قطر.. من يدفع الفاتورة؟
(سي ان بي سي)-20/10/2026
ثمة مفارقة في الحروب لا تظهر في صور الصواريخ وحاملات الطائرات والمسيّرات، ولا في مشاهد الدمار التي تخلفها. فالحرب تبدأ بقرار يتخذه طرف، لكن فاتورتها سرعان ما تتوزع على أطراف لم تشارك في اتخاذه، ولم تملك القدرة على منعه. وهكذا، يجد الذين لم يشعلوا النار أنفسهم مضطرين إلى دفع جزء من كلفة إطفائها، فيما ينشغل أصحاب القرار بحسابات الميدان وموازين القوة، غير مكترثين بالخسائر التي تتجاوز ساحات المواجهة لتصيب اقتصادات دول وشركات ومصالح لم تكن طرفاً في إشعالها.
قطر واحدة من الدول التي وجدت نفسها تدفع ثمن هذه المفارقة مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير 2026. فبعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية والأضرار التي طالت أمنها ومنشآتها الحيوية، تتضخم فاتورة اقتصادية تشمل إيرادات متراجعة، وديون متزايدة ، وشركات تواجه خسائر ، ووظائف مهددة، وموازنة عامة تتحمل أعباء لم تكن ضمن حساباتها.
لم تكن قطر بحاجة إلى حرب جديدة كي تدرك حساسية موقعها الجغرافي، لكنها وجدت نفسها – وغيرها من محيطها الخليجي – تدفع ثمن صراع لم تبدأه وتداعيات لم تخترها. فتعطل الملاحة في مضيق هرمز، واضطراب حركة الطيران والتجارة، والأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة جراء الضربات الإيرانية، لم تبقَ أحداثاً عسكرية بعيدة عن الاقتصاد، بل تحولت إلى خسائر مباشرة وضغوط امتدت إلى قطاعات عدة.
ولأن الاقتصاد القطري ريعي يعتمد بشكل رئيسي على قطاعي النفط و الغاز لتمويل الموازنات ، فقد كان قطاع الطاقة الأكثر تضرراً. فقد تراجعت الإيرادات العامة للدولة بنسبة 42% خلال النصف الأول من عام 2026، وفق ما أعلنه أمير قطر، كما انخفض الإنفاق العام بنسبة 14% خلال الفترة نفسها، فيما انخفضت الإيرادات النفطية والغازية بنسبة 98% في الربع الثاني من ذات العام، بالنظر إلى أن مضيق هرمز يمثل الشريان الرئيسي لنحو 90% من صادرات الدولة الهيدروكربونية إلى العالم.
وإلى جانب اضطرابات التصدير عبر مضيق هرمز، أفضت الأضرار التي لحقت بخطي إنتاج للغاز الطبيعي المسال في رأس لفان إلى تعطّل طاقة تصديرية تعادل نحو 17% من صادرات قطر من الغاز المسال. وقدّرت قطر للطاقة خسائر الإيرادات الناجمة عن هذه الأضرار بنحو 20 مليار دولار سنوياً، مع توقع أن تستغرق أعمال الإصلاح من ثلاث إلى خمس سنوات.
ولم تتوقف التداعيات عند قطاع الطاقة، بل امتدت إلى المالية العامة والنشاط الاقتصادي. فقد بلغ عجز الموازنة نحو 31.5 مليار ريال خلال النصف الأول من العام، وفق مجموع العجز المسجل في الربعين الأول والثاني، فيما تراجعت أرباح قطر للطاقة بنحو 70% خلال الفترة نفسها. واضطرت الحكومة إلى خفض الإنفاق واللجوء إلى أسواق الدين العالمية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط على الشركات وارتفاع التكاليف والأسعار، وتراجع النشاط الاقتصادي الحقيقي.
ولا تقف أهمية هذه الأرقام عند حجم التراجع المتوقع، بل فيما تعنيه من ضغوط على الموارد التي تموّل الموازنة والاستثمارات والمشروعات العامة، وتدعم أدوات القوة الناعمة، من الوساطة إلى الإعلام، وتعزز القدرات الدفاعية اللازمة لحماية الأمن الوطني. وحين تتراجع الإيرادات، لا تعود المسألة مجرد عجز يمكن تغطيته بالاقتراض، بل تصبح مفاضلة بين التزامات متزايدة وموارد أقل.
يقوم الاقتصاد القطري بدرجة كبيرة على إيرادات النفط والغاز، ما يجعله شديد التأثر بأي اضطراب يطال الإنتاج أو طرق التصدير. ومن هنا، تنتقل الصدمة من قطاع الطاقة إلى الإنفاق الحكومي، ثم إلى القطاع الخاص غير النفطي، الذي تشير قراءات مؤشر مديري المشتريات إلى استمرار الضغوط على نشاطه. ومع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والإمدادات، تتراجع قدرة الشركات على الحفاظ على هوامش أرباحها، فيما تنتقل زيادة التكاليف، بدرجات متفاوتة، إلى أسعار السلع والخدمات.
وبالنظر إلى قدرة قطر على الاقتراض وامتلاكها أصولاً سيادية ضخمة هامشاً مهماً لامتصاص الصدمات، لكنها لا تلغي كلفة الأزمة. فالاقتراض لا يعوّض الإيرادات المفقودة، بل يوفر السيولة اللازمة لتمويل العجز، فيما يراكم التزامات مالية للمستقبل. وتتوقع وكالة فيتش ارتفاع الدين الحكومي إلى نحو 64.1% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2026، مقارنة بـ51.3% في العام السابق، قبل أن يبدأ بالتراجع على المدى المتوسط وفق تقديراتها.
وتعكس بورصة قطر جانباً آخر من الضغوط التي تواجه الاقتصاد. فوفق الأرقام المتداولة حتى 20 أكتوبر 2026، تراجعت قيمتها السوقية بنحو 22% منذ اندلاع الأزمة، بما يعادل قرابة 133 مليار ريال ( 36.5 مليار دولار ) ، وفي موازاة ذلك، تواجه الشركات ضغوطاً على الأرباح والتدفقات النقدية بفعل اضطراب التجارة وارتفاع التكاليف وتراجع الطلب. وتمتد التداعيات إلى سوق العمل، حيث يواجه العاملون المقيمون، ولا سيما في القطاعات الأكثر تضرراً، مخاطر فقدان الوظائف أو تراجع الدخول، فيما تتحول زيادة تكاليف الاستيراد والنقل إلى أعباء إضافية على المستهلكين.
أمام هذه الكلفة الاقتصادية، لا يقتصر التحدي على كيفية إدارة التداعيات واحتواء الخسائر، بل يمتد إلى حق الدول المتضررة في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت باقتصاداتها ومنشآتها وشركاتها. فهل تكتفي قطر بإدارة آثار الأزمة، أم تتحرك لتحويل حقها في المطالبة بالتعويض إلى مسار قانوني واضح؟
من حيث المبدأ، يتيح القانون الدولي للدول المتضررة المطالبة بالتعويض متى توافرت أسس المسؤولية الدولية. لكن ذلك ليس استحقاقاً تلقائياً، إذ يتطلب تحديد الفعل غير المشروع، وإثبات المسؤولية عنه، وتوثيق الضرر والعلاقة السببية بينهما، فضلاً عن تحديد الأساس القانوني والجهة التي يمكن اللجوء إليها. كما أن إثبات الأضرار المباشرة التي لحقت بالمنشآت يختلف عن إثبات الخسائر غير المباشرة الناجمة عن اضطراب الأسواق أو تراجع القيمة السوقية أو تباطؤ النشاط الاقتصادي.
لذلك، فإن حصر الخسائر وتوثيقها وتقدير آثارها ليس ترفاً محاسبياً، بل ضرورة لحفظ الحقوق. فمنشآت الطاقة المتضررة، والإيرادات المفقودة، والتكاليف الإضافية، والخسائر التي لحقت بالشركات، كلها تحتاج إلى تقييم دقيق يحدد ما يمكن المطالبة به وعلى أي أساس قانوني.
لكن التعويض، إن أمكن الحصول عليه، لن يعيد بالضرورة الوظائف التي فُقدت، أو الاستثمارات التي تأجلت، أو الثقة التي تراجعت. ولهذا، لا بد أن تسير حماية الحقوق بالتوازي مع حماية الاقتصاد، عبر دعم النشاط الإنتاجي، والحفاظ على الوظائف، وترشيد الإنفاق من دون خنق القطاع الخاص، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للإيرادات.
قطر دولة ذات سيادة، وتمثل ركناً مهماً في استقرار المنطقة وأمنها، ولا تحتاج إلى من يذكّرها بأهمية أمنها الوطني أو بضرورة حماية مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة. لكن ما تواجهه اليوم يتطلب حصر الكلفة الاقتصادية للأزمة بدقة، وتحديد المسؤوليات عنها، والتعامل مع الخسائر باعتبارها حقوقاً ومصالح اقتصادية تستوجب الحماية والمطالبة بالتعويض، لا مجرد أضرار جانبية لحرب لم تختر قطر خوضها.
