«فيتش»: قطاع الإسكان في الشرق الأوسط يواجه ضغوطاً متصاعدة
(القبس)-04/06/2026
خفّضت وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية نظرتها المستقبلية لقطاع بناء المساكن في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لعام 2026 من «محايدة» إلى «متدهورة»، في خطوة تعكس تنامي المخاطر الجيوسياسية واستمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الفائدة العقارية وتكاليف البناء، وسط بيئة اقتصادية أكثر تعقيداً بالنسبة لشركات التطوير السكني في مختلف الأسواق الإقليمية.
وأوضحت الوكالة في تقرير حديث أن تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب المرتبطة بإيران، يضيف طبقة جديدة من الضغوط على القطاع، في وقت لا تزال فيه الشركات تواجه تحديات التمويل وارتفاع تكاليف العمالة والطاقة وسلاسل التوريد، مما يحد من قدرتها على تحسين الربحية أو زيادة حجم المبيعات خلال الفترة المقبلة.
ضغوط على السوق الإماراتي
وأشارت «فيتش» إلى أن شركات التطوير العقاري السكني في الإمارات تواجه بيئة أكثر صعوبة نتيجة تراجع الطلب على المساكن وضعف شهية المستثمرين، في ظل التداعيات الاقتصادية والنفسية للحرب المرتبطة بإيران.
ولفت التقرير إلى أن اضطرابات حركة السفر وتراجع النشاط السياحي وضعف الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب الضغوط الواقعة على قطاعات التجارة والخدمات اللوجستية، بدأت تؤثر في نظرة المستثمرين إلى السوق الإماراتي، الأمر الذي ينعكس تدريجياً على الطلب العقاري، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من السوق يعتمد على المشترين والمستثمرين الأجانب.
وأضافت الوكالة أن استمرار النزاع لفترة طويلة قد يفرض مخاطر إضافية على توقعات النمو السكاني في دبي، إذ قد يؤجل بعض الوافدين خطط الانتقال إلى الإمارة أو يغادرها جزء منهم بصورة مؤقتة، وهو عامل مهم بالنظر إلى أن نحو %90 من سكان دبي من المقيمين الأجانب، الذين يشكلون المحرك الرئيسي للطلب على الوحدات السكنية.
تكاليف البناء تحت الضغط
وأكدت «فيتش» أن تكاليف البناء ما تزال مرتفعة في مختلف أسواق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، مع استمرار تأثير عدد من العوامل الهيكلية، التي تدفع الأسعار إلى الأعلى، من بينها نقص العمالة الماهرة، ومخاطر سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة، إضافة إلى استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
وترى الوكالة أن أي إطالة أمد للصراع المرتبط بإيران قد تؤدي إلى مزيد من الضغوط على هوامش ربح شركات بناء المساكن، خاصة في ظل محدودية قدرة المطورين على تمرير الزيادات في التكاليف إلى المشترين النهائيين، نتيجة ضعف نمو أسعار البيع وتراجع القدرة الشرائية لدى المستهلكين.
كما حذرت من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع بعض الشركات إلى إعادة النظر في وتيرة إطلاق المشاريع الجديدة أو تأجيل بعض الاستثمارات لحين تحسن الرؤية الاقتصادية.
طلب قوي ومبيعات ضعيفة
ورغم النظرة السلبية للقطاع، أكدت «فيتش» أن العديد من الأسواق الأوروبية لا تزال تتمتع بعوامل دعم هيكلية طويلة الأجل، خصوصاً في دول مثل المملكة المتحدة وأسبانيا وألمانيا، حيث يستمر النقص المزمن في المعروض السكني مقارنة بحجم الطلب.
وأوضحت أن هذا العجز في الوحدات السكنية يساهم في الحفاظ على قوة الطلب الأساسي في السوق، إلا أن أثره الإيجابي يتراجع حالياً أمام الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجه الأسر والمشترين.
وتتوقع الوكالة أن تبقى أحجام المبيعات السكنية في مستويات ضعيفة نسبياً خلال الفترة المقبلة، نتيجة تراجع ثقة المستهلكين بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادي، إلى جانب استمرار أسعار الرهن العقاري عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المتوقع سابقاً.
تحديات مستمرة في بريطانيا
وفي المملكة المتحدة، أوضحت «فيتش» أن شركات بناء المساكن ما تزال تواجه صعوبات في تسليم المشاريع الجديدة رغم الإصلاحات، التي أجرتها الحكومة على منظومة التخطيط العمراني.
وبيّنت أن التأخير في الحصول على الموافقات والتراخيص اللازمة للمشاريع السكنية يواصل الحد من قدرة الشركات على زيادة المعروض، في وقت ترتفع فيه تكاليف الامتثال للمتطلبات التنظيمية الجديدة.
وأضاف التقرير أن اللوائح الحديثة الخاصة بسلامة المباني والرسوم الجديدة المرتبطة ببرامج السلامة العمرانية تزيد الأعباء المالية على شركات التطوير العقاري، ما يرفع تكلفة تنفيذ المشاريع ويؤثر في الربحية.
ورغم هذه التحديات، ترى الوكالة أن برنامج الإسكان الاجتماعي والميسر للفترة بين 2026 و2036 قد يوفر قدراً من الاستقرار في أحجام البناء والمبيعات، خصوصاً للشركات التي تركز على مشاريع الإسكان الميسر والمدعوم.
مخاطر تتجاوز التمويل
وأوضحت الوكالة إلى أن قطاع بناء المساكن في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا يواجه في عام 2026 مجموعة متشابكة من التحديات، تتجاوز مجرد ارتفاع تكاليف التمويل، لتشمل المخاطر الجيوسياسية، وضغوط التكاليف، والتعقيدات التنظيمية، وتراجع ثقة المستهلكين.
وفي ظل هذه الظروف، تتوقع «فيتش» أن يبقى أداء القطاع تحت الضغط خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار التباين بين الأسواق من حيث القدرة على مواجهة الصدمات واستيعاب التحديات، إلا أن النظرة العامة أصبحت أكثر حذراً مقارنة بالتوقعات السابقة، ما يبرر تعديل النظرة المستقبلية للقطاع إلى «متدهورة» بدلاً من «محايدة».
العقبات التنظيمية في فرنسا
أشارت «فيتش» إلى أن المطورين العقاريين والمستثمرين في فرنسا ما زالوا يواجهون بيئة تنظيمية معقدة، تتسم بتغير القواعد المحلية واختلافها بين المناطق، إلى جانب تفاوت الجداول الزمنية الخاصة بالمراجعات والإجراءات المرتبطة بالمشاورات العامة.
وأكدت الوكالة أن سوق الإسكان الفرنسي تعاني منذ سنوات من عدم قدرة البناء الجديد على مواكبة الطلب الفعلي، نتيجة مجموعة من التحديات المتراكمة تشمل تأخر إصدار التراخيص، وارتفاع أسعار الأراضي، ونقص العمالة، وضعف وتيرة بدء المشاريع السكنية الجديدة.
وترى «فيتش» أن استمرار هذه المعوقات سيجعل تعافي القطاع السكني الفرنسي تدريجياً وبطيئاً، حتى في ظل الحاجة المتزايدة إلى المعروض السكني في العديد من المدن والمناطق الحضرية.
