مرونة الاقتصاد السعودي أمام التوترات الإقليمية
(الإقتصادية)-12/06/2026
*أحمد الشهري
في الوقت الذي كانت فيه الأسواق العالمية تراقب تداعيات الحرب بين أمريكا وإيران وإغلاق مضيق هرمز باعتباره تهديداً مباشراً لاقتصاديات الخليج، قدم الاقتصاد السعودي صورة مختلفة، فبدلاً من الانزلاق إلى حالة من عدم اليقين الاقتصادي، أظهرت البيانات الرسمية أن السعودية تمكنت من الحفاظ على وتيرة نمو إيجابية واستقرار مالي، في مؤشر على أن الإصلاحات الهيكلية خلال السنوات الماضية بدأت تؤتي ثمارها الاقتصادية في مواجهة الصدمات الخارجية.
لم يكن الاختبار الحقيقي متعلقاً بارتفاع النفط، بل بقدرة الاقتصاد على الاستمرار عندما تصبح طرق التجارة والطاقة محل اضطراب، ففي هذا الجانب تبدو الاستثمارات في البنية التحتية وسياسات التنويع الاقتصادي أكثر أهمية من التطورات قصيرة الأجل في أسواق الخام.
أظهرت بيانات الربع الأول 2026 نمواً حقيقياً للناتج المحلي الإجمالي بلغ 3% على أساس سنوي، وهو أداء يبرز استمرارية توسيع الأنشطة غير النفطية حتى في ظل بيئة إقليمية مضطربة، والأهم من ذلك أن مساهمة هذه الأنشطة أصبحت تمثل المحرك الرئيس للنمو، في تحول يبرز تغيراً تدريجياً في هيكل الاقتصاد مقارنة بالعقد الماضي.
هذا التطور يمنح صناع السياسات الاقتصادية هامشاً أوسع للتعامل مع أسواق الطاقة، ويشير إلى نجاح برامج التنويع لم يعد مجرد هدف إستراتيجي، بل أصبح يظهر بصورة ملموسة في المؤشرات الاقتصادية.
كان إغلاق مضيق هرمز كفيلاً بإعادة رسم خريطة تدفقات 20% من النفط العالمية، إلا أن السعودية استفادت من استثمارات طويلة الأجل في الممرات البديلة، بما في ذلك خط الأنابيب شرق -غرب وموانئ البحر الأحمر للحفاظ على استمرارية جزء كبير من صادراتها.
وفي الوقت ذاته، أسهم ارتفاع العلاوة السعرية على النفط السعودي في تعويض جزء من أثر انخفاض الكميات المصدرة، ما خفف الضغط على الإيرادات الحكومية وأبرز القيمة الاقتصادية للبنية التحتية اللوجستية باعتبارها أداة لإدارة المخاطر وليست مجرد مشروع تنموي.
رغم الضغوط الجيوسياسية المباشرة على السعودية، بقي التضخم عند مستويات منخفضة ومستقرة عند 1.7-1.8% فيما تمت إدارة العجز المالي في الربع الأول بفاعلية عالية وحافظت الاحتياطات الأجنبية على مستويات قوية 469.8 مليار دولار بحسب بيانات البنك المركزي السعودي، في حين عاد مؤشر مديري المشتريات غير النفطي والصادر عن بنك الرياض إلى منطقة التوسع عند 52.8 نقطة في مايو، مشيراً إلى نمو مستدام في القطاعات غير النفطية، يشير التعافي السريع في الأسواق ومؤشر PMI إلى عودة الثقة التجارية والاستهلاكية وتكشف ثقة المستثمرين في القطاع غير النفطي.
يعكس الاستقرار في الاحتياطيات والتضخم فاعلية السياسات النقدية والمالية في الحفاظ على التوازن رغم الإنفاق الإستراتيجي، ما يقلل من مخاطر التقلبات الخارجية والنجاح في امتصاص الصدمات دون الحاجة إلى إجراءات استثنائية قد تؤثر في النشاط الاقتصادي الكلي. أشارت تقييمات المؤسسات الدولية، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، إلى متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على إدارة التحديات بالمرتبطة بالأزمة.
خارج المجال الاقتصادي نجحت السعودية في إدارة موسم الحج 1447 بكفاءة استثنائية رغم التوترات الإقليمية، حيث بلغ عدد الحجاج 1.7 مليون حاج مع ضمان أعلى معايير السلامة والخدمات اللوجستية وبشهادة الحجاج المغادرين وأثناء عودتهم إلى دولهم.
هذه العناصر تكشف عن تماسك اقتصادي قوي ومكانة دولية وثقة في السعودية، ما يفتح أبواباً أوسع للشراكات الإستراتيجية والاستثمارات الأجنبية، ويعزز دور السعودية كمركز عالمي للخدمات اللوجستية وأكبر سوق للضيافة الدينية في العالم ومشاريع مكة العقارية الكبرى والتي انطلق بعد موسم الحج مباشرة.
في الختام: هذه الأرقام ليست صدفة، بل ثمرة مباشرة للإصلاحات الهيكلية التي نفذتها السعودية على مدى السنوات الماضية، ربما يكون الدرس الأبرز في هذه المرحلة أن التحول الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المشاريع الكبرى، بل بقدرة الاقتصاد على العمل تحت الضغط، وفي هذا الاختبار، تشير المؤشرات إلى أن السعودية لم تحافظ على الاستقرار فحسب، بل قدمت نموذجاً لكيفية توظيف الإصلاحات الهيكلية لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات.
*اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
