حوكمة الاستدامة في القطاعَيْن العام والخاص
(القبس)-15/07/2026
فاتن النقيب*
بعد أن وَضَّحنا في المقال السابق كيف أنَّ الغسل الأخضر قد بلغ عالمياً مَبلَغَ الجريمة، ليس فقط لاحتوائه على تضليل استهلاكي وتداخل مع جرائم أخرى مثل التضليل المحاسبي، وغسل الأموال، والتلاعب بأسواق المال.
نرى اليوم النتيجة العالمية الكارثية؛ ليس فقط على شكل احتباس حراري، ونضوب في موارد المياه العذبة، وتصحُّر في الأراضي الزراعية، وتلوُّث في الهواء؛ بل أيضاً على شكل تحوُّل ممارسات انتهاك البيئة إلى أداة من أدوات الجريمة المنظمة.
وعليه، فإن حماية استدامة البيئة يجب أن تبدأ من أهم الفعاليات الاقتصادية والإدارية في الدولة؛ المتمثِّلة بشركات المساهمة، ثم جهات القطاع العام.
هذه هي النقطة الإدارية التنظيمية الحاسمة التي يجب أن تسبق أي قانون استدامة صارم؛ لأنَّ انتشار ممارسات غسل البيئة، إلى درجة اعتبارها عرفاً مباحاً في الأوساط الاستثمارية والقطاع العام؛ سيجعل من تطبيق أي قانون استدامة صعباً إلى درجة الانفصال عن الواقع.
فإذاً، يجب البدء في مهمة ترسيخ ثقافة عملية لحمايةً الاستدامة البيئة، قبل إصدار وتطبيق قوانين بيئية صارمة.
وفي الكويت، جرى العمل منذ سنوات طويلة على هذا التمهيد الثقافي البيئي؛ كما يلي:
1 – صَدَرَ كتاب حوكمة الشركات ضمن اللائحة التنفيذية لقانون هيئة أسواق المال رقم 7 – 2010؛ بما يجعل من الاستدامة معياراً ملزماً للشركات، لكنه خاضع للالتزام أو التفسير؛ ممَّا أتاح للشركات مخالفة قواعد الاستدامة إذا قدَّمت مبرِّرات مقنعة للهيئة مثل الضغط أو التعثُّر المالي الذي تتعرَّض له الشركة.
2 – أصدرت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية دليلاً استرشادياً للحوكمة تحت مُسمَّى الإطار الوطني لحوكمة الجهاز الإداري الحكومي لعام 2021، ونص الإطار صراحة على أنَّ الاستدامة هي من أركان الحوكمة (صـ2)، وأكدت الأمانة على ذلك أيضاً في برنامجها الوطني الصادر عام 2024 (صـ8).
فالمؤشرات تقول بأن الكويت قد تراجعت درجتها من حيث تطبيق الحوكمة؛ من 46 إلى 42 من أصل 100 درجة منذ عام 2011 حتى 2020، وتراجع تصنيفها العالمي من 54 إلى 78 من أصل 180 دولة منذ 2011 حتى 2020 (الإطار، صـ3).
هذا الواقع السلبي الراكد لحوكمة القطاع العام، قائمٌ رغم وجود قوانين عديدة مثل المرسوم بقانون 346 – 2007، الخاص بإنشاء جهاز متابعة الأداء الحكومي.
وهكذا، نستطيع تخيُّل جحم الأضرار بالبيئة التي ستنشأ بسبب ضعف صيغة الالتزام بالاستدامة في قطاع الشركات، وضعف تطبيق معايير البيئة في القطاع الحكومي.
فما هو موقف قانون البيئة؟
الأبعاد النظرية والعملية
صدر قانون حماية البيئة بالكويت رقم 42 – 2014 برؤية طموحة جداً. كما نصَّ القانون على حماية البيئة الأرضية والخارجية من التلوُّث بالنفايات، وحَمَى التنوع البيولوجي، ووضع قواعد لإدارة الأزمات والكوارث البيئية.
على الرغم من هذه القاعدة القانونية المتنوعة والرصينة، إلاَّ أنَّ العقوبات المؤيدة لها كانت في معظمها تحتوي على إمكانية اكتفاء المحكمة بالغرامة دون الحبس، وحتى في حال كانت عقوبة الحبس إلزامية، فقد فتحت المادة 144 من القانون الباب للمصالحة في قضايا التلوث غير العمدي.
هذا رغم أنَّ الشركات الكبرى لها ممارسات عالمية في هذا الإطار، فالبعض منها تُخصِّص ميزانيات لدفع مبالغ المصالحة مع الدول التي تعمل فيها؛ لأن تلك المبالغ مع التعويضات لا تُشكِّلُ إلاَّ نسبةً بسيطةً من أرباحها، وإذا شكَّلت نسبةً جوهريةً، يتمُّ تحميل مبالغ المصالحات على العملاء عبر زيادة أسعار السلع التي تضرُّ بالبيئة.
وهكذا، يبدو أنَّ المسيرة نحو التنمية الصناعية والاستثمارية تصطدم بشكل طبيعي مع حماية البيئة، والسبب أنَّ فرض قوانين صارمة سيجعل من الشركات العملاقة تتجنَّب دخول السوق.
وعليه، كيف يمكن تطبيق حوكمة الاستدامة بشكل عملي – إداري -قانوني يُرَاعِي حساسية تنظيم البيئة؟
فرصة استثمارية
نص قانون تشجيع الاستثمار المباشر رقم 116 – 2013 على مجموعة من القواعد الذكية الجاذبة للاستثمار في الاستدامة ومشجعة للشركات التي تحترم قواعد البيئة، حيث جعل القانون منح التراخيص والمزايا الاستثمارية رهن بمدى مساهمة المشروع في تحقيق التنمية المستدامة؛ تماشياً مع رؤية كويت جديدة 2035،
حيث إنَّ القانون قد وضع معايير تقييم تسبق منح الترخيص؛ منها قياس الأثر التنموي للمشروع، وإدخال تقنيات تُقلِّل الانبعاثات وهدر الطاقة، وإعطاء الأولوية للمشاريع التي تخدم الاستدامة البيئية؛ مثل الطاقة المتجددة، إدارة النفايات، ومعالجة المياه.
وفي مقابل هذه المعايير البيئية تَحظَى الشركة بامتيازات؛ مثل إعفاء من ضريبة الدخل والضرائب الأخرى لمدة تصل إلى 10 سنوات، مع إعفاء كلي أو جزئي من الرسوم الجمركية على الآلات والمعدات والمواد الأولية المستوردة لخدمة المشروع البيئي؛ إضافة إلى تسهيل الحصول على الأراضي والقسائم اللازمة لإقامة المشاريع الاستثمارية.
بهذه الطريقة القانونية الذكية، يمكن القول بأنَّ المشرع قد استخدم الحوافز الاستثمارية كأداة لتطبيق حوكمة الاستدامة بشكل واقعي؛ فجعل منها فرصة استثمارية بدلاً من أن تكون عبئاً مالياً على الشركات.
لكن ما تزال توجد ثغرات تشريعية تخص المزيد من التشدد في التعامل العقابي مع المخالفات البيئية، وجعل قواعد الاستدامة أكثر جدية وصرامة في كتاب حوكمة الشركات، وإصدار قانون لمكافحة الغسل الأخضر، وفرض تدقيق ومحاسبة إدارية على نشاطات الجهات العامة؛ بما يجعل من تطبيق حوكمة الاستدامة أمراً منطقياً وذاتياً في آن معاً.
