هل ينجو اقتصاد العراق من فوضى الأصفار؟
(سي ان بي سي)-18/08/2026
*محلل مالي ومؤسس منصة “خارج الصندوق“
حذف الأصفار، صداع جديد، من ضمن ترندات تعودنا على طرحها بشكل متوالي كأنها أصبحت من ضمن سياق طبيعة مجتمع يبحث عن كلمة أو رأي ليتحول إلى أزمة فكرية يستغلها من يفقه أو لا يفقه شيئاً في علم عظيم كعلم الاقتصاد.
تُثار اليوم نقاشات عديدة في أوساط المتداولين عن وضع سوق العراق للأوراق المالية وأسهم الشركات وعن تأثير هذا (الترند) الذي يحتاج تحقيقه لشروط اقتصادية لا تنطبق حالياً على وضعنا الاقتصادي بشكل عام، ولا هو وقت مثالي لهذا التحول الثوري في قيمة العملة.
ولكن كي نعطي إيجازاً وأفضل طريقة ممكن أن يتبعها السوق بدون أن يخالف التشريع ويواكب هذا الامتثال في ما لو طُبق مستقبلاً بصورة قانونية وتكون الشركات كرؤوس أموال والمستثمر كحجم وقيمة أسهم في نفس الموازنة والحقوق فستكون عملية التحول بما يسمى (الدمج) وليس التسعير.
مشروع البنك المركزي لحذف ثلاثة أصفار من الدينار، يبرز تساؤلاً جوهرياً ومحورياً يخص مصير سوق العراق للأوراق المالية، كيف سيتعامل السوق مع هذا التغيير النقدي الكبير؟ وما هو المصير الحسابي والتشغيلي لأسعار الأسهم ورؤوس أموال الشركات المدرجة، خصوصاً تلك الأسهم التي تتداول اليوم بأسعار متدنية للغاية تقع تحت حاجز قيمتها الاسمية البالغة 1 دينار، كالأسهم التي تباع بـ 50 فلساً؟
إن الإجابة عن هذه المعضلة تحيلنا مباشرة إلى استحضار التجارب الدولية الرائدة في هذا المضمار، وتحديداً التجربة التركية المتميزة في مطلع عام 2005، حين أقدمت تركيا على حذف 6 أصفار دفعة واحدة من عملتها.
في تلك التجربة، لم يقتصر الأمر على استبدال أوراق النقد في الشارع، بل قامت هيئة أسواق المال وبورصة إسطنبول بإعادة هيكلة شاملة لمنظومة التداول، حيث اتجهت البورصة التركية إلى تطبيق مبدأ الدمج العكسي للأسهم بنسبة مماثلة تماماً لنسبة حذف الأصفار، أي دمج كل مليون سهم قديم في سهم واحد جديد، وهو ما أنقذ السوق حينها من فوضى الحسابات والكسور العشرية المجهرية. في الحالة العراقية، تكمن خطورة التفكير غير المدروس في افتراض أن العملية تقتصر فقط على قسمة السعر السوقي للسهم على ألف مع الإبقاء على عدد الأسهم كما هو.
هذا الطرح النظري البسيط الذي يتداوله الكثير اليوم والذي سوف يولد كارثة فنية على أرض الواقع، فإذا كان لدينا سهم يتداول اليوم بسعر 50 فلساً، أي ما يعادل 0.050 من الدينار الحالي، فإن قسمة هذا السعر على ألف تعني أن السعر الجديد سيصبح 0.00005 من الدينار الجديد، وهو كسر عشري لا تستطيع شاشات التداول ولا أنظمة المقاصة ولا الحسابات المصرفية التعامل معه إطلاقاً.
هنا يبرز الحل الفني والتشريعي الصحيح، وهو تطبيق آلية الدمج العكسي للأسهم بنسبة 1000 إلى 1 بالتوازي مع عملية الحذف النقدي، وهو ما ينسجم تماماً مع روح المادة السادسة والعشرين من قانون الشركات العراقي رقم 21 لسنة 1997 المعدل، والتي تنص على أن القيمة الاسمية للسهم الواحد هي دينار واحد.
بموجب هذا الحل، يُدمج كل 1000 سهم قديم ليتحول إلى سهم واحد جديد بقيمة اسمية قدرها دينار واحد جديد، وتتعدل بالتالي رؤوس أموال الشركات المصدرة تلقائياً، فالشركة التي يبلغ رأس مالها حالياً 250 مليار دينار ومقسمة إلى 250 مليار سهم، سيصبح رأس مالها 250 مليون دينار جديد مقسماً على 250 مليون سهم جديد، وتبقى القيمة الاسمية ثابتة عند دينار واحد دون الحاجة لأي تعديل تشريعي معقد للقانون.
أما على مستوى التداول والأسعار اللحظية، فإن السهم المتداول بـ 50 فلساً قديماً، سيعاد تجميعه عبر دمج 1000 سهم لتكون قيمتها المجتمعة 50 ديناراً من العملة الحالية، وعند تحويل هذا الرقم إلى الدينار الجديد بحذف ثلاثة أصفار، يصبح سعر السهم المدمج 50 فلساً جديداً أو ما يعادل 0.050 من الدينار الجديد.
بهذه الخطوة الذكية يتخلص السوق من مشكلة الكسور غير القابلة للتداول، ويعود السعر ليتحرك ضمن وحدات المزايدة الطبيعية على شاشات التداول. ولا يترتب على هذا الإجراء أي مساس بثروة المستثمر أو نسبة ملكيته في الشركة، فالمتداول الذي يمتلك اليوم مليون سهم بقيمة إجمالية قدرها 50 ألف دينار قديم، ستصبح محفظته بعد التعديل محتوية على 1000 سهم بسعر 50 فلساً جديداً للسهم الواحد، لتكون القيمة الإجمالية للمحفظة 50 ديناراً جديداً، وهي تمثل نفس القوة الشرائية ونفس الوزن النسبي داخل الهيئة العامة للشركة.
إن اللجوء إلى خيار الدمج العكسي للأسهم بالتزامن مع المشروع النقدي ليس مجرد خيار ترفيهي، بل هو ضرورة حتمية لإعادة الانضباط الهيكلي إلى سوق العراق للأوراق المالية. إنها الخطوة التي ستخلص المؤشرات المالية للشركات من فوضى الأرقام التريليونية والمليارية المضخمة، وتعيد مؤشرات ربحية السهم والقيمة الدفترية ومكررات الأرباح إلى نطاقاتها المعيارية السليمة، مما يمهد الطريق لجذب السيولة الاستثمارية المحلية والمؤسساتية الأجنبية ضمن بيئة تداول واضحة وشفافة. وبالتالي قد يحقق السوق بشكل عام مكاسب سعرية ملحوظة كما حققته بورصة إسطنبول بنسبة فاقت الـ 50% بسبب تهافت رؤوس الأموال الداخلية والخارجية (الأموال الساخنة).
