لماذا حددت مصر سعر الدولار بـ47 جنيهاً في موازنة 2026/2027؟
(العربية)-14/04/2026
بينما ارتفع سعر الدولار في مصر بأكثر من 12% منذ اندلاع الحرب الإيرانية مسجلاً مستويات لم يصلها رسمياً على الإطلاق، اعتمدت وزارة المالية المصرية سعراً تقديرياً للدولار عند 47 جنيهاً ضمن مشروع موازنة العام المالي 2026/2027، وهو السعر السائد للدولار وقت إعداد الموازنة، بحسب ما قاله وزير المالية المصري أحمد كجوك في مؤتمر صحافي حضرته “العربية Business”، السبت الماضي.
السعر المحدد للدولار في الموازنة الجديدة جاء أقل كثيراً من توقعات بعض المؤسسات العالمية، ومن بينها “ستاندرد آند بورز” التي رجحت أن تقفز العملة الخضراء إلى 60 جنيهاً خلال نفس الفترة، وسيناريوهات “مورغان ستانلي”، والتي توقعت ارتفاع العملة الأجنبية بنسبة تتراوح بين 3 و8% حسب تطورات الحرب ودرجة حدتها.
واتفق خبراء ومحللون تحدثوا مع “العربية Business” أن سعر الدولار في الموازنة لا يمثل التزاماً فعلياً، بل يستخدم كأداة فنية لضبط تقديرات الإيرادات والمصروفات، مع إمكانية تغطية فروق سعر الصرف عبر المخصصات الاحتياطية، أو تطبيق إجراءات انكماشية لبعض بنود الموازنة غير الأساسية.
وأضافوا أن تحديد سعر صرف للموازنة الجديدة أقل من السعر المتداول حالياً يعود إلى تقديرات حكومية بسرعة تلاشي الضغوط على العملة المحلية مع توقف التوترات الجيوسياسية.
تفاؤل محسوب أم قراءة واقعية؟
قال رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، هاني جنينة، إن تقديرات سعر الصرف للعام المالي المقبل، في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، ترتبط بقراءة أوسع للتوازنات الاقتصادية العالمية، خاصة ما يتعلق بأسواق الطاقة.
وأضاف جنينة لـ”العربية Business” أن أسعار الطاقة المنخفضة تساهم في الضغط على اقتصادات تعتمد بشكل أساسي على النفط، وفي الوقت نفسه تدعم اقتصادات مستهلكة كبرى.
وأشار جنينة إلى أن تراجع أسعار العقود الآجلة لمعظم السلع مقارنة بالأسعار الفورية يعكس حالة من “الاطمئنان النسبي” في الأسواق، مرجعاً ذلك إلى اعتقاد المستثمرين بأن الأطراف المؤثرة في النزاعات الحالية تملك أيضاً أدوات إنهائها، وهو ما يقلل من مخاطر استمرار الصدمات لفترات طويلة.
وأضاف أن توقعات زيادة المعروض العالمي من الطاقة، مدعومة بارتفاع إنتاج دول مثل الولايات المتحدة وقطر، تدعم استقرار أسعار النفط، ما يجعل تسعير البرميل عند 75 دولاراً في الموازنة أمراً منطقياً.
وأشار إلى إمكانية لجوء وزارة المالية إلى أدوات التحوط عبر التعاقد على شراء النفط من خلال العقود المستقبلية، بما يساهم في تثبيت التكلفة وتقليل مخاطر تقلبات الأسعار، موضحاً أن هذه الآلية تستخدم عالمياً ولا تتطلب سوى هوامش مالية محدودة مقارنة بحجم المخاطر التي يتم تجنبها.
من جانبه، قال مدير مركز الدراسات الاقتصادية، عبد المنعم السيد، إن تحديد سعر الدولار عند مستوى 47 جنيهاً في الموازنة الجديدة لا يعد سعراً فعلياً ملزماً، بل يمثل سعراً استرشادياً يستخدم كأداة فنية في إعداد التقديرات المالية.
وأوضح السيد لـ”العربية Business” أن هذا السعر المتوقع يدخل في حساب الإيرادات المرتبطة بالصادرات، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، إلى جانب تقدير تكلفة الواردات وخدمة الدين الخارجي، بما يساعد على ضبط هيكل الموازنة.
“سعر الصرف المدرج في الموازنة يعكس في الوقت نفسه توقعات الدولة بشأن استقرار نسبي للعملة خلال الفترة المقبلة، وليس تعبيراً دقيقاً عن السعر المتداول في السوق”، وفق السيد.
وأشار إلى أن تراجع قيمة الجنيه المصري مؤخراً أمام الدولار، ليصل إلى نحو 53 جنيهاً، جاء نتيجة ضغوط على العملة المحلية، مدفوعة بتداعيات التوترات الجيوسياسية، خاصة على إيرادات قناة السويس، إلى جانب خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة (الأموال الساخنة)، والتي تجاوزت 8 مليارات دولار منذ بداية الأزمة.
ويرى السيد أن هذا التراجع يظل ذا طبيعة مؤقتة، مرجحاً تحسن أداء الجنيه تدريجياً مع انحسار التوترات العالمية واستعادة تدفقات النقد الأجنبي.
واتفق معه الخبير الاقتصادي وائل النحاس، والذي قال إن الموازنة بطبيعتها “تقديرية” وليست أرقاماً نهائية، لكنها في الوقت نفسه تبنى على افتراضات قد لا تصمد أمام المتغيرات الاقتصادية السريعة، خاصة فيما يتعلق بسعر الصرف.
وأضاف النحاس لـ”العربية Business” أن تقدير سعر الدولار عند 47 جنيهاً يعكس توقيت إعداد الموازنة، التي تصاغ عادة بين شهري نوفمبر ويناير، حين كان السعر قريباً من هذا المستوى.
وأوضح أن الحكومة تسعى من خلال هذه التقديرات إلى تحسين مؤشرات المالية العامة، مثل خفض عجز الموازنة، بما يعزز موقفها أمام المؤسسات الدولية وجهات التمويل.
وحذر النحاس من أن “الفجوة بين السعر التقديري والسعر الفعلي قد تضغط على بنود الإنفاق، خاصة دعم الطاقة، ما قد يدفع الحكومة إلى ترشيد الإنفاق”.
من جانبه اعتبر الخبير الاقتصادي، محمد أنيس، إن تحديد سعر الدولار عند مستوى 47 جنيهاً في مشروع الموازنة الجديدة يعد سعراً متفائلاً في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.
وقال إن تقديره للسعر العادل التوزاني للدولار في مصر قبل اندلاع التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الإيرانية كان يتراوح بين 48 و50 جنيهاً لعام 2026 بالكامل.
وأضاف أن هذا التقدير كان قائماً حتى في ظل تداول الدولار قرب مستوى 46 جنيهاً قبل الحرب، وهو ما يعكس أن السعر المدرج في الموازنة يميل إلى التفاؤل أكثر من التعبير عن الواقع.
وعلى العكس، قال أستاذ التمويل والاستثمار مصطفى بدرة، إن تقدير سعر الدولار في موازنة العام المالي المقبل عند 47 جنيهاً كان منطقي جداً، خاصة أن الموازنة تم إعدادها قبل اندلاع الحرب الإيرانية، التي تسببت في تراجع العملة المصرية.
وأضاف بدرة لـ”العربية Business” أن مجلس النواب الذي تسلم الموازنة الجديدة لمراجعتها حالياً، سيطلب حتماً إعادة مناقشة تقديرات الدولار في مع الحكومة في ضوء المتغيرات الخاصة بالحرب، وهو ما قد يستدعي إدخال بعض التعديلات.
مخصصات احترازية لمواجهة الفجوة
أشار جنينه إلى أن إدراج مخصصات احترازية ضمن مشروع الموازنة الجديدة يمنح الحكومة قدرة في التعامل مع أي انحرافات محتملة بين التقديرات والنتائج الفعلية، موضحاً أن أن هذه البنود تدرج تحسباً لوقوع صدمات غير متوقعة.
وقال جنينة إن اللجوء إلى البرلمان لطلب زيادة بعض المخصصات يظل خياراً قائماً حال عدم كفاية الاحتياطيات.
وأضاف أن الموازنة تأخذ في الاعتبار عدة سيناريوهات للتعامل مع المتغيرات والضغوط الاستثنائية، عبر حزمة من الأدوات، تشمل زيادة بعض المخصصات، أو تدخل البنك المركزي المصري باستخدام أدوات السياسة النقدية، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، خاصة الاستثماري، من خلال تأجيل بعض المشروعات دون إلغائها.
ورجح جنينة أن يتراوح السعر العادل للجنيه مقابل الدولار بين 45 و50 جنيهاً، وفقاً لنماذج التقييم المختلفة، مؤكداً أن هذا النطاق يعكس القيمة التوازنية للعملة في ضوء المؤشرات الاقتصادية الحالية، إلى جانب توافر مصادر تمويل خارجية يمكن اللجوء إليها عند الحاجة، سواء من المؤسسات الدولية أو الشركاء.
واتفق معه عبد المنعم السيد، والذي قال إن الموازنة تتمتع بقدر من المرونة تسمح بتعديل تقديراتها قبل بدء التنفيذ إذا طرأت تغييرات جوهرية، وهو ما يعد عنصر أمان مهم في إدارة المالية العامة.
وتوقع أن يشهد مجلس النواب المصري مناقشات بشأن سعر الدولار التقديري، خاصة في ظل الفجوة بينه وبين السعر الفعلي في السوق.
وقبل أيام، قال وزير المالية المصري أحمد كجوك، إن وزارته أجرت تعديلات سريعة في الموازنة الجديدة لتعزيز قدرتها على التعامل مع المخاطر الحالية والمحتملة بزيادة الاحتياطيات، مشيراً إلى أن هناك مخصصات إضافية لضمان توفر الطاقة والسلع الأساسية والأدوية في ظل التحديات الإقليمية الاستثنائية.
