البنوك المركزية تقود موجة جديدة من الإقبال على الذهب
(الإقتصادية)-17/08/2026
*جيمي ماكجيفر
يشهد الذهب ارتفاعًا متجددًا، مدفوعًا بتضافر عوامل اقتصادية وسياسية تُحفز الطلب من المستثمرين حول العالم، وخاصة من جانب البنوك المركزية. بعد استقرار سعر الذهب عند نحو 4000 دولار للأونصة لعدة أسابيع، قفز بنحو 400 دولار، أي بنسبة 10%، منذ بداية أغسطس، وقد يكون في طريقه لتحقيق أفضل أداء شهري له هذا القرن. وكانت آخر مرة ارتفع فيها بنسبة 13% أو أكثر في شهر واحد في سبتمبر 1999.
وقد أسهمت عدة عوامل رئيسية متعلقة بالولايات المتحدة في هذا الارتفاع، أبرزها سياسة الاحتياطي الفيدرالي التيسيرية في خفض أسعار الفائدة، وضعف بيانات التوظيف، وانخفاض معدلات التضخم نسبيًا. كل هذه العوامل خففت من توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، وأدت إلى انخفاض قيمة الدولار، ما عزز الطلب على الذهب.
لكنها تأتي في ظل خلفية جيوسياسية وسياسية مقلقة، ذكّرت العالم بجاذبية الذهب الكامنة، لا سيما بالنسبة لمديري الاحتياطيات. فقد تصاعدت الحرب الأمريكية الإيرانية من جديد، وتتلاشى آمال التوصل إلى “اتفاق” سلام، مهما كان غير مُرضٍ. كما تضيق فرص الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في التراجع قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
صحيح أن التصعيد أو الاستسلام ليسا الخيارين الوحيدين أمام ترمب، إلا أن بعض المحللين بدأوا الآن في التفكير في هذا السيناريو الواضح. في غضون ذلك، تتزايد الشكوك حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي ومصداقية رئيسه كيفن وارش في مكافحة التضخم. ولم يُعجب المستثمرون بتصريحاته في يوليو بشأن هدف البنك المركزي للتضخم عند 2%.
علاوة على ذلك، تشير التقارير الإعلامية إلى أن ترمب اتصل مرارًا وتكرارًا بوارش منذ تعيينه، كما أنه أعاد إحياء محاولاته لإقالة حاكمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك. وقد أثار كل هذا قلق سوق السندات. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية القياسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها في 18 شهرًا، بينما بلغت عوائد السندات لأجل 30 عامًا والسندات المحمية من التضخم لأجل 30 عامًا أعلى مستوياتها منذ عامي 2007 و2008 على التوالي. ولعلّه ليس من المستغرب أن تستمر البنوك المركزية في خفض حيازاتها من سندات الخزانة المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والتي تُعدّ الأدنى منذ 2012.
وكتب الخبير الاقتصادي فيل ساتل الأسبوع الماضي: “تمر الولايات المتحدة الآن بمرحلة استُنفدت فيها فوائدها العالمية من إصدار العملة الاحتياطية العالمية؛ والمرحلة التالية (التي ربما تكون قد بدأت بالفعل) هي ما سيحدث عندما يصبح حاملو التزاماتك الأجانب أكثر قلقًا بشأن الاحتفاظ بها”.
هل انتهى عصر الملاذ الآمن؟
لا يُفترض أن يُؤدي أيٌّ من هذه الأحداث بمفرده إلى انتعاشٍ كبيرٍ في أسعار الذهب. ولكن عند جمعها معًا، تُشكّل قائمةً مُقنعةً للغاية. لا سيما بالنسبة للبنوك المركزية، التي بدأت بالفعل في زيادة مشترياتها في الربع الثاني بعد أداءٍ باهتٍ في الربع الأول. وبلغ صافي مشتريات البنوك المركزية في الفترة من أبريل إلى يونيو 289 طنًا، أي أكثر من 5 أضعاف حجم مشتريات الأشهر الـ3 السابقة، وفقًا لمجلس الذهب العالمي وكان هذا رقمًا قياسيًا للربع الثاني.
وبأخذ متوسط السعر في الحسبان، يُقدّر محللو دويتشه بنك أن طلب البنوك المركزية في الربع الثاني بلغ رقمًا قياسيًا قدره 45 مليار دولار. وقد يُحطّم هذا الرقم القياسي قريبًا. فقد أظهر استطلاعٌ أجراه مجلس الذهب العالمي للبنوك المركزية في يونيو أن 45% من المُستطلَعين يُخطّطون لزيادة حيازاتهم من الذهب خلال الأشهر الـ 12 المقبلة. ويبدو أن الأرقام الأولية تُؤيّد ذلك.
فقد اشترى البنك المركزي الصيني صافي 20 طنًا متريًا في يوليو، بزيادة قدرها 0.9% على الشهر السابق. كانت هذه أكبر زيادة، وفقًا لكلا المقياسين، منذ أكتوبر 2023، ما رفع إجمالي احتياطياتها من الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 2377.5 طنًا.
وكتب محللو بنك نيويورك الأسبوع الماضي: “تُضيف الصين مجددًا كميات كبيرة إلى احتياطياتها. لا يُعد الذهب مؤشرًا مباشرًا من الاحتياطي الفيدرالي، لكن استمرار الطلب الرسمي من القطاع الخاص وتجدد اهتمام المستثمرين يُعززان قيمته كأداة للتحوط ضد التضخم والعملات والقضايا الجيوسياسية”.
إلا أن البنوك المركزية تتحرك ببطء، ولن تتضح صورة عودتها إلى الذهب إلا بعد بضعة أشهر. ومن المرجح ألا يكون هذا التوجه أحادي الاتجاه. فبعد التقلبات السعرية غير المسبوقة التي شهدها العامان الماضيان، لم يعد الذهب الملاذ الآمن الأمثل كما كان يُعتقد لفترة طويلة، حتى بالنسبة للبنوك المركزية، وهي أكثر الجهات تحفظًا وأقل تأثرًا بتقلبات الأسعار، وتتمتع بأطول آفاق استثمارية.
وقد خلصت ورقة بحثية صادرة عن صندوق النقد الدولي الشهر الماضي إلى أن الذهب “شديد التقلب، ولا يُقدم سوى فوائد مشروطة للتحوط والتنويع”، ولا ينبغي شراؤه لأغراض السيولة.
وخلصت ورقة بحثية صادرة عن صندوق النقد الدولي الشهر الماضي إلى أن الذهب “شديد التقلب، ولا يُقدم سوى فوائد مشروطة للتحوط والتنويع”، ولا ينبغي شراؤه لأغراض السيولة. قال الباحثون: “ينبغي على البنوك المركزية التعامل مع الذهب كأصل احتياطي عالي المخاطر، وأن تُبنى قرارات اقتناء الذهب على أساس التوزيع الإستراتيجي للأصول وتحليل السياسات السليمة”.
من غير المرجح أن تنجرف البنوك المركزية وراء الارتفاعات السعرية بشكل أعمى. ولكن مع تراجع الثقة في الأصول الاحتياطية العالمية، فمن غير المرجح أن يخفت بريق الذهب.
*كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
