تريليونات الذكاء الاصطناعي ومستقبل الثروة العالمية
(العربية)-04/05/2026
*بدر سالم البدراني
في قلب التحول الجذري الذي يشهده العالم مطلع عام 2026، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وافد تقني جديد، بل تحول إلى العمود الفقري لإعادة هيكلة الاقتصاد العالمي، حيث تشير التقارير الاقتصادية الموثقة إلى أننا نمر بواحدة من أسرع الدورات التكنولوجية تأثيراً في التاريخ البشري، متجاوزة في سرعتها وعمقها الثورة الصناعية الأولى. ويبدأ هذا المشهد بالأرقام الضخمة التي سجلها “مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026” الصادر عن جامعة ستانفورد (Stanford HAI)، والذي كشف عن قفزة هائلة في الاستثمارات الخاصة بنسبة نمو بلغت 127.5% خلال العام الماضي، مما يعكس ثقة المؤسسات المالية العالمية في أن هذه التكنولوجيا هي المحرك الأول والأساسي للنمو المستقبلي.
هذا التدفق المالي الضخم تترجمه تقارير مؤسسة (PwC) إلى واقع ملموس، حيث يتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي بمبلغ مذهل يصل إلى 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهو ما يعادل زيادة قدرها 14% في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما يضع هذه التكنولوجيا في مرتبة تتجاوز القيمة الاقتصادية لأكبر التكتلات التجارية الحالية. ولا يقتصر هذا التأثير على النمو الكلي، بل يمتد ليعيد صياغة مفهوم العمل والقوى البشرية؛ فبينما يثير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) قلقاً من احتمال تلاشي 92 مليون وظيفة تقليدية بحلول عام 2030، فإنه يبشر في الوقت ذاته بخلق 170 مليون دور وظيفي جديد يعتمد على مهارات الابتكار والتعاون الرقمي، مما يعني تحقيق صافي ربح قدره 78 مليون وظيفة جديدة تماماً تعتمد على التخصصات النوعية.
ومع استمرار هذا الزخم، تبرز نتائج دراسات شركة (McKinsey) لتؤكد أن هذه الثورة تتطلب مرونة فائقة من القوى العاملة العالمية، إذ سيضطر نحو 14% من الموظفين حول العالم لتغيير تخصصاتهم المهنية كلياً قبل نهاية العقد الحالي لمواكبة متطلبات الإنتاجية الجديدة. وبالحديث عن الإنتاجية، فقد رصدت تقارير مطلع عام 2026 مكاسب غير مسبوقة في كفاءة المؤسسات، حيث ارتفعت إنتاجية تطوير البرمجيات بنسبة 26%، بينما حقق قطاع التسويق والإبداع قفزة في المخرجات بنسبة 50% بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع تحسن ملموس بنسبة 15% في سرعة حل مشكلات العملاء، مما يعزز من الربحية ويخفض التكاليف التشغيلية بشكل جذري نتيجة تحسين العمليات اللوجستية والإدارية.
وعلى صعيد الإنفاق الاستثماري العام، تشير البيانات المحدثة إلى أن التدفقات المالية الموجهة لتطوير الأنظمة الذكية لم تعد حكراً على منطقة بعينها، بل أصبحت سباقاً عالمياً مفتوحاً، حيث تتوقع شركة (Gartner) أن يتجاوز الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حاجز ال 2 تريليون دولار بنهاية عام 2026.
وفي نهاية المطاف، نجد أن هذا التحول قد وصل بالفعل إلى جيب المستهلك العادي، حيث قُدر الفائض الاستهلاكي الناتج عن الخدمات الذكية الميسرة والحلول الموفرة للوقت بنحو 172 مليار دولار سنوياً، مما يؤكد أننا أمام اقتصاد جديد لا يعيد صياغة كيفية الإنتاج فحسب، بل يغير تماماً كيفية توزيع القيمة والفرص في قرننا الحالي، مما يضع جميع الفاعلين الاقتصاديين أمام خيار وحيد وهو التكيف السريع مع هذه المعطيات الرقمية أو البقاء في معزل عن قاطرة النمو العالمي.
