واشنطن تبقي خيارات الرسوم الجمركية مفتوحة
(البيان)-12/08/2026
إنها لحظة غريبة في حرب ترامب التجارية، فقد ولّت الأيام التي كان يكتب فيها تغريدات غاضبة على عجل، تهدد بفرض رسوم جمركية ضخمة على حلفاء الولايات المتحدة، وتتصدر الصفحات الأولى للصحف.
الآن، أصبحت تلك التهديدات أقل تكراراً، وغالباً ما تقابل بهز الأكتاف باستسلام؛ وأحد الأسباب هو فقدان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقدرته على استخدام صلاحيات فرض رسوم جمركية في «حالات الطوارئ»، بعد أن قيدت المحكمة العليا الأمريكية صلاحياته في فبراير.
وهناك سبب آخر يتمثل في الأجواء السائدة في الولايات المتحدة حالياً؛ فالإدارة تتجه مترنحةً نحو انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وهي لا تزال غارقة في حرب مكلفة أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، ما دفع التضخم إلى الصعود في مختلف أنحاء الاقتصاد الأمريكي، وربما كان اﻷثر الأشد تدميراً هو سعر البنزين في محطات الوقود. وقد أدى هذان العاملان معاً إلى تغيير نهج واشنطن.
وخلال الأشهر الأخيرة، حذّر مستشارو ترامب من اتخاذ أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى صدمات مماثلة لما حدث في الأيام الأولى من حربه التجارية، عندما تسببت الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها، في موجة هبوط حادة في أسواق الأسهم العالمية، وعمليات بيع كبيرة لسندات الخزانة الأمريكية.
ومنذ ذلك الحين، شهدنا الكثير من الإعفاءات والاستثناءات والتعديلات المحدودة. كما شهدنا عدداً من التحقيقات المتعلقة بـ«الأمن القومي» التي كان من المتوقع أن تنتهي بفرض رسوم جمركية، لكنها خلصت بدلاً من ذلك إلى توصيات بإجراء مزيد من المحادثات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التحقيقات بموجب المادة 232 المتعلقة بالمعادن الحيوية وقطع غيار الطائرات.
ولن يتخلى ترامب عن الرسوم الجمركية. كما أنه لم يغفر بعد للمحكمة العليا إسقاطها الحائط الذي أقامه في البداية. فقد نشر على منصته «تروث سوشيال» قبل بضعة أسابيع منشوراً هاجم فيه القضاة، متهماً إياهم بالتسبب في خسارة الولايات المتحدة «تريليونات وتريليونات الدولارات».
لكن الواقع هو أن قاضياً واحداً مثابراً في محكمة التجارة الدولية الأدنى درجة ظل يلاحق مسؤولي الجمارك اﻷمريكيين حتى أجبرهم حتى الآن على رد أكثر من 100 مليار دولار من تلك الرسوم.
لكن من الإنصاف القول إن الحرب التجارية انتقلت إلى أيدي المحترفين؛ فمع اعتماد المسؤولين الأمريكيين الآن على مجموعة متشابكة من القوانين الأقل شهرة، أطلقت الولايات المتحدة سلسلة تحقيقات وتحريات جديدة يمكن أن تنتهي جميعاً بفرض رسوم جمركية.
وقد بدأت هذه التحقيقات تؤتي ثمارها. فقد فرضت الولايات المتحدة رسوماً تراوح بين 10 و12.5 في المئة على 60 شريكاً تجارياً بعد تحقيق في «العمل القسري»، بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، وذلك بالتزامن مع انتهاء سريان رسوم عالمية سابقة بنسبة 10%، كانت قد فرضت بموجب المادة 122 من القانون نفسه.
علاوة على ذلك، أطلق المسؤولون تحقيقاً منفصلاً، تم أيضاً بموجب المادة 301، بشأن فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية. ويشمل هذا التحقيق الاتحاد الأوروبي والصين وسنغافورة وسويسرا والنرويج وإندونيسيا وماليزيا وكمبوديا وتايلاند وكوريا الجنوبية وفيتنام وتايوان وبنغلاديش والمكسيك واليابان والهند.
لكن ماذا عن الاتفاقات التجارية السابقة التي أبرمها ترامب مع شركاء تجاريين، والتي تضمنت التزاماً بمعدلات محددة للرسوم الجمركية؟ خلف الكواليس، يقول مسؤولون تجاريون أمريكيون للعديد من الحلفاء إن اتفاقاتهم ستظل سارية.
لكن موجة جديدة من التحقيقات المتعلقة بالرسوم الجمركية أثارت مخاوف الدبلوماسيين من أن يتم تجاوز تلك الاتفاقات من خلال مزيج من الرسوم الجديدة.
والاتحاد الأوروبي مثال على ذلك، حيث يواجه التكتل الآن رسوماً أمريكية إضافية بنسبة 10% نتيجة التحقيق الأخير بشأن «العمل القسري». لكن بموجب الاتفاق التجاري الذي أبرمه التكتل مع الولايات المتحدة في تيرنبيري عام 2025، تم فرض رسوم بنسبة 15% على معظم السلع.
وهذا يعني أنه إذا انتهى التحقيق المرتقب بشأن فائض الطاقة الإنتاجية الهيكلي إلى فرض رسوم على السلع الأوروبية تتجاوز 5%، فإن اتفاق تيرنبيري سيكون قد انهار عملياً. ويشعر كثير من الدبلوماسيين بالقلق من أن تأتي النسبة أعلى من ذلك.
وإذا أرادت إدارة ترامب الجمع بين التهديدات الكبيرة والوفاء بتعهداتها في الاتفاقات السابقة، فإن أحد الخيارات المتاحة أمامها هو استكمال تحقيقاتها بدقة، والتوصية بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ثم تعليق تنفيذها إلى حين إجراء مزيد من المفاوضات.
وأشار دان مولاني، المفاوض التجاري الأمريكي السابق، إلى أن إدارة ترامب الأولى هددت في عام 2018 بفرض رسوم بموجب المادة 301 رداً على ضرائب الخدمات الرقمية التي فرضها الاتحاد الأوروبي، لكنها علقت تطبيق تلك الرسوم لإتاحة المجال أمام إجراء مفاوضات دولية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
واتباع هذا النهج سيكون إحدى الوسائل التي تتبعها الولايات المتحدة مع بعض الشركاء الذين تتعثر المحادثات معهم. فالهند، على سبيل المثال، لا تزال تشكل تحدياً كبيراً للمفاوضين الأمريكيين، الذين يرون أن المفاوضات التي تهدف إلى إبرام اتفاق تجاري معها تسير ببطء شديد وتتطلب جهداً كبيراً.
كما ترسل الولايات المتحدة رسائل شديدة اللهجة إلى الاتحاد الأوروبي لتذكير بروكسل بمطالب البيت الأبيض وشكاواه بشأن الحواجز غير الجمركية.
وكان الممثل التجاري الأمريكي في عهد ترامب، جيميسون غرير، صريحاً في انتقاد بطء التكتل في كل من خفض الرسوم الجمركية والتراجع عن القواعد واللوائح التنظيمية.
وفي أحدث تطورات هذا الملف، لفتت الغرامات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على شركات التكنولوجيا الأمريكية، مثل «أبل» و«أمازون» و«ميتا»، انتباه ترامب، ما دفعه إلى التهديد بفرض مزيد من الرسوم الجمركية. وهذه الرسوم أيضاً ستحتاج إلى أن تفرض بعد إجراء تحقيق، وهو تحقيق سبق أن هدد مسؤولو ترامب ببدئه.
كما يجدر التوقف قليلاً عند كندا، التي يبدو أنها أصبحت موضوع تجربة جديدة لواشنطن في استخدامها المبتكر لمادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930.
وهي صلاحية لم تستخدم من قبل لفرض رسوم على شريك تجاري. ويحاول المسؤولون الأمريكيون، فرض رسوم على واردات كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار، رداً على ما تعتبره واشنطن معاملة غير عادلة للسيارات الأمريكية والمشروبات الكحولية والجبن.
وكالعادة، تم تعليق تطبيق هذه الرسوم لفترة من الوقت لإتاحة الفرصة أمام محادثات التجارة الشاقة بين ترامب وفريق رئيس الوزراء الكندي مارك كارني كي تثمر. وسيكون من المفيد متابعة ما إذا كانت تلك الرسوم ستدخل حيز التنفيذ فعلاً وتؤثر في التجارة، وهو ما يفترض أن يحدث خلال أقل من أسبوعين.
وبوجه عام، فإن الآليات اللازمة لإعادة تصعيد الضغوط على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة موجودة بالتأكيد، حتى في الوقت الذي يشعر فيه مستشارو ترامب بالقلق بشأن الاقتصاد الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي الوقت الراهن، تبقي واشنطن خياراتها مفتوحة. وفي النهاية، يجب أن نقول إنه رغم أفضل محاولات ترامب، فلا يزال محرك التجارة الصيني متيناً، إذ ارتفعت صادرات البلاد بنحو الربع تقريباً الشهر الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
