محمد العريان: الأسواق العالمية تدخل أسبوعاً مفصلياً
(البيان)-27/07/2026
يرى المستشار الاقتصادي محمد العريان في نشرته الأسبوعية التحليلية أن الأسبوع الماضي عكس بوضوح حجم الضغوط المتزامنة، التي تواجه الاقتصاد العالمي، إذ تتشابك التوترات الجيوسياسية مع اضطرابات سلاسل الإمداد، والتوسع الضخم في استثمارات الذكاء الاصطناعي، واستمرار استخدام الأدوات الاقتصادية في الصراعات الدولية، وهو ما يزيد صعوبة قرارات الشركات وصناع السياسات على حد سواء.
وبحسب العريان لا تزال الأسواق منقسمة بين من يراهن على تجاوز هذه التحديات سريعاً، ومن يرى أن حالة عدم اليقين ستظل العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة.
وأدت التطورات الأخيرة في الصراع بين أميركا وإيران، إلى جانب الهجمات التي عطلت الملاحة في البحر الأحمر، إلى تجدد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، بعدما كانت الأسواق قد بدأت في التكيف مع اضطرابات مضيق هرمز.
وأسهم ذلك في ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين والشحن، ما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة في وقت كانت فيه البنوك المركزية تأمل أن تكون قد اقتربت من إنهاء معركة التضخم.
في الوقت نفسه أعلنت الإدارة الأميركية رسوماً جمركية جديدة، تتراوح بين 10 % و12.5 % على عدد كبير من الشركاء التجاريين، مع فرض رسوم إضافية على بعض الدول مثل البرازيل وكندا.
ويرى العريان أن الأسئلة لم تعد تقتصر على تكلفة التجارة فقط، بل تمتد إلى مستقبل النظام التجاري العالمي، واتفاقيات، واحتمالات الردود الانتقامية من الدول المتضررة.
على صعيد الشركات تواصل شركات التكنولوجيا الكبرى ضخ استثمارات رأسمالية غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، كما أظهرت إعلانات شركات مثل ألفابت وتسلا.
ورغم أن هذه الاستثمارات قد تعزز الإنتاجية على المدى الطويل فإنها ترفع حالياً احتياجات التمويل، وهو ما أدى إلى زيادة إصدارات الديون وارتفاع تكاليف الاقتراض، خصوصاً على آجال الاستحقاق الطويلة.
ويشير العريان إلى أن هذه الطفرة الاستثمارية تمثل في الوقت نفسه عاملاً قد يدعم جانب العرض مستقبلاً، لكنها تخلق أيضاً ضغوطاً تضخمية قصيرة الأجل، ما يزيد تعقيد مهمة البنوك المركزية في تحديد المستوى المحايد للفائدة.
وبحسب التقرير لم يعد الجدل بين نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة والمغلقة قضية تقنية فحسب، بل تحول إلى ملف استراتيجي يرتبط بالتنافسية الاقتصادية، والسيادة على البيانات، وأمن المعلومات، ومستقبل العلاقة بين الابتكار الخاص والأسواق المالية.
وأظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة استمرار التباين بين الاقتصادات الكبرى، ففي الولايات المتحدة ظل سوق العمل قوياً، بينما عكس مؤشر مديري المشتريات اقتصاداً منقسم الأداء؛ إذ واصل قطاع الخدمات الصمود في حين واجه التصنيع ضغوطاً متزايدة، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتباطؤ عمليات التسليم نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد.
وفي أوروبا أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه أشار إلى أن اجتماع سبتمبر سيظل مطروحاً لاتخاذ قرار جديد إذا استمرت الضغوط التضخمية، بالتزامن مع تحسن بيانات توقعات التضخم.
أما في بريطانيا فتراقب الأسواق توجهات السياسة المالية بعد تعيين جون هيلي وزيراً للخزانة، وسط ترقب لمسار بنك إنجلترا في ظل استمرار ضغوط سوق العمل.
وشهد خام برنت ارتفاعاً تجاوز 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع قبل أن ينهي التداولات قرب 97 دولاراً.
كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية، إذ بلغ العائد على السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات 4.68 %، والألمانية 3.15 %، والبريطانية 5.03 %.
وأدى ارتفاع النفط والعوائد إلى زيادة الضغوط على أسواق الأسهم، وكان مؤشر ناسداك الأكثر تراجعاً بين المؤشرات الأمريكية، بينما ارتفع الدولار، ووصل الين الياباني إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود أمام العملة الأمريكية.
وسلطت بداية موسم نتائج أعمال الربع الثاني الضوء على استمرار نمو الإيرادات لدى شركات التكنولوجيا، لكن المستثمرين باتوا يركزون بصورة أكبر على مدى قدرة هذه الشركات على تحقيق عوائد من الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، بعدما ارتفعت النفقات الرأسمالية إلى مستويات غير مسبوقة.
ويتوقع العريان أن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه يومي 28 و29 يوليو، رغم أن الأسواق باتت تسعر احتمالاً يقارب 40 % لرفع الفائدة، مقارنة بنحو 10 % فقط بعد صدور بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة.
ويرى أن الفيدرالي سيحاول الموازنة بين خطر التشديد المبكر، الذي قد يبطئ الاقتصاد، وخطر ترك الضغوط التضخمية تتجذر، خصوصاً في ظل تأثيرات الجغرافيا السياسية وارتفاع الإنفاق الرأسمالي، وهي عوامل لا تستطيع أسعار الفائدة وحدها معالجتها.
ولن يقتصر اهتمام الأسواق على الفيدرالي فقط، إذ تعقد هذا الأسبوع أيضاً اجتماعات كل من بنك اليابان وبنك إنجلترا، ومن المتوقع أن تحظى قرارات بنك اليابان بمتابعة واسعة نظراً لتراجع الين إلى أدنى مستوياته منذ عقود، بينما يواجه بنك إنجلترا قراراً معقداً بين الاستمرار في التشديد أو بدء التحول نحو سياسة أقل صرامة مع استمرار تضخم الخدمات.
وتشمل أبرز البيانات المنتظرة هذا الأسبوع القراءة الأولية للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثاني، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، إضافة إلى ثقة المستهلك، والدخل والإنفاق الشخصيين، ومؤشر تكلفة التوظيف،
كما تصدر بيانات مهمة من منطقة اليورو وألمانيا وفرنسا والصين واليابان وأستراليا والبرازيل والمكسيك، ما سيعطي صورة أوضح عن مسار الاقتصاد العالمي.
