بطرس غالي: التهام تكاليف الاقتراض للموازنات العامة من أبرز المخاطر المتربصة بالاقتصاد العالمي
(الوفد)-04/11/2026
أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن الاقتصاد العالمي يعيش حالة من الصمود الهش والمجزأ، مشدداً على أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد ظرف مؤقت، بل هو اختلال هيكلي عميق يفرض تحديات قاسية على الاقتصادات الناشئة وفي مقدمتها المنطقة العربية.
وأوضح غالي، خلال كلمته في قمة الصلب العربي، أن التوقعات التي تشير إلى نمو عالمي بنحو 3.1% و3.5% تخفي خلفها ضغوطاً تضخمية حادة تقدر بنحو 4.7% تعتمد في تراجعها على افتراضات مشكوك فيها مثل إعادة فتح مضيق هرمز. ولفت غالي، إلى أن تباين معدلات النمو يعكس حالة من الانقسام الحاد؛ حيث تتباطأ الصين والولايات المتحدة، بينما تتركز نسبة هائلة من النمو العالمي في عدد محدود للغاية من الدول والشركات، مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي وتضخم الطاقة.
وحدد غالي أربعة مخاطر رئيسية تتربص بالاقتصاد العالمي، تتمثل في فقاعة الذكاء الاصطناعي وخطر انهيار استثماري على غرار “دوت كوم” إذا لم تتحقق العوائد المرجوة، وأزمة الطاقة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، ما يخصم أكثر من نقطة مئوية من نمو العالم.
وتابع، “من ضمن المخاطر أيضا المديونية الحكومية والتهام تكاليف الاقتراض للموازنات العامة وتقليص الإنفاق على البنية التحتية، فضلا عن التجزئة التجارية وتحول سلاسل الإمداد نحو “الأمن لا الكفاءة” بفعل الحروب الجمركية والسياسات الحمائية”.
ووجه غالي، انتقاداً للنموذج الاقتصادي الصيني القائم على التصدير المفرط لدعم اقتصادها الذي ينتج ثلث السلع المصنعة عالمياً بينما لا يستهلك محلياً سوى نزر يسير، مستعيناً بأدوات تنافسية اعتبرها “غير عادلة” تشمل الدعم الواسع وخفض قيمة العملة.
وأشار إلى أن الفائض التجاري الصيني الضخم الذي بلغ أرقاماً فلكية هذا العام يتدفق بنسبة 45% نحو الدول النامية، متسبباً في إغراق الأسواق بواردات رخيصة تعطل التصنيع المحلي وتأجيج الحروب التجارية عالمياً، محذراً من أن أي تصحيح مفاجئ في هذا المسار قد يقود العالم إلى ركود مدمر.
وفيما يخص قطاع الصلب، أكد غالي أن تراجع الطلب الصيني دفع بكين إلى تصريف فائض إنتاجها الهائل للأسواق الخارجية، مما يهدد بانقسام السوق العالمي إلى منظومتين (مفتوحة رخيصة ومغلقة بالرسوم والحصص).
وعلى الصعيد العربي، لفت غالي إلى أن المنطقة تعرضت لصدمة مزدوجة تمثلت في إغلاق مضيق هرمز الذي أضر بنقص المواد الخام وخفض الإنتاج ونمو الطلب، إلى جانب القيود والإجراءات الأوروبية الحمائية وآلية تعديل حدود الكربون (CBAM) التي كبدت الصادرات العربية خسائر فادحة (مثل تراجع صادرات مصر من الصلب بنحو الثلثين هذا العام)، فضلاً عن تحديات التمويل وأمن المواد الخام.
ورغم ذلك، شدد غالي، على وجود فرصة ذهبية استراتيجية؛ إذ تملك المنطقة العربية (مصر والسعودية والخليج) ميزة نسبية هائلة باعتبارها تنتج نحو 30% من الحديد المختزل مباشرة (DRI) عالمياً، وتمتلك مقومات الطاقة الشمسية والغاز، مما يؤهلها لتكون المركز العالمي للصلب منخفض الكربون خلال العقد القادم.
وقدم غالي، 6 توصيات عملية لضمان صمود وحماية صناعة الصلب في المنطقة، تشمل تأمين سلاسل الإمداد عبر تنويع المسارات وبناء مخزون استراتيجي وتعاون لوجستي إقليمي، الاستعداد لآليات الكربون بالإسراع في اعتماد جهات قياس وتسجيل المحتوى الكربوني للمنتجات فوراً، حماية السوق جماعياً بتوحيد المواصفات القياسية للواردات والتحرك ككتلة واحدة في مواجهة الإغراق، بناء الطلب المحلي باستثمار النمو السكاني ومشاريع البنية التحتية والمدن الجديدة ضمن الحدود المالية المتاحة، تمويل التوسع على مراحل بالبدء بالطاقة المتجددة، ثم القوالب الخضراء، وصولاً لتأسيس مصانع جديدة، والتحدث بصوت واحد بالتنسيق المشترك والضغط بكتلة تفاوضية واحدة في بروكسل والأمم المحافل الدولية.
وشدد د. يوسف بطرس غالي في رسالته الختامية على أن منطقتنا تملك ميزة نسبية حقيقية تؤهلها للريادة، لكن ذلك لن يتحقق بالعمل المنفرد، بل بالتكامل، والقياس الأمين، وحماية السوق، وتوحيد الخطاب العربي.
