءت بشكل انتقائي ومدروس، فبعض المؤسسات الدولية فضلت العودة تدريجياً عبر ودائع قصيرة الى متوسطة الأجل، مع ابقاء جزء من السيولة في حالة مرونة تحسبا لأي تطورات غير متوقعة.
في المقابل، أظهر العملاء المحليون ميلاً أكبر للاستقرار، مدفوعين بعوامل الثقة بالنظام المصرفي والارتباط الوثيق بالاقتصاد المحلي.
اختبار ضغط
ويرى مصرفيون أن ما حدث خلال الفترة الماضية يمثل «اختبار ضغط طارئ» للقطاع نجح في تجاوزه دون تأثيرات جوهرية في استقراره، بل على العكس عززت هذه التجربة من قناعة المودعين خاصة الدوليين بقدرة البنوك على التعامل مع الأزمات بكفاءة، وهو ما انعكس في عودة التدفقات بشكل تدريجي. كما أن البنوك نفسها استفادت من هذه المرحلة في اعادة تقييم استراتيجيات ادارة السيولة، وتنويع قاعدة الودائع، وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل الأكثر تقلبا، وقد يدفع ذلك مستقبلا نحو تعزيز التركيز على الودائع المستقرة، سواء من الأفراد أو المؤسسات ذات العلاقة الطويلة الأجل، بما يحد من تأثير أي تقلبات خارجية.
وتعد عودة الودائع خلال الفترة الأخيرة تعكس تحولا من مرحلة ادارة المخاطر القصوى الى اعادة التموضع المدروس، وهي مرحلة عادة ما تتبع فترات التوتر الجيوسياسي، وبينما لا تزال بعض التحديات قائمة فإن المؤشرات الحالية توحي بأن القطاع المصرفي تمكن من استعادة جزء مهم من زخمه، مدعوماً بثقة المودعين واستقرار الأسس المالية. ومن المتوقع أن تستمر هذه الوتيرة الايجابية ولو بشكل تدريجي مع بقاء سلوك المودعين مرتبطاً بتطورات المشهد الجيوسياسي.
