خدمة الدين.. كابوس مستمر يداهم الموازنات الحكومية
(البيان)-05/10/2026
تتضافر مجموعة من العوامل لتدفع بفاتورة خدمة الدين العالمي نحو مستويات قياسية، يأتي في مقدمتها التراكم التاريخي للالتزامات المالية؛ إذ يتجاوز إجمالي الدين العالمي -بما يشمل القطاعات الحكومية والشركات والأسر- حاجز 353 تريليون دولار وفقاً لأحدث قراءات مؤشر «مراقبة الديون العالمية» الصادر عن معهد التمويل الدولي.
ولم يتوقف الأمر عند ضخامة الكتلة الحرجة للديون، ليتفاقم العبء نتيجة تحول البنوك المركزية الكبرى نحو «نهج أسعار الفائدة الأعلى لفترة أطول»؛ وهو التحول الذي أنهى حقبة الفائدة الصفرية، وفرض على الحكومات والمؤسسات تكاليف باهظة عند إعادة تدوير الديون القديمة المستحقة وتجديدها عبر إصدار سندات ذات عوائد مرتفعة.
ويكتمل هذا المشهد الضاغط بالتراجع المتواصل لقيم العملات الوطنية في كثير من الأسواق الناشئة والدول النامية أمام العملات الرئيسية كالدولار واليورو، مما يضاعف عملياً القيمة الفعلية لأقساط الديون والفوائد المقومة بالعملات الأجنبية عند تدبيرها من الميزانيات المحلية.
تلقي الضغوط المالية بظلالها على الأداء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي للدول، ويتجلى ذلك في ظاهرة «تزاحم الإنفاق»؛ إذ تضطر عشرات الحكومات اليوم لتوجيه حصص من ميزانياتها لخدمة الدين تتجاوز بمراحل المخصصات الموجهة لقطاعات حيوية كالتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية مجتمعة.
ونتيجة لهذا الاستنزاف المستمر للتدفقات النقدية، تتقلص المساحة المالية المتاحة لمتخذي القرار بشكل حاد، مما أدى إلى تقليص قدرة الدول على الاستثمار في مشاريع البنية التحتية طويلة الأجل، وتأخير خطط التحول الأخضر، واستنفاد الهوامش الوقائية الكفيلة بمواجهة الصدمات الاقتصادية أو تقلبات الأسواق العالمية.

مستوى قياسي
وتشير تقديرات معهد التمويل الدولي إلى أن مستويات الدين العالمي بلغت مستوى قياسياً يقارب 353 تريليون دولار بنهاية مارس.
وذكر تقرير المعهد أن حملة الاقتراض التي شنتها واشنطن كانت أحد المحركات الرئيسية لارتفاع الدين العالمي بنمو 5 تريليونات دولار في الربع الأول (مقارنة بنهاية العام الماضي التي سجل فيها نحو 348 تريليون دولار)، وهي أسرع زيادة منذ منتصف 2025 وخامس زيادة ربع سنوية متتالية.
وبالنظر إلى نسب الدين الرئيسية، بلغ الدين العالمي 305 % من الناتج الاقتصادي العالمي، نجد أن ارتفاع الدين العالمي يرجع بشكل عام إلى استمرار صعود الاقتراض العالمي إلى تكلفة شيخوخة السكان، الإنفاق الدفاعي، تمويل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ومشاريع أمن الطاقة.
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة «Cedra Markets»، جو يرق، لـ«البيان» إن نموذج الدين العالمي يشهد تصاعداً متسارعاً بدأت تظهر تداعياته بوضوح، لافتاً إلى أن ارتفاع عوائد السندات يعكس مطالبة المستثمرين بعوائد أكبر مقابل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الديون.
وأوضح أن الولايات المتحدة تمثل أحد أبرز الأمثلة على تنامي أعباء الدين، مشيراً إلى أن الدين الأمريكي ارتفع بأكثر من 100 % منذ عام 2017.

فيما ارتفعت تكلفة خدمة الدين خلال السنوات الخمس الماضية من نحو 350 مليار دولار إلى أكثر من تريليون دولار، مع توقعات بأن تصل إلى نحو تريليوني دولار، وهو ما يشكل ضغطاً متزايداً على الموازنة الأمريكية.
وبلغت مدفوعات الفائدة الصافية الفيدرالية الأمريكية 1.25 تريليون دولار في 2025، أي ما يعادل 18.5 % من الإيرادات الفيدرالية، وفقاً لتحليل أجرته شركة إدارة الاستثمار «DoubleLine».
وتجاوزت النسبة الرقم القياسي السابق البالغ 18.4 % المسجل في 1991. وتأتي هذه الزيادة في الوقت الذي وصل فيه إجمالي الدين القومي الأمريكي إلى نحو 40 تريليون دولار، ولا تزال تكاليف الاقتراض مرتفعة مقارنة بمعظم العقد السابق.
وبالعودة إلى حديث يرق، فإنه يضيف أن بريطانيا وفرنسا وغيرهما من الاقتصادات الكبرى تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع مستويات العجز والدين، موضحاً أن بعض الدول الأوروبية سجلت عجزاً تتجاوز 6 % من الناتج المحلي الإجمالي، بما يفوق المستهدفات المالية الأوروبية.
الدين الأوروبي
وبلغ الدين الحكومي في الاتحاد الأوروبي أعلى مستوى له عند 18,088 تريليون دولار في مارس 2026، مقارنة بـ 18,046 تريليون دولار في الربع السابق، بحسب بيانات «CEIC».
وفي نهاية الربع الأول من عام 2026، بلغت نسبة الدين الحكومي الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو 88.9 %، بزيادة مقارنة بنسبة 87.7 % في نهاية الربع الرابع 2025.
وفي الاتحاد الأوروبي، ارتفعت النسبة أيضاً من 81.8 % إلى 82.9 %، وفقاً للمكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي «يوروستات».
وبلغت الفاتورة السنوية لمدفوعات الفوائد على الديون الحكومية لدول الاتحاد الأوروبي الـ 27 حوالي 357.5 مليار يورو، وفق بيانات «eudebtmap». وتستنزف مدفوعات الفوائد ما متوسطه 1.8 % إلى 2 % من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو.
ويشير يرق إلى أن الإنفاق الحكومي الكبير خلال السنوات العشر الماضية، سواء بسبب جائحة كورونا أو الحرب في أوكرانيا أو زيادة الإنفاق الدفاعي، عوامل أسهمت في تفاقم مستويات الدين.
لافتاً إلى أن ألمانيا، على سبيل المثال، اضطرت إلى الاقتراض بشكل أكبر لتمويل موازنات إضافية للدفاع، في حين تواجه اليابان بدورها مستويات مرتفعة من الدين والإنفاق الحكومي، إلى جانب استمرار الضغوط المالية في بريطانيا.
ويتابع أن الحكومات اعتادت خلال فترات طويلة على ما وصفه بـ«المال الرخيص»، في ظل انخفاض أسعار الفائدة، إلا أن ارتفاع الفوائد في الوقت الحالي يجعل تكلفة الاقتراض وخدمة الدين أكثر عبئاً، محذراً من أن أي أزمة مالية مقبلة قد تتأثر بشكل كبير بأزمة الديون العالمية.
ويؤكد أن الرهان الأساسي أمام الاقتصادات الكبرى يتمثل في قدرة الذكاء الاصطناعي والاستثمارات الضخمة المرتبطة به على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بما يساعد على خفض تكلفة الدين مقارنة بحجم الاقتصاد. ويوضح أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يجعل أعباء الدين أكثر قابلية للإدارة.
ولفت إلى أن تقليص بعض الدول لحيازاتها من ديون دول أخرى يمثل عامل ضغط إضافياً، مشيراً إلى مبيعات اليابان من سندات الخزانة الأمريكية، وانخفاض حيازة الصين من السندات الأمريكية من أكثر من تريليون دولار إلى نحو 730 مليار دولار، وهو ما يعكس تغيراً في توجهات إدارة الاحتياطيات.
اليابان بالصدارة
وتظهر تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026 تصدُّر اليابان قائمة الاقتصادات المتقدمة الأعلى في نسبة الدين الحكومي الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 204.4 %، مدفوعةً بالإنفاق الهيكلي المزمن وضغوط الشيخوخة الديموغرافية.
وتليها في الترتيب إيطاليا بنسبة 138.4 % نتيجة استمرار تراكم الديون السيادية في منطقة اليورو، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 125.8 % وسط اتساع العجز المالي الأولي.
وتستمر الضغوط المالية على بقية القوى الاقتصادية المتقدمة؛ حيث تصل نسبة الدين إلى 103.6 % في بريطانيا و98.2 % في إسبانيا، وهو ما يُبقي متوسط منطقة اليورو عند مستوى 87.8 %.
عربياً، ولجهة مستويات الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين الدول العربية، يتصدر السودان والبحرين القائمة بمستويات دين تتجاوز حجم اقتصادهما الكلي؛ إذ يسجل السودان أعلى نسبة عربية بواقع 169.1 %، يليه البحرين بنسبة 152.4 %.
وتأتي كل من مصر وتونس في المرتبة التالية بنسبة متساوية بلغت 84.9 %، يتبعهما الأردن بنسبة 81.8 %. ويحل المغرب في المرتبة السادسة بنسبة 65.8 %، يليه العراق بنسبة 61.7 %، ثم الجزائر بنسبة 59.2 %.
وقطر بنسبة 43.3 % وموريتانيا بنسبة 37.1 %، وذلك وفقًا لبيانات مراجعة شهر أبريل الصادرة عن صندوق النقد الدولي.
وإلى جانب ارتفاع أصل الدين العام، يبرز التحدي الأكبر في كلفة «خدمة الدين» أو الفوائد والأقساط المستحقة، والتي أصبحت تلتهم حصة متزايدة من الموازنات الإقليمية.
من جهته، يرى محلل الأسواق المالية في شركة «First Financial Markets»، دانيال البنا، أن التوسع الكبير في الإنفاق والاستثمار، خصوصاً في الولايات المتحدة، سواء على القطاع الصناعي أو مراكز البيانات.
إلى جانب لجوء دول أخرى مثل فرنسا وبريطانيا إلى الاقتراض لتمويل العجز ودعم الاقتصاد، أسهم في زيادة مستويات الدين عالمياً، موضحاً لدى حديثه مع «البيان» أن الخطر الحقيقي يكمن في تجاوز نمو الدين لمعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي.
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تصل نفقات الفائدة إلى 25 % من الإيرادات الفيدرالية بحلول 2036 وفقًا لافتراضاته الأساسية.
وتفترض هذه التوقعات عدم حدوث تباطؤ كبير أو ركود أو ارتفاع ملحوظ في عوائد سندات الخزانة خلال هذه الفترة.
بينما تبقى التوقعات مجرد تقديرات وتعتمد على الظروف الاقتصادية المستقبلية وأسعار الفائدة والاقتراض الحكومي والسياسة المالية.
ويقول البنا إن العالم يدخل في حلقة مفرغة تتمثل في ارتفاع مستويات الدين والعجز في الموازنات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة، إذ تلجأ الحكومات إلى إصدار المزيد من السندات لتمويل العجز، ثم تجد نفسها أمام عجز جديد في السنوات التالية، ما يدفعها إلى إعادة التمويل وتأجيل استحقاقات الدين وإصدار سندات لآجال أطول.
ويشير إلى أن المستثمرين بدأوا بالفعل في تسعير هذه المخاطر، وهو ما انعكس في ارتفاع عوائد السندات الحكومية العالمية، ولا سيما على الآجال الطويلة مثل سندات العشر والثلاثين عاماً.
موضحاً أن ارتفاع العوائد لم يعد مرتبطًا فقط بالمخاطر الجيوسياسية أو التضخم، وإنما يعكس أيضاً القلق المتزايد بشأن استدامة مستويات الدين على المدى الطويل.
ويضيف أن هذا القلق يبدو واضحاً بشكل خاص في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، في ظل ارتفاع احتياجات الاقتراض لتمويل قطاعات الصحة والتقاعد والإنفاق الدفاعي، خصوصاً منذ اندلاع حرب أوكرانيا في 2022.
ويؤكد أن ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً إلى مستويات تتجاوز 5 % يعيد إلى الأذهان مستويات شوهدت قبل الأزمة المالية العالمية.
معتبراً أن تطورات سوق السندات تستحق متابعة دقيقة، باعتبار أن سوق السندات غالباً ما يستبق مؤشرات الاقتصاد الحقيقي ويعكس المخاطر قبل ظهورها بصورة واضحة في الأسواق الأخرى.
ضغوط على الأسواق
وفي هذا السياق، يحذر من أن تغير اتجاه السيولة عالمياً نتيجة المخاوف المتزايدة بشأن أسواق السندات قد يؤدي إلى ضغوط على الأسواق المالية.
لافتاً إلى أهمية مراقبة الفارق بين عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين و10 أعوام. ويوضح أن اقتراب عائد السندات لأجل عامين من عائد السندات لأجل 10 أعوام يستدعي الانتباه.
فيما يمثل تجاوز عائد السنتين لعائد العشر سنوات، بما يعرف بانعكاس منحنى العائد، إشارة سلبية شديدة الأهمية، إذ شهدت الأسواق في فترات سابقة مثل هذه التحولات في منحنى العائد، أعقبتها ضغوط وتراجعات في الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، يشير تحليل DoubleLine، إلى أنه في العام 1991، بلغت الديون حوالي 44 % من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الحين، ارتفعت إلى أكثر من 32 تريليون دولار، وتتجاوز الآن 100 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وقد بلغت عوائد سندات الخزانة لأجل ثلاثين عاماً حوالي 8 % في عام 1991 بعد أن تجاوزت 10 % خلال السنوات السابقة. أما العوائد الحالية طويلة الأجل فهي أقل، لكنها تنطبق على حجم أكبر بكثير من الدين الحكومي.
اليابان تتصدر الاقتصادات المتقدمة الأعلى في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي
353
تريليون دولار إجمالي الدين العالمي
305 %
نسب الدين الرئيسية من الناتج الاقتصادي العالمي
357.5
مليار يورو الفاتورة السنوية لمدفوعات الفوائد على الديون الحكومية لدول الاتحاد الأوروبي
تريليون دولار تكلفة خدمة الدين الأمريكي مع توقعات بأن تصل إلى تريليوني
