صندوق النقد: الاقتصاد المصري يخالف التوقعات بصموده تحت وطأة الضغوط
(سي ان بي سي)-22/09/2026
قالت بعثة صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد المصري أظهر قدرة أكبر على الصمود أمام تداعيات الحرب في الشرق الأوسط بفضل مرونة سعر الصرف وسرعة الاستجابة بالسياسات.
وفي تقرير لرئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر أمين ماطي والخبيرة الاقتصادية يفغيينيا كورنيينكو، يوم الاثنين 21 سبتمبر/ أيلول، لفت إلى أن الاستجابة السريعة على صعيد السياسات، وهوامش الأمان القوية على مستوى الاقتصاد الكلي، وسعر الصرف المرن ساعدت كلها مصر على استيعاب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، غير أن الحاجة لا تزال قائمة إلى تنفيذ الإصلاحات بمزيد من الحسم للحد من مواطن الضعف وإطلاق العنان لنمو أقوى يقوده القطاع الخاص.
وأكد التقرير أن الإصلاحات على مستوى السياسات التي تم تنفيذها في ظل البرنامج الذي يدعمه صندوق النقد الدولي أدّت إلى تقوية النمو، ووضع التضخم على مسار الهبوط، والمساعدة في إعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.
وبفضل هذه الاحتياطيات الوقائية الأقوى، مقترنة بالاستجابة السريعة على صعيد السياسات، تمكنت مصر من استيعاب واحدة من أكبر الصدمات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة، وفقاً لما وردت مناقشته بمزيد من التفصيل فيما نُشِر مؤخراً عن المراجعة السابعة بموجب اتفاق “تسهيل الصندوق الممدد” والمراجعة الثانية بموجب اتفاق “تسهيل الصلابة والاستدامة”.
الأسواق المالية
ولفت الصندوق إلى ردة فعل الأسواق المالية، حيث تراجعت حيازات غير المقيمين من الدين الحكومي بالعملة المحلية من 39,1 مليار دولار أميركي في فبراير إلى 22,2 مليار دولار أميركي في مطلع إبريل، في حين انخفضت قيمة الجنيه المصري بنحو 14%-17%. لكن بعد انحسار الضغوط، استؤنفت تدفقات الحافظة الاستثمارية الداخلة، وعادت حيازات غير المقيمين إلى مستويات قريبة من مستويات ما قبل الصراع، واسترد الجنيه المصري الكثير من خسائره الأولية.
تداعيات اقتصادية محدودة
غير أن الصدمة المالية لم تسفر عن تراجع اقتصادي أوسع نطاقاً. فقد ظل النمو قوياً، وفق التقرير، حيث بلغ 5,0% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، بينما ظلت السياحة قادرة على الصمود، وارتفعت تحويلات العاملين في الخارج إلى مستويات قياسية، وواصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجي عقب بعض الاضطرابات المؤقتة وسط الاضطراب الإقليمي. وكذلك أمكن احتواء الضغوط المالية من خلال تعبئة الإيرادات المحلية وكبح الإنفاق.
التضخم وأسعار الطاقة
وفق تقرير بعثة صندوق النقد الدولي، ارتفع التضخم على أثر انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، غير أن هذا الارتفاع كان أقل حدة مما كان متوقعاً، وإن كان مسار العودة إلى هدف التضخم قد تأخر لمدة عام. والأهم من ذلك أن الاحتياطيات الدولية ظلت أعلى من المستويات الكافية بدرجة مريحة رغم التدفقات الرأسمالية الخارجة في البداية، وهو ما يعكس دور مرونة سعر الصرف في استيعاب الضغوط الخارجية.
وكذلك تحسنت ثقة المستثمرين مع انحسار ضغوط السوق. وتراجعت علاوة المخاطر على السندات السيادية إلى أقل من مستويات ما قبل الحرب، وعادت مصر بنجاح إلى أسواق رأس المال الدولية. وصدرت في مايو سندات يوروبوند الاجتماعية بقيمة مليار دولار أمريكي وتجاوز حجم الاكتتاب فيها خمسة أضعاف، تلاها سند “ساموراي” بقيمة 500 مليون دولار أميركي في يونيو. وبحلول شهر أغسطس، كانت علاوة المخاطر السيادية في مصر قد انخفضت إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2014.
مواطن الضعف المستدامة
بحسب التقرير، أظهرت الصدمة الأخيرة تحسن القدرة على الصمود في مصر، لكن هناك مواطن ضعف كبيرة مستمرة، فلا يزال الدين العام وإجمالي الاحتياجات التمويلية في مستويات مرتفعة، ويعتمد التمويل بدرجة كبيرة على آجال الاستحقاق القصيرة، ولا تزال درجة انكشاف البنوك أمام الحكومة مرتفعة.
ومن المتوقع أن يظل إجمالي الاحتياجات التمويلية في حدود 40% من إجمالي الناتج المحلي في الأجل القريب وأن ينخفض تدريجياً فحسب إلى أقل من 30% بحلول عام 2030.
وتفضي مواطن الضعف هذه، وخاصة وسط تصاعد أجواء عدم اليقين العالمية،إلى استمرار تعرض مصر للتحولات في أوضاع التمويل العالمية وتجدد الصدمات الخارجية، بينما تعزز الرابطة بين الكيانات السيادية والبنوك وتزيد من مخاطر هيمنة سياسة المالية العامة. ويمكن أن تؤدي احتياجات التمويل الحكومية الكبيرة أيضاً إلى مزاحمة ائتمان القطاع الخاص واستثماراته، بحسب تقرير الصندوق.
والبناء على التقدم المُحرَز سيقتضي الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي من خلال مرونة سعر الصرف، وتطبيق سياسة نقدية مشددة بالقدر الملائم، وتوخي الحرص المالي، مع تسريع وتيرة الإصلاحات التي تعالج مواطن الضعف المتبقية.
ولتخفيض الدين العام وإجمالي احتياجات التمويل المرتفعة، يقترح الصندوق “تعزيز إدارة الدين، مع التحول نحو التمويل الأطول أجلاً القائم على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتعميق أسواق الدين المحلي للحد من مخاطر إعادة التمويل وتعزيز استمرارية القدرة على تحمل الدين”.
ويختم التقرير أن “الأهم من ذلك أن زيادة الحسم في تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من أصولها، وتقوية حوكمة المؤسسات المملوكة للدولة، وزيادة المنافسة ستكون كلها عوامل حاسمة لتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتهيئة الظروف المواتية لتحقيق نمو أقوى بقيادة القطاع الخاص”.
