أوردت صحيفة «الوفد» المصرية للكاتب الدكتور محمد عادل، تحقيقاً، حيث تنشر مجلة «إتحاد المصارف العربية» مقتطفاً منه تحت عنوان «بنك الذهب .. طال إنتظاره»، كالتالي:
فى نهاية العام 2025، وقّع البنك المركزي المصري والبنك الأفريقي للتصدير والإستيراد مذكّرة تفاهم لإنشاء بنك متخصّص في الذهب على مستوى القارة الأفريقية. ورغم أن الخبر مرّ بهدوء وكأنه تطوُّر عادي، فإنه يحمل أهمية قصوى على المستويات الإفريقي والعربي والمحلي، لما يُمثّله من تحوُّل إستراتيجي في إدارة واحدة من أهم ثروات القارة.
خدمات علاج الإدمان
ويكشف هذا التطوُّر عن مفارقة لافتة؛ فمصر، صاحبة التاريخ والحضارة، ومن أوائل مَن عرفوا الذهب وإستخدموه في الحلى والصناعات المختلفة، لا تمتلك صناعة معترف بها عالمياً، أو كياناً مصرفياً متخصّصاً في إدارة وتطوير صناعة الذهب وفق معايير عالمية، كما أن العديد من الدول الأفريقية الغنية بالمعدن النفيس لا تزال تفتقر إلى منظومة مؤسسية متكاملة تعظّم القيمة المضافة لهذه الثروة.
من هنا تنبع أهمية تحويل مذكرة التفاهم إلى واقع فعلي، بما يضمن الحفاظ على ثروات القارة الإفريقية، وتعزيز الأمن الإقتصادي الأفريقي والمصري، إلى جانب حماية المواطنين من ممارسات الغش وعدم الإنضباط في الأسواق. فهل يكون بنك الذهب نقطة الإنطلاق نحو منظومة أكثر تنظيمًا وعدالة واستدامة؟
ويقول حسن عبدالله محافظ البنك المركزي المصري: «إن هذه المبادرة تُمثل نواة لتعاون أوسع على مستوى القارة الإفريقية، بمشاركة الحكومات والبنوك المركزية والجهات الفاعلة فى أسواق الذهب، وتؤكد التزام مصر بقيادة جهود تعزيز التكامل الإقتصادي بين الدول الأفريقية»، مؤكداً «أن إختيار مصر مقراً للمشروع الجديد، بعد إستكمال الدراسات والموافقات اللازمة، يعكس الثقة التي توليها المؤسسات الأفريقية لقدرة مصر على إستضافة مشروعات قارية كبرى، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذى يربط أفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا، بما يعزّز فرص تحوُّلها إلى مركز إقليمي لتجارة الذهب والخدمات المالية المرتبطة به».
ومن جانبه، يؤكد الدكتور چورچ إيلومبي رئيس البنك الأفريقي للتصدير والإستيراد، إلتزام الجانبين توحيد الجهود والموارد لدعم الإستقرار المالي وتعزيز النمو الإقتصادي المستدام في إفريقيا.
ويقول إيلومبي: «إن مذكرة التفاهم قد تبدو بسيطة في ظاهرها، إلاّ أن مضمونها يحمل نتائج إقتصادية هائلة للقارة»، مضيفاً: «إن ذهب إفريقيا يجب أن يخدم شعوبها»، موضحاً «أن إنشاء بنك إفريقي للذهب يأتي ضمن رؤية البنك لإستغلال موارد القارة بما يعود بالنفع على مواطنيها»، مشيراً إلى «أن الكيان الجديد سيُسهم في إحداث تغيير جذري في طريقة إستخراج الذهب وتكريره وإدارته وتقييمه وتخزينه وتداوله، بهدف الحفاظ على قيمته داخل القارة».
وتهدف المبادرة إلى تقوية إحتياطات البنوك المركزية الأفريقية، وتقليل الإعتماد على مراكز التكرير والتداول خارج القارة، وإضفاء الطابع الرسمي على منظومة صناعة وتجارة الذهب. كما تتماشى مع رؤية الدولة المصرية لتوسيع الشراكات الإستراتيجية مع الدول الأفريقية، وتعزيز التعاون في مجالات التصنيع المحلي والتنمية المستدامة والتكامل المالي والتجاري.
وبموجب مذكرة التفاهم، سيعمل الجانبان على إعداد دراسة جدوى شاملة لتقييم الجوانب الفنية والتجارية والتنظيمية لإنشاء منظومة متكاملة لبنك الذهب داخل إحدى المناطق الحرة المخصّصة في مصر، تشمل إنشاء مصفاة ذهب معتمدة دوليًا، ومرافق آمنة لتخزين الذهب، إلى جانب تقديم خدمات مالية متخصّصة وخدمات تداول متقدمة مرتبطة بالمعدن النفيس.
إحتياطات البنوك المركزية
أظهر إستطلاع حديث أجراه المجلس العالمي للذهب حول إحتياطات البنوك المركزية لعام 2025، أن 43 % من البنوك المركزية المشاركة تتوقع زيادة احتياطاتها من الذهب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مقارنة بنسبة 29 % فقط في العام 2024. وأبرزت نتائج الإستطلاع أن هذه الزيادة متوقعة بشكل أكبر في البنوك المركزية بالأسواق الناشئة، حيث صرّح 48 % منها بأنها ستعمل على رفع إحتياطاتها، مقابل 21 % فقط للبنوك المتقدّمة.
ويظل الذهب محطّ ثقة للبنوك المركزية بفضل دوره في تنويع المحافظ المالية وتحقيق الإستقرار الإقتصادي. وأوضح الإستطلاع أن الأسباب الأكثر أهمية لإدارة الإحتياطات تشمل معدّلات الفائدة (93 % )، والمخاوف من التضخُّم (81 % )، والإستقرار الجيوسياسي (77 % )، إلى جانب المخاطر المحتملة للنزاعات والصدمات غير المتوقعة.
وفي ما يتعلق بالإحتفاظ بالذهب، أشار 85 % من المشاركين إلى أن أداءه في أوقات الأزمات يُعد سبباً رئيسياً، بينما إعتبر 81 % منهم وسيلة فعّالة لتنويع المحافظ، و80 % إعتبروه وسيلة طويلة الأجل للحفاظ على القيمة. كما أبرز 74 % الموقع التاريخي للذهب كعامل مهم، فيما أكد 71 % على عدم وجود مخاطر التخلُّف عن السداد كميزة إضافية.
في المحصّلة، إن تكلفة إستخراج أوقية الذهب تُراوح بين 600 و1600 دولار تقريباً، بينما تباع حالياً بنحو 5600 دولار للأوقية، فى حين يرى أن السعر يدور حول 2000 دولار، لذا فإن الإرتفاعات الكبيرة الأخيرة تعود إلى المخاوف من الإضطرابات العالمية، والسياسات الإقتصادية في العهد الحالي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب توجُّه بعض الدول مثل روسيا والصين إلى تقليص الإعتماد على الدولار، وهو ما دفع البنوك المركزية وكبار المستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من الذهب تحوُّطًا من المخاطر. وعليه، إن إنشاء بنك للذهب سيكون له تأثير قوي على الصناعة إذا طُبّق وفق الأساليب والمعايير العالمية، وخصوصاً أن بعض مناجم الذهب في مصر تقوم حالياً بتحليل الذهب في كندا وبيعه هناك، مع حصول الشركات والحكومة على حصصهما. وفي حال إنشاء بنك الذهب داخل مصر، يُمكن إجراء عمليات التحليل والتسعير محلياً، وبيع الذهب وتصديره للخارج أو الإحتفاظ به داخل البلاد، بما يُسهم في جذب موارد من النقد الأجنبي، ودعم الإحتياطي، فضلاً عن زيادة العائد عبر تصدير المشغولات بدلاً من تصدير الخام.
حماية أرباح الذهب كي لا نُضيف مرة أخرى فرصة ضائعة إلى تاريخنا
الأمين العام لجمعية مصارف لبنان
الدكتور فادي خلف
لفت الأمين العام لجمعية مصارف لبنان الدكتور فادي خلف في إفتتاحية التقرير الشهري للجمعية إلى أنه «عندما خسر لبنان من القيمة الدفترية لذهبه نحو 11 مليار دولار بين 29 كانون الثاني/يناير و2 شباط/فبراير من السنة الحالية (2026)، نتيجة هبوط سعر الأونصة من 5600 $ إلى 4400 $، إرتفعت الأصوات بأن المودعين أحق. والسؤال المشروع اليوم هو: ماذا لو حصل تصحيح أكبر؟ وهل ينفع الندم بعد وقوعه؟
أمام لبنان فرصة إستثنائية لإدارة أصل سيادي ثمين بطريقة تحمي قيمته وتحسّن توظيف أثره المالي في خدمة المودعين والإقتصاد، ولا سيما أن الأسواق تعرف ما يُسمّى بالدورات: صعود، ثم تصحيح، ثم ركود، ثم صعود من جديد. إذا قررنا إدخال الذهب في أي مقاربة للحل، فيجب أن ندخله بعقل حماية الأرباح والإستفادة منها».
وقال خلف: «لقد أحسن المجلس النيابي حين منع تسييل الذهب في مراحل حساسة من تاريخ لبنان، لكن تحويل الذهب إلى أصلٍ جامد خارج أي إدارة مالية محترفة قد يُفوّت على لبنان، فرصة حماية قيمة هذه الثروة في اللحظة المناسبة. لأن التفريط، كما الجمود، ليسا الحل».
أضاف د. فادي خلف في إفتتاحيته:
1 – بالأرقام: الذهب يصعد… ثم يُصحّح
إنّ قراءة الذهب لا تكون فقط من زاوية القمة السعرية التي يبلغها، بل أيضاً من زاوية ما يلي تلك القمم من تصحيحات قد تكون عميقة وطويلة الأمد. وهذا ليس رأياً، بل حقيقة تؤكدها دوراته التاريخية.
محطات تاريخية واضحة بعد القمم السعرية:
– كانون الأول/ديسمبر 1974: القمّة: 195 $ للأونصة، القاع اللاحق: 100 $، نسبة الهبوط: 48.72 %، إستعادة القمّة: بعد 3 سنوات و3 أشهر (آذار/مارس 1978).
– كانون الثاني/يناير 1980: القمّة: 875 $ للأونصة، القاع اللاحق: 252$، (آب/أغسطس 1999)، نسبة الهبوط: 71.2 %. أما إستعادة القمّة فكانت: بعد 28 عاماً (كانون الثاني/يناير 2008).
– أيلول/سيبتمبر 2011: القمّة: 1920 $ للأونصة، القاع اللاحق: 1046 $ (كانون الأول/ديسمبر 2015)، نسبة الهبوط: 45.5 %، إستعادة القمّة: بعد 9 سنوات وشهرين (تمّوز/يوليو 2020).
هذه الوقائع وحدها تكفي لتوضيح الفكرة الأساسية: الذهب قد يرتفع بقوة، لكن تاريخه يتضمّن تصحيحات قاسية وطويلة، لذلك، فإن الحديث عن التصحيح ليس تهويلاً، بل قراءة لدورات الذهب الذي يتحرّك بحسب موجات تمتد لسنوات.
2 – الذهب والأرباح الدفترية: أين تقع المخاطرة الفعلية؟
في لبنان، النقاش لا يدور فقط حول الذهب بوصفه إحتياطياً سيادياً، بل أيضاً حول قيمته كرافعة ضمن مقاربة مالية لمعالجة الأزمة.
وهنا لا بدّ من توضيح نقطة أساسية:
قد يعتقد البعض أنّ هبوط سعر الذهب مجرّد خسارة دفترية، لكنها في الواقع أرباح ضائعة.
وإذا كانت الأرقام تُبنى على قيمة مرتفعة للذهب، ثم دخل الذهب في تصحيح حاد، فإنّ صدقية الأرقام نفسها تهتزّ. لهذا السبب تحديداً، إنّ تعليق الآمال على قيمة الذهب من دون حماية أرباحه أو تحقيقها، يصبح مجرّد رهانٍ على أصلٍ غير ثابت.
3 – السيناريو الذي يجب أن يفهمه كل مواطن
إذا إعتُمدت قيمة الذهب، كمثال توضيحي فقط، على أساس 5600 $ للأونصة (القمّة المسجّلة في كانون الثاني/يناير 2026)، ثمّ دخل الذهب في تصحيح ضمن نسب التصحيح التاريخية، تصبح الصورة على الشكل الآتي:
تصحيح 30 % السعر يهبط إلى نحو 3900 $ للأونصة إحتياطي الذهب إلى حوالي 36 مليار دولار.
لنتصوّر لو حصل تصحيح أقسى، 45.5 % أو 71.2 % كما في السابق. هذه ليست أرقاماً نظرية، بل سيناريوهات يجب أن تدخل في أي حسابات لخططٍ مستقبلية.
4 – المطلوب ليس التفريط بالذهب… بل حمايته
المقصود ليس بيع الأصل، بل حماية أرباحه، من خلال أدوات مالية وعمليات بيع وشراء، ضمن حوكمة واضحة وشفافة: سياسات تحوُّط مسبق عبر أدوات مالية مناسبة (مثل الخيارات أو العقود الآجلة). إدارة نشطة لمركز الذهب بهدف حماية القيمة والاستفادة من التقلبات من دون المساس بالأصل. تحقيق جزء محسوب من الأرباح وتحويله إلى سيولة أو عوائد ضمن آلية عادلة تخدم المودعين.
5 – التجربة العالمية
الممارسة العالمية في إدارة إحتياطات الذهب لدى المصارف المركزية لا تقتصر على الشراء فقط، بل تشمل أيضاً البيع التكتيكي وإعادة التوازن وإدارة المخاطر ضمن قواعد مهنية واضحة. فحتى في سنوات الشراء الصافي المرتفع عالمياً، أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أنّ بعض المصارف المركزية قامت بعمليات بيع «تكتيكية ومحدودة» كجزء من الإدارة النشطة للإحتياطي، لا كخيار تصفية أو تفريط.
من الأمثلة الحديثة :
– المصرف المركزي الفلبيني الذي أكّد أنّ مبيعاته بين آذار/مارس وآب/أغسطس 2024 (نحو 30 طناً) جاءت ضمن إستراتيجية إدارة نشطة للإستفادة من إرتفاع الأسعار.
– مصرف كازاخستان الوطني نفّذ مبيعات شهرية خلال العام 2024 على خلفية تحسّن الأسعار.
– المصرف المركزي الروسي باع جزءاً من إحتياطه في كانون الثاني/يناير 2026 مستفيداً من بلوغ الذهب مستويات قياسية.
وعليه، فإنّ النقاش في لبنان لا يجب أن يكون بين «البيع» و«المنع المطلق»، بل بين تجميد أصل سيادي أسعاره متقلّبة وإدارته مهنياً ضمن سقوف قانونية صارمة، وشفافية كاملة، وآليات تحوّط وحوكمة تحمي المصلحة الوطنية وحقوق المودعين.
6 – الإدارة المهنية لإحتياطي الذهب
في كل دورة صعود، ترتفع التوقعات سريعاً: اليوم يُقال 6000 $، وغداً 7000 $. وعند أول هبوط، يتحوّل الخطاب نفسه إلى خوفٍ مفرط. هذه ردود فعل بشرية مفهومة، لكنها لا تصلح أساساً لسياسات وطنية. هل ذهب لبنان محمي أم متروك لتقلّبات السوق؟
من المفيد، عند البحث في هذا الموضوع، التفكير بمقاربة تفصل بين شقّين واضحين:
– شق إحتياطي محمي بالكامل يُصان كركيزة سيادية.
– وشق محدود ومدروس يُدار ضمن إطار مهني صارم لحماية القيمة وتحقيق منفعة تدريجية تصب في خدمة المودعين والإقتصاد.
وهنا تحديداً، تكون المعادلة الصحيحة: لا بيع عشوائياً، ولا شللاً كاملاً، بل إدارة مهنية مسؤولة.
7 – الذهب ودوره في الحلول
إذا تقرّر إدخال الذهب ضمن أي حل، فالمعادلة الواقعية تفرض خطوات واضحة منذ البداية:
– إحتساب سيناريوهات تصحيح بحسب تاريخ تقلب سعر الذهب (30 % و40 % و50 % ) قبل بناء الأرقام، لا بعد وقوع التصحيح.
– حماية الأرباح بأدوات تحوُّط واضحة وضمن حوكمة شفافة.
– تخصيص جزء من الأرباح أو العوائد، عند تحققها، لمسار يخدم المودعين ضمن آلية قابلة للتنفيذ.
– تكليف إختصاصيين دوليين في إدارة التحوُّط وإعادة التمركز، ضمن رقابة ومعايير مهنية واضحة.
وختم د. فادي خلف قائلاً: «لا شك في أن الذهب ثروة وطنية يجب أن تُدار، والتاريخ واضح: الذهب يصعد ثم يُصحّح وقد يطول إنتظار إستعادة القمم، لذلك، إن حماية أرباح الذهب ضرورة لا بد منها كي لا نضيف، مرة أخرى، فرصة ضائعة إلى تاريخنا».
لم يكن مؤشّر التضخّم السنوي، في لبنان، بأفضل حالاته خلال الربع الأوّل من السنة الراهنة (2026)، فحتّى أواخر كانون الثاني/يناير، كان مؤشّر أسعار المستهلك قد سجّل زيادة سنويّة قاربت حدود 11 % ، ما يمكن إعتباره نسبة مرتفعة ومؤلمة معيشياً، إذا ما أخذنا في الإعتبار ثبات سعر الصرف منذ نحو ثلاث سنوات. فإرتفاع الأسعار بالليرة اللبنانيّة بهذا القدر، رغم الإستقرار النقديّ، أشّر إلى زيادة كلفة الإستهلاك بالعملة المحليّة والدولار على حدٍ سواء، وهذا ما أدّى إلى تآكل القدرة الشرائيّة لجميع الأجور، بما فيها تلك المقوّمة بالعملة الأجنبيّة، أو تلك التي تمّ تصحيحها بالليرة بعد حصول الأزمة.
إلاّ أنّ الحرب الراهنة ستزيد من ثقل هذا العبء المعيشي، نظراً إلى تأثيرها على الضغوط التضخّمية من نواح عدّة، فالبُعد الأوّل التضخُّمي يرتبط بإرتفاع كلفة المحروقات، ربطاً بزيادة سعر برميل النفط في الأسواق العالميّة، وهو ما سيؤثّر على أسعار مختلف أبواب الإنفاق محليًّا. كما ثمّة أبعاد تضخُّميّة أخرى ترتبط بأسعار الإيجارات والسكن، جرّاء أزمة النزوح، وأسعار المواد الغذائيّة، بفعل إرتفاع كلفة الشحن وتراجع الإنتاج المحلّي في المناطق المنكوبة. وتأثير كل بُعد تضخّمي، يرتبط بنسبته من سلّة إستهلاك الأسر اللبنانيّة، كما يظهر في أرقام مؤشّر أسعار المستهلك الذي تُعده إدارة الإحصاء المركزي.
أسعار النفط وكلفة المحروقات
وفق الكاتب علي نور الدين – «المدن»، كان سعر برميل النفط الخام (برنت) قد إرتفع ليتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل، أي ما يشكّل زيادة بنسبة 40 % ، مقارنة بأسعار ما قبل الحرب. ورغم كل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي حاولت تهدئة مخاوف الأسواق العالميّة، ما زالت أسعار النفط تشهد إضطرابات يوميّة على وقع أخبار وقف إنتاج وشحن النفط في منطقة الخليج العربي. علماً أنّ جميع المحاولات الأميركيّة لم تفلح حتّى اللحظة في ضبط منطقة مضيق هرمز، وتأمين شحن النفط في تلك المنطقة، ولا في تحييد منشآت إستخراج وإنتاج وتكرير النفط في الدول العربيّة عن الضربات الإيرانيّة. وبهذا المعنى، ستظل مسألة أسعار النفط عاملاً ضاغطاً على جميع اقتصادات العالم، حتّى نهاية الحرب.
قبل حصول التصعيد الأخير، كانت كلفة التنقّل في لبنان، التي تعكس تحوّلات أسعار النفط، قد سجّلت إنخفاضًا سنوياً لغاية كانون الثاني/يناير بنسبة 0.71 % ، ويُتوقّع حتماً أن تشهد هذه النسبة زيادة كبيرة، بالتناسب مع الزيادة في أسعار النفط العالميّة. أمّا تأثير هذه الزيادة تحديداً على نسبة التضخّم الإجماليّة، فترتبط بحصّة كلفة التنقّل من سلّة الاستهلاك الإجماليّة لكل أسرة، وهي تقارب حاليّا مستوى 13.1 % . وبهذا الشكل، من البديهي أن ترتفع نسبة التضخّم الإجماليّة بنسبة تراوح بين 4 و5 % ، إذا واظبت أسعار النفط على تسجيل إرتفاعات تتجاوز 40 % مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
في المحصّلة، يقع المواطن اللبناني ضحية الضغوط التضخّمية نتيجة المزيد من الإرتفاعات في معدّلات الفقر، جرّاء عجز الأسر عن تأمين المستلزمات الأساسيّة (السكن، المواد الغذائية الضرورية، النقل، الطبابة، التأمين وسائر مستلزمات العيش). كما ستُضاف هذه الضغوط إلى النتائج الأخرى التي ستتركها الحرب، مثل إرتفاع معدّلات البطالة وتراجع النشاط الإقتصادي وإنخفاض مستوى الإنتاج. وجميع هذه التطوّرات، ستؤدّي في النهاية إلى تعميق الفجوات الإجتماعيّة القائمة أصلاً، وهذا ما يفرض البحث عن السياسات العامّة المطلوبة للإستجابة لهذه الأزمة.
يُواجه لبنان منذ سنوات عدّة تضخُّماً هائلاً، إذ يشلّ الإقتصاد ويُؤخّر نسبة العيش، فما هي التوقُّعات والمؤشّرات لعام 2026؟
إنّ التضخُّم الذي يُواجه لبنان راهناً، يرتبط بأمرَين مختلفَين: الأول، التضخُّم الداخلي الذي يرتبط بزيادة الأسعار وكلف الإنتاج على الساحة المحلية، والثاني، يرتبط بالتضخُّم الدولي وتراجع قيمة العملات، والأجواء الحربية والجيوسياسية وعدم إستقرار الأسواق.
نبدأ بالحديث عن التضخُّم الدولي الذي يتزايد سنة بعد أخرى، ويرتبط مباشرة بتقلُّبات الأسعار النفطية والغازية، وبإقتصاد الحرب في ظل تفاقم الحروب الدولية: فهذه السنة الخامسة توالياً للحرب الروسية – الأوكرانية، التي هي وكالة للحرب الأميركية – الأوروبية ضدّ روسيا، وأيضاً تغيُّرات كبيرة في فنزويلا مع وضع اليد الأميركية على النفط والغاز هناك، كذلك حرب باكستان مع أفغانستان، وحروب متفرّقة في إفريقيا، أبرزها في السودان ومالي والكونغو والصومال وغيرها.
فإقتصاد الحرب يزيد الإنفاق لصناعة السلاح، أسعار المعادن، وتكاليف الإنتاج والنقد والتأمين، ويدفع إلى إرتفاع أسعار البضائع والخدمات، وأيضاً تقلُّبات الأسعار الغازية والنفطية التي تؤدّي إلى زيادة الأسعار الأساسية وزيادة التضخُّم.
أمّا الحرب الجديدة بين الولايات المتحدة، إسرائيل وإيران، فستكون لها تداعيات كبيرة ليس فقط تضخُّمية لكن أيضاً من خلال نقل البضائع عبر مضيق هرمز الذي يُعتبَر الأهم في التجارة الدولية، ويمرّ فيه أكثر من 20 % من الفيول الدولي، ويكوّن موقعاً إستراتيجياً للغاز الطبيعي المسال.
فإقتصاد الحرب يشلّ الإستثمارات والحركة الإقتصادية والتجارية، ويزيد على نحو أكثر التضخُّم الدولي، ممّا يؤدّي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين.
أمّا في لبنان، وهو بلد مستورِد بامتياز، فيدفع ثمناً باهظاً ومباشراً للتضخُّم الدولي الذي يرفع الأسعار. أمّا بالنسبة إلى التضخُّم المحلي الداخلي، فنذكّر أنّه في العام 2024، وصل التضخُّم إلى نسبة 45,2 % ، وذلك جرّاء إنهيار العملة الوطنية وتقلُّبات أسعار الصرف والسوق السوداء، ما أدّى إلى إنهيار نسبة العيش وزيادة نسبة الفقر إلى قمم لم نعرفها قبلاً.
أمّا في العام 2025، فقد استقرّت نسبة التضخُّم على 14,8 % ، جرّاء تثبيت سعر الصرف على 89 ألفاً و500 ليرة، وتحويل الإقتصاد اللبناني إلى مُدَولَر. لكنّ هذه الأرقام مخيفة، لأنّها تسمّى بالـ Double Digit، وهذا يعني رقمَين للتضخُّم، ولها إرتدادات مباشرة على مداخيل الأُسر، إستثماراتهم، إنفاقهم، ونسبة عيشهم.
وفي العام 2026، دلّت المؤشّرات إلى إمكانية الوصول لتضخُّم بنسبة 10,8 % أو ما يقارب 11 % ، حسب المراصد الدولية، لكن بعد القرار العشوائي بزيادة صفيحة البنزين 300 ألف ليرة (زيادة بنسبة 25 % )، و1 % على ضريبة القيمة المضافة، فستزداد مباشرة نسبة التضخُّم بنحو 5 % . فنسب التضخُّم المتوقّعة في العام 2026 ستُقارب الـ20 % ، ممّا سيؤثر مباشرة على كل الأسعار الأساسية والتكاليف المعيشية، وتؤخّر الإستهلاك وتُضعف على نحو أكثر الطبقات الوسطى، ويُمكن أن تؤدّي إلى أزمات إجتماعية لم نشهدها قبلاً.
والكارثة الأكبر، هي أنّ زيادة هذه الضرائب والتضخُّم، هي لتمويل القطاع الأقل إنتاجية في البلاد، والمسؤول المباشر وغير المباشر عن أكبر أزمة مالية – نقدية في التاريخ، فعوضاً عن وضع الإصبع على الجرح، وإعادة الهيكلة الداخلية قبل أي زيادة وهمية، إختار المسؤولون الطريق الأسهل لهم، وهو الأصعب للشعب والإقتصاد الذي يؤدي إلى زيادة التضخُّم، شلّ الإستثمارات وتراجع الإنماء.
في المحصّلة، إنّ لبنان واللبنانيِّين يُواجهون تضخُّماً مفرطاً، سيُؤثر مباشرةً على الإنماء الإقتصادي، الإستثمارات، الإستهلاك وخصوصاً على نسب العيش. إنّ الإختباء وراء الأصبع لتأمين إيرادات الدولة على المدى القصير سيتبخّر سريعاً، لأنّ هذه الزيادة الوهمية للرواتب ستخلق تضخُّماً هائلاً، فما يُعطى بيَد سيؤخذ أضعافاً في اليد الأخرى.
تُشكّل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في أفريقيا والمنطقة العربية، العمود الفقري للنمو الإقتصادي، وتوليد فرص العمل، ودفع مسارات التحول الهيكلي. ففي أفريقيا وحدها، ينضم سنوياً ما بين 8 ملايين و11 مليون شاب إلى سوق العمل، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف النظامية مدفوعة الأجر التي تُستحدث كل عام نحو 3 ملايين وظيفة فقط. ومن ثمّ، فإن قدرة الإقتصادات على إستيعاب هذا الضغط الديموغرافي المتزايد تظلّ رهناً، إلى حدّ كبير، بقدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على النمو وتعزيز إنتاجيتها.
ورغم هذه الأهمية المحورية، لا تزال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعاني نقصاً مزمناً في التمويل. ففي الإقتصادات الأفريقية والعربية، لا يحصل سوى أقل من شركة واحدة من كل خمس شركات على قرض مصرفي أو تسهيل إئتماني، وحتى عندما يُتاح التمويل، فإنه غالباً ما يُمنح بتكلفة لا تتناسب مع متطلّبات الإستثمار طويل الأجل. ففي العديد من الأسواق الأفريقية، تتجاوز أسعار الفائدة على تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نسبة 20 % ، مقارنة بمعدّلات من رقم واحد في بعض الإقتصادات الآسيوية الناشئة. وعند هذه المستويات المرتفعة من تكلفة رأس المال، تجد الشركات صعوبة بالغة في الإستثمار في التكنولوجيا، أو توسيع عملياتها، أو الإنتقال إلى حلقات أعلى قيمة ضمن سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
وتُظهر نتائج مسح مشترك شمل 52 مؤسسة مالية، أجرته كلٌّ من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، وإتحاد المصارف العربية، وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، ومؤسسة التمويل الإفريقية (AFC)، أن هذه الفجوة لا تعود فقط إلى محدودية السيولة، بل ترتبط أيضاً بعوائق هيكلية مستمرة، في مقدّمها ضعف الضمانات المتاحة، ومحدودية الشفافية المالية، وعدم تطوُّر نظم المعلومات الإئتمانية على النحو الكافي (الشكل 1).
وما يزيد هذا الواقع دلالةً هو أنه يتكشّف في وقت يشهد فيه العالم وفرة غير مسبوقة في السيولة المالية. فبحسب مؤشر تطور التمويل الإسلامي لعام 2025، بلغت أصول التمويل الإسلامي على مستوى العالم نحو 5.9 تريليونات دولار في العام 2024، مسجلةً نمواً سنويًا تجاوز 20 % ، مع توقعات بإرتفاعها إلى نحو 9.7 تريليونات دولار في حلول العام 2029. ويغطي التمويل الإسلامي اليوم أكثر من140 دولة، بما يُرسّخ مكانته كأحد أسرع مكونات النظام المالي العالمي نمواً 1.
غير أنّ هذا الإتساع الكمّي لم ينعكس بالقدر الكافي على تمويل الإستثمار المنتج. فمعظم أصول التمويل الإسلامي لا تزال متمركزة في الودائع والأدوات منخفضة المخاطر، بدلاً من توجيهها نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد القيمة المضافة وخلق فرص العمل. ومن ثمّ، فإن الإشكالية لا تتمثل في ندرة رأس المال، بقدر ما تكمن في إختلال هيكلي واضح: السيولة متوافرة، لكن قنوات توظيفها في الاقتصاد الحقيقي لا تزال محدودة وغير فعّالة بالقدر المطلوب.
التمويل الإسلامي: إمكانات هيكلية واعدة وتحدّيات تطبيقية قائمة
من حيث المبدأ، يمتلك التمويل الإسلامي من المقوّمات ما يجعله مؤهّلاً بصورة فريدة للإستجابة لهذا التحدّي. فإعتماده على المعاملات المرتبطة بأصول حقيقية، وعلى مبدأ تقاسم الأرباح والخسائر، فضلاً عن إرتباطه الوثيق بالإقتصاد الحقيقي، يجعله أكثر إنسجاماً مع الإحتياجات التمويلية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما أنّ مقاصد الشريعة الإسلامية تُعلي من شأن النشاط الإقتصادي المنتج، وتقاسم المخاطر، وتعظيم القيمة الإجتماعية، وهي جميعها مبادئ تتقاطع بصورة واضحة مع أهداف النمو الشامل والتنمية المستدامة.
عملياً، لا تزال هذه الإمكانات الواعدة دون مستوى التفعيل المأمول. فالقطاع المصرفي الإسلامي يستأثر بما يقارب 70 % إلى 75 % من إجمالي أصول التمويل الإسلامي، كما تجاوزت القيمة القائمة للصكوك على المستوى العالمي تريليون دولار. ومع ذلك، لا يزال تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يشكّل حصة متواضعة من هذه المحافظ. ولا يُعزى ذلك إلى نقص في توافر الموارد أو الأدوات التمويلية، بل إلى إستمرار مخاطر التنفيذ2 وما تفرضه من إعتبارات تُحدُّ من توجيه التمويل نحو هذا القطاع الحيوي.
وتتطلب أدوات تقاسم المخاطر منظومة متكاملة تقوم على تقييم مهني دقيق للمشروعات، وتقديرات موثوقة للتدفقات النقدية المستقبلية، وحوكمة مؤسسية راسخة. وعندما تفتقر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى الجاهزية الإستثمارية الكافية، قد يتحوَّل تقاسم المخاطر من أداة لتخفيف الانكشاف إلى عامل يزيد من حدّته.
وفي المقابل، تميل المتطلّبات الرقابية المتعلقة برأس المال، ونماذج إدارة المخاطر الداخلية، وتوقُّعات الجهات الإشرافية، إلى تفضيل الأصول المعيارية الأقل مخاطرة. ومن ثمّ، تجد المؤسسات المالية الإسلامية نفسها، شأنها شأن المؤسسات التقليدية، تميل بصورة طبيعية إلى توجيه السيولة نحو أدوات أكثر أماناً وأقل تعقيداً، حتى عندما تدعو الأهداف التنموية إلى توسيع مساهمتها في تمويل الاقتصاد الحقيقي.
ردم الفجوة التمويلية من خلال نموذج IFETAA
إدراكاً من أن وفرة السيولة لا تترجم تلقائياً إلى توسّع في الإقراض، جرى إطلاق برنامج التحوُّل الإقتصادي بقيادة التمويل الإسلامي في إفريقيا والمنطقة العربية وما بعدها (IFETAA) بهدف معالجة الإختلالات الهيكلية التي تحدّ من قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على النفاذ إلى التمويل على نطاق واسع.
ولا يقوم هذا البرنامج على إعتباره أداة تمويلية مباشرة، ولا بديلاً عن القرارات الإئتمانية التي تتخذها المصارف، بل يرتكز على كونه منظومة تمكينية متكاملة تستهدف تقليص المخاطر من جذورها، وتهيئة الظروف المؤسسية والفنية التي تمكّن المؤسسات المالية من توظيف رؤوس الأموال بكفاءة أكبر في خدمة الإقتصاد الحقيقي.
يُجسّد هذا البرنامج تكاملاً مؤسسياً مدروساً بين أطراف تمتلك خبرات متكاملة ومتساندة، إذ تضطلع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) بدور محوري من خلال خبرتها الفنية في تطوير المؤسسات، والإرتقاء بسلاسل القيمة، وتعزيز الجاهزية الإستثمارية.
ويشكّل إتحاد المصارف العربية حلقة الوصل مع الشبكات المصرفية الإقليمية، بما يرسّخ إنخراط القطاع المصرفي العربي في أهداف البرنامج. أما هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، فتوفّر الإسناد المتعلّق بمواءمة البرنامج مع معايير الشريعة والأطر التنظيمية ذات الصلة، فيما تُسهم مؤسسة التمويل الأفريقية (AFC) بخبرتها في الإستثمارات المباشرة، وبناء القدرات، وهيكلة حلول تمويلية وضمانية قابلة للتوسع والاستدامة. ومن خلال شبكات وأعضاء كل من إتحاد المصارف العربية وAAOIFI وAFC، يتمتع برنامج IFETAA بقدرة واسعة على الوصول إلى طيف متنوّع من المؤسسات المالية في العالمين العربي والأفريقي، بما يضمن أن تظل أدواته ومقارباته وثيقة الصلة بالأولويات الإستراتيجية للمصارف وإحتياجاتها العملية.
وفي جوهره، ينطلق برنامج IFETAA من إدراك أساسي مفاده أن تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يتعثّر عندما تُعالَج المخاطر المالية وغير المالية كلٌّ على حدة. فالمصارف قادرة، من حيث المبدأ، على تسعير المخاطر المالية وإدارتها، لكنها غالباً ما تصطدم بمخاطر غير مالية تقع خارج نطاق أدواتها التقليدية، من قبيل ضعف نماذج الأعمال، والقصور التشغيلي، والثغرات في الحوكمة. ومن هذا المنطلق، يقدّم IFETAA مقاربة متكاملة توحّد بين المساعدة الفنية، وتطوير المشاريع القابلة للتمويل، وآليات تقاسم المخاطر ضمن إطار واحد، بما يُحقق مواءمة أوثق بين الحوافز المؤسسية، ويُعزّز فرص توجيه التمويل نحو الاقتصاد الحقيقي بصورة أكثر فعّالية واستدامة.
معالجة التحدّيات المصرفية عبر نموذج متكامل قائم على خمسة محاور
يرتكز النموذج التشغيلي لبرنامج IFETAA على خمسة محاور متكاملة ومتساندة، صُمّم كلٌّ منها للإستجابة بصورة مباشرة للقيود التي تواجهها المؤسسات المالية عند تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ويتمثل المحور الأول في بناء قدرات المؤسسات المالية، من خلال تعزيز ما تمتلكه المصارف من خبرات وإمكانات، ومساندتها في توسيع محافظها من التمويل الإسلامي الموجّه إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ومن خلال برامج مشتركة مع اتحاد المصارف العربية وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، يعمل البرنامج إلى جانب المصارف على تعزيز التوافق مع المعايير الشرعية، وتطوير ممارسات إدارة المخاطر، وإدماج أبعاد الإستدامة ضمن إستراتيجيات تمويل هذا القطاع الحيوي.
أما المحور الثاني، وهو تطوير خط أنابيب المشاريع القابلة للتمويل، فيُعالج أحد أكثر التحدّيات إلحاحاً، والمتمثل في محدودية المشاريع الجاهزة للإستثمار. فمن خلال آليات فرز وتقييم منهجية، تستند إلى معايير فنية ومالية وشرعية موحّدة، يُسهم البرنامج في تكوين قاعدة موثوقة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة القابلة للتمويل، بما يُخفّف من فجوات المعلومات ويحدّ من تكاليف نشأة العمليات التمويلية. كما يدمج هذا المسار، بصورة متزايدة، أدوات رقمية ومقاربات قائمة على البيانات، بما ينسجم مع التحوّل نحو نماذج أكثر كفاءة وذكاء في إستهداف المؤسسات المؤهلة للتمويل.
ويأتي المحور الثالث، المساعدة الفنية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ليعزّز أداء هذه المؤسسات بعد الحصول على التمويل. فكلما تحسّنت الإدارة المالية، وإرتفعت الكفاءة التشغيلية، وتعزّزت الحوكمة على مستوى المؤسسة، تراجعت مخاطر التعثُّر، وإرتفعت جودة المحافظ التمويلية لدى المصارف. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الدعم الفني كعنصر مكمّل، بل كأداة جوهرية لتحسين قابلية المؤسسات للإستمرار والنمو، بما يعود بالنفع على المقترض والمموّل في آن واحد.
أما المحور الرابع، المشورة في السياسات والأطر التنظيمية، فينطلق من حقيقة أساسية مفادها أن تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا تحدّده القرارات الائتمانية وحدها، بل تؤثر فيه البيئة التنظيمية والتشريعية بقدر مماثل. ومن خلال حوار مؤسسي منظم مع الجهات الرقابية وواضعي المعايير، يسعى البرنامج إلى الحدّ من الغموض القانوني، وتعزيز مواءمة الأطر التنظيمية مع أدوات التمويل الإسلامي والتمويل المختلط، بما يهيّئ بيئة أكثر ملاءمة لتوسيع نطاق التمويل الموجّه إلى الإقتصاد الحقيقي.
ويستكمل المحور الخامس، آليات تخفيف المخاطر وتقاسمها، هذه المنظومة، إذ يعمل البرنامج بالتعاون مع مؤسسات الضمان ومؤسسات التمويل التنموي على تصميم حلول لتقاسم المخاطر على مستوى المحافظ والمعاملات. وتُسهم هذه الآليات في تخفيض المخاطر الإئتمانية، والتخفيف من الضغوط المرتبطة برأس المال التنظيمي، من دون الإخلال بالمعايير الإحترازية أو متطلّبات السلامة المصرفية.
وتتجلى القيمة العملية لبرنامج IFETAA بالنسبة إلى المؤسسات المالية في كونه يجعل الإنخراط في تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أكثر سهولة وكفاءة وأقل كلفة. فمن خلال توفير مشاريع جاهزة للإستثمار، وأدوات تقييم موحّدة، وترتيبات منظمة لتقاسم المخاطر، يساعد البرنامج المصارف على توسيع محافظها التمويلية لهذا القطاع من دون المساس بالمعايير الإحترازية. وبهذا المعنى، يُسهم IFETAA في خفض تكاليف النشأة، وتحسين جودة المحافظ، وتمكين المصارف الإسلامية من تعميق إنخراطها في تمويل الإقتصاد الحقيقي ضمن مقاربة منضبطة وقابلة للتوسُّع والإستدامة.
الأهمية الإستراتيجية للمصارف العربية
في مختلف أنحاء المنطقة العربية، تعمل المصارف في بيئة تتسم بوفرة السيولة، وتنامي ميزانيات التمويل الإسلامي، وإرتفاع التوقعات حيال دورها في دعم الإقتصاد الحقيقي. وفي الوقت ذاته، تفرض إستراتيجيات التنويع الإقتصادي، والضغوط الديموغرافية، وأجندات الإستدامة، تركيزاً متزايداً على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بإعتبارها محرّكاً أساسياً للنمو وتعزيز المرونة الإقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل محوري أمام العديد من المصارف: كيف يُمكن تحويل وفرة رأس المال إلى تمويل منتج، دون الإخلال بمتطلّبات الإستقرار المالي على المدى الطويل؟
يأتي برنامج IFETAA إستجابة مباشرة لهذه المرحلة المفصلية، فهو لا يسعى إلى تغيير نماذج عمل المصارف، بل يرتكز على العمل ضمن الأطر التشغيلية القائمة لديها بنهج تدريجي وإنتقائي، مع تركيز واضح على جودة الأصول. ومن خلال تعزيز المنظومة المحيطة بتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، يُسهم البرنامج في جعل الإنخراط في تمويل هذا القطاع أكثر قابلية للتطبيق، وأكثر مصداقية، وأكثر إتساقاً مع التموضع الإستراتيجي طويل الأجل للمصارف في أسواقها.
وتتجلّى القيمة المضافة لبرنامج IFETAA بالنسبة إلى المؤسسات المالية في قدرته على تضييق الفجوة بين النوايا والتطبيق العملي. فمن خلال تطوير بيئة داعمة تشمل إعداد المشاريع، وتعزيز التنسيق المؤسسي، وإرساء آليات فعّالة لتقاسم المخاطر، يتيح البرنامج للمصارف التعامل مع مؤسسات صغيرة ومتوسطة أكثر جاهزية، تعمل ضمن أطر أوضح، ومدعومة بشراكات تقلّص من مستويات عدم اليقين بدلًا من تعقيدها.
وبالنظر إلى المرحلة المقبلة (2026–2027)، سيُركّز برنامجIFETAA على تفعيل شراكاته الإقليمية، وتوسيع نطاق تطوير المشاريع القابلة للتمويل في البلدان ذات الأولوية، وتعزيز العمل على أدوات الضمان الإسلامي وآليات التمويل المختلط. كما سيُعمّق البرنامج إنخراطه مع المصارف العربية والأفريقية من خلال برامج بناء القدرات الموجهة، وأدوات التقييم الرقمية، وتطوير مشاريع وطنية فرعية تهدف إلى تعبئة التمويل الخارجي على نطاق واسع. ومن خلال إتحاد المصارف العربية، يتمتع البرنامج بقدرة واسعة على الوصول إلى طيف متنوّع من المؤسسات المالية في المنطقة، بما يضمن أن تُسهم أدواته ورُؤاه وبرامجه التدريبية بصورة مباشرة في دعم الأولويات الإستراتيجية للمصارف.
للمزيد من المعلومات، يرجى التواصل مع السيد أيمن أحمد، مسؤول أول البرامج، على البريد الإلكتروني:
Islamic Corporation for the Development of the Private Sector “Islamic Finance Development Report 2025” <ICD – LSEG Islamic Finance Development Report 2025 > accessed 25.02.2026
Islamic Corporation for the Development of the Private Sector “Islamic Finance Development Report 2025” <ICD – LSEG Islamic Finance Development Report 2025 > accessed 25.02.2026
تعزيز إتخاذ قرارات الإستثمار المستدام في المصارف العربية
بإستخدام أداة COMFAR 4
يشهد المشهد المالي العالمي تحوّلاً عميقاً، تتجلّى ملامحه في تصاعد حالة عدم اليقين الإقتصادي، وتفاقم التشرذم الجيوسياسي، وتسارع الإضطرابات التكنولوجية، وتنامي تحدّيات الإستدامة. ووفق تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الإقتصادي العالمي، تُعدّ المواجهات الجيو-إقتصادية، وتقلُّبات الأسواق، وتزايد مخاطر إستدامة الديون، وفقاعات الأصول، من أبرز التهديدات التي تُهدّد إستقرار النظام المالي العالمي. ولا تنفصل هذه المخاطر عن القطاع المصرفي، بل تنعكس مباشرة على جودة الإئتمان، وأداء الإستثمارات، وقدرة المؤسسات المالية على تحقيق الصمود والإستدامة على المدى الطويل.
في الوقت ذاته، تواجه الدول النامية فجوة سنوية في تمويل التنمية المستدامة تُقدَّر بنحو 4 تريليونات دولار، ما يُبرز الحاجة الملحّة إلى تحسين كفاءة تخصيص رؤوس الأموال والارتقاء بجودة تقييم المشاريع1.
وفي ظلّ هذا السياق المتحوّل، باتت جودة دراسات الجدوى عنصراً حاسماً في دعم إتخاذ القرارات المصرفية الرشيدة، وتعزيز إدارة المخاطر، وضمان إستدامة الإستثمارات على المدى الطويل.
مواءمة دراسات الجدوى مع التحول الإقتصادي نحو التنمية المستدامة
تؤدي المصارف العربية دوراً متنامي الأهمية في تمويل التحوّل الإقتصادي في مختلف أنحاء المنطقة. ومع تسارع توجُّه الإقتصادات العربية نحو التنويع الإقتصادي، وتوسيع الإعتماد على الطاقة المتجدّدة، وتعزيز التنمية الصناعية، ودفع مسارات التحول الرقمي، تجد المؤسسات المالية نفسها أمام تحدّي تقييم فرص إستثمارية معقّدة، بالتوازي مع إدارة المخاطر المالية وضمان الإستدامة على المدى الطويل.
وفي هذا السياق المتحوّل، أصبحت جودة وكفاءة دراسات الجدوى عنصراً محورياً في دعم إتخاذ القرارات المصرفية السليمة، كما أضحت دراسات الجدوى المتينة أداة أساسية لتعزيز قرارات الإستثمار وإدارة المخاطر المالية بكفاءة وإحترافية.
تزداد الحاجة إلى تطوير قدرات تحليل الإستثمار وتعزيزها في ضوء التقييمات العالمية والإقليمية الحديثة. فوفق تقرير مؤشر أهداف التنمية المستدامة ولوحات المتابعة في المنطقة العربية لعام 2026، سجّلت المنطقة العربية معدلاً إجمالياً بلغ 60.6 على مؤشّر أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يعكس تقدماً محدوداً لا يزال دونه الكثير، في ظل فجوات هيكلية عميقة تعوّق بلوغ الأهداف المنشودة2 .
ويؤكد هذا الواقع أن المنطقة لا تزال بحاجة إلى تدفقات إستثمارية كبيرة وموجّهة بكفاءة نحو قطاعات إستراتيجية أساسية، وفي مقدّمها البنية التحتية، والطاقة المتجدّدة، وإدارة المياه، والتنمية الصناعية. كما يلفت التقرير إلى أن نحو 85 % من مؤشّرات أهداف التنمية المستدامة في الدول العربية لا تزال تواجه تحدّيات كبيرة أو جوهرية، مما يبرز حجم الضغوط التنموية القائمة، ويعكس في الوقت نفسه الحاجة الملحّة إلى قرارات استثمارية أكثر دقة وفعّالية، تستند إلى دراسات جدوى رصينة وقادرة على توجيه التمويل نحو مشاريع ذات أثر إقتصادي وتنموي مستدام.
وفي هذا السياق، تُبرز المعطيات الدولية بما لا يدع مجالًا للشك الأهمية الحاسمة لتحليل الجدوى في تحسين جودة القرارات الاستثمارية ورفع فرص نجاح المشاريع. فقد أظهرت الدراسات أن نحو 25 % من المشاريع الإستثمارية تتعثّر أو تفشل نتيجة ضعف دراسات الجدوى، فيما تبيّن أن أكثر من 71 % من المشاريع المتوقّفة أو المتعثّرة قد نُفذت من دون تقييم جدوى مهني وسليم. وتؤكد هذه الأرقام أن الإعتماد على أدوات منهجية دقيقة في تحليل الجدوى لم يعد خياراً تقنيًا ثانوياً، بل أصبح ضرورة إستراتيجية للحدّ من المخاطر المالية، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، وتعزيز فعّالية التقييم الإئتماني، ولا سيما لدى المصارف التي تموّل مشاريع كبرى في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة.
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، رسّخت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) مكانة برنامج COMFAR أي النموذج الحاسوبي لتحليل الجدوى وإعداد التقارير، كإحدى أكثر الأدوات الدولية موثوقية وإعتماداً في مجال تقييم الجدوى الإستثمارية والمالية.
ويتميّز هذا البرنامج بكونه التطبيق الوحيد المرخّص من قبل الأمم المتحدة في هذا المجال، ما يمنحه مصداقية عالية ومنهجية معيارية متينة أسهمت في دعم قرارات الإستثمار في مختلف أنحاء العالم. وقد مكّن COMFAR العديد من المؤسسات من الإنتقال بالمشاريع من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الصياغة الاحترافية، لتصبح مشاريع قابلة للتمويل وجاهزة لإستقطاب الإستثمار.
ومع إطلاق COMFAR 4، تقدم اليونيدو جيلاً جديداً ومتطوراً من هذه الأداة الرائدة، من خلال منصة إلكترونية حديثة قائمة على الويب، صُمّمت للإستجابة لمتطلّبات البيئات الإستثمارية الجديدة وما تنطوي عليه من تعقيدات وتحديات متزايدة. وتستهدف هذه المنصّة القطاعين العام والخاص، بما في ذلك القطاع المصرفي، بما يتيح للمؤسسات المالية تحسين جودة تحليل المشاريع، وترشيد قراراتها التمويلية، وتعزيز قدرتها على المواءمة بين الجدوى الإقتصادية، ومعايير الإستدامة، وأولويات إدارة المخاطر3.
في هذا السياق، تُبرز منصة خدمات الترويج الرقمي للإستثمار (DIPS) التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) الأهمية الإستراتيجية للأدوات الرقمية والمنهجيات المنظّمة في الإرتقاء بعمليات إعداد المشاريع الإستثمارية، وتقييمها، وتعزيز جاهزيتها للتمويل. كما تؤكد أن المرحلة الراهنة تفرض تجاوز المقاربات التقليدية العامة في الترويج للإستثمار الأجنبي المباشر، إذ لم تعد هذه الأساليب كافية للإستجابة لتعقيدات الأسواق وتباين أولويات المستثمرين. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى إعتماد إستراتيجيات أكثر تخصيصاً وملاءمة لخصوصيات مستثمري دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية، بما يُسهم في تعظيم فرص إستقطاب الإستثمار، ورفع مستوى التفاعل معه، وتحقيق نتائج أكثر فعّالية وإستدامة4.
تهدف هذه المنصّات الرقمية إلى الإرتقاء بجودة المشاريع، وتعزيز الشفافية، وترسيخ ثقة المستثمرين، من خلال تمكين المؤسسات المالية والأطراف المعنية بالإستثمار من إجراء تحليلات جدوى بكفاءة وإحترافية أعلى. ويُعدّ COMFAR 4 إحدى الأدوات المحورية في هذه المنظومة، إذ يتيح للمصارف تقييم الجدوى الإقتصادية والمالية للمشاريع بمختلف العملات الأجنبية، بالإستناد إلى نماذج مالية شاملة، وتوقعات دقيقة للتدفقات النقدية، وتحليلات متقدّمة للحساسية والمخاطر. ومن خلال تحسين موثوقية دراسات الجدوى، يُسهم COMFAR 4 في تعزيز متانة المنظومة الإستثمارية ودعم التخصيص الكفؤ لرؤوس الأموال.
كما أن تصميم التطبيق القائم على الحوسبة السحابية يُوفّر للخبراء والمحللين ومسؤولي الإئتمان وفرق إدارة المخاطر إمكانية الوصول إلى أعمالهم من أي جهاز ومن خلال مختلف أنظمة التشغيل، بما يُواكب الطبيعة المتزايدة المرونة والتوزع في عمل القطاع المالي. ويمتاز COMFAR 4 كذلك بقدرته على دعم إعداد وتقييم ودراسة المشاريع الإستثمارية في مختلف القطاعات، بما فيها الصناعة، والبنية التحتية، والطاقة، والزراعة، والتعدين، والسياحة، والمشاريع البيئية. كما أن طابعه العابر للقطاعات يمنح المصارف أداة موحّدة ومعترفاً بها دولياً لتقييم طيف واسع من الفرص الإستثمارية ضمن إطار تحليلي متسق وموثوق.
على الصعيد العالمي، أثبت COMFAR إنتشاراً واسعاً ومصداقية عالية، حيث يضمّ أكثر من 11,000 مستخدم في أكثر من 160 دولة، وهو متاح بــ19 لغة. ويعتمد عليه طيف واسع من الجهات، تشمل المصارف، والحكومات، ومنظّمات الأمم المتحدة، والشركات الخاصة، وهيئات ترويج الإستثمار، بهدف تعزيز جودة تحليل الجدوى وتحسين كفاءة إتخاذ القرارات الإستثمارية5.
ويتميز COMFAR 4 كذلك بتوافقه مع معايير المحاسبة الدولية (IFRS) المعترف بها عالميًا، بما في ذلك مراعاته لمبادئ التمويل الإسلامي، وهو ما يمنحه أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسات المصرفية في الدول العربية، ويعزز قدرته على تلبية متطلبات الأطر التنظيمية والمالية في المنطقة.
يشير تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الإقتصادي العالمي، والمستند إلى إستبيان تصوّرات المخاطر العالمية (GRPS) للفترة2025 – 2026 6، إلى أن ديون الحكومات والشركات تمثّل أحد أبرز المخاطر العالمية، والتي يُمكن التخفيف من حدّتها من خلال إعتماد أدوات مالية مناسبة وإدارة مالية رشيدة. ويُبرز هذا الإستنتاج المسؤولية المتزايدة للمؤسسات المالية في تعزيز قدراتها التحليلية وتطوير أطر تقييم الإستثمار لديها.
وفي هذا الإطار، تمكّن أداة COMFAR 4 المصارف من الإرتقاء بقدرتها على تقييم إستدامة الإستثمارات على المدى الطويل، وتحليل القدرة على السداد، وقياس مستويات التعرض للمخاطر، بما يضمن بقاء المشاريع المموّلة قابلة للتمويل مصرفياً وقادرة على الصمود في ظلّ بيئة إقتصادية متغيّرة ومتقلّبة.
أبرز المخاطر التي تعالجها الأدوات المالية (مثل التأمين، وسندات الكوارث، وآليات تجمّع المخاطر العامة) خلال الفترة 2026–2036 الشكل 41:« ما هي المقاربات التي تتوقع أن يكون لها أكبر أثر في تعزيز الحدّ من المخاطر وتعزيز الجاهزية خلال السنوات العشر المقبلة؟».
يُمكّن COMFAR 4 المصارف من إجراء نمذجة مالية متقدمة ودقيقة، تشمل تحليل التدفقات النقدية على المدى الطويل، وتقييم الربحية، وإجراء إختبارات الحساسية ضمن سيناريوهات اقتصادية متعدّدة، بما يعزّز قدرتها على تقييم المخاطر الإئتمانية وضمان الإستدامة المالية للمشاريع.
ولا تقتصر قيمة COMFAR 4 على الجانب التكنولوجي فحسب، بل يدعمه أيضاً برنامج متكامل من التدريب وبناء القدرات تقدّمه منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، والذي مكّن آلاف المتخصّصين حول العالم من تطوير خبراتهم في مجالات التحليل المالي وتقييم المشاريع. وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة بالنسبة إلى المصارف والجهات الرقابية المالية الساعية إلى تعزيز قدراتها التحليلية الداخلية، وتوحيد منهجيات التقييم المالي، والإرتقاء باتساق وجودة عمليات تقييم الاستثمارات.
في المحصّلة، تتمتع المصارف العربية بموقع فريد يؤهلها للإضطلاع بدور تحويلي في تمويل التنمية الإقتصادية ودعم النمو المستدام في المنطقة. غير أن تحقيق هذا الدور يتطلب إعتماد أدوات متقدمة لتحليل الجدوى، قادرة على دعم اتخاذ القرارات المالية الرشيدة وتعزيز فعّالية إدارة المخاطر. وفي هذا الإطار، يوفّر COMFAR 4، بصفته تطبيقاً رقمياً متطوراً قائماً على الويب ومطوّراً من قبل الأمم المتحدة، أداة موثوقة عالمياً تُسهم في تحسين تقييم الإستثمارات، والحد من المخاطر المالية، وتعزيز مصداقية المشاريع الإستثمارية.
ومن خلال دمج COMFAR 4 ضمن أطر الإستثمار والائتمان، يُمكن للمصارف العربية تعزيز إستقرارها المالي، ودعم مسارات التنمية المستدامة، وترسيخ موقعها كمحرّك رئيسي للتحوُّل الإقتصادي في المنطقة العربية وخارجها.
للمزيد من المعلومات حول التدريب وإمكانية الوصول إلى تطبيق COMFAR 4، يُرجى التواصل مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) عبر البريد الإلكتروني:
أبرز المخاطر التي تعالجها الأدوات المالية (مثل التأمين، وسندات الكوارث، وآليات تجمّع المخاطر العامة) خلال الفترة 2026–2036 الشكل 41: «ما هي المقاربات التي تتوقع أن يكون لها أكبر أثر في تعزيز الحدّ من المخاطر وتعزيز الجاهزية خلال السنوات العشر المقبلة؟»7.
مقارنة مصر الرقمية وإستراتيجيات الذكاء الإصطناعي مع دول الخليج
مصر تتحوّل الى مركز رائد للذكاء الإصطناعي في العام 2030
تتسابق الدول العربية، وفي طليعتها مصر، في وضع إستراتيجياتها الرقمية وإستخدام الذكاء الإصطناعي لدفع عجلة التنمية الإقتصادية والإجتماعية ولمواجهة التحدّيات الجيوسياسية المتزايدة على الصعيد العالمي. وتُساهم مبادرة مصر الرقمية والإستراتيجية الوطنية للذكاء الإصطناعي في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للذكاء الإصطناعي في حلول العام 2030، وذلك مقارنةً مع إستراتيجيات دول الخليج وبفضل تعزيز تعاون مصر مع عمالقة تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي، مما يقدّم للدول العربية نموذجاً للتحوُّل الرقمي وتسخير الذكاء الإصطناعي للتنمية المستدامة ولمواجهة التحديات الجيوسياسية.
وعليه، يسلّط إتحاد المصارف العربية الضوء على الدور الرائد الذي تلعبه مصر في مجال الذكاء الإصطناعي.
مبادرة مصر الرقمية
يُتوقع أن تشهد مصر تحوُّلاً رقمياً جذرياً في حلول العام 2026، مدفوعاً برؤية مصر 2030 ومبادرة «مصر الرقمية» التي أطلقتها وزارة الإتصالات وتقنية المعلومات المصرية، تماشياً مع رؤية مصر 2030. وقد بلغت الإستثمارات الحكومية 13 مليار جنيه مصري في قطاع الإتصالات وتقنية المعلومات. وقد تم إنشاء صندوق «مصر الرقمية» لدعم التحوُّل الرقمي وتعزيز البنية التحتية الرقمية للبلاد وإطلاق فعّاليات التوأم الرقمي المصري Egypt Digital Twin 2026 التي تهدف إلى تسريع تبنّي تقنيات الذكاء الإصطناعي في المدن الذكية والبنية التحتية. وتهدف مبادرة مصر الرقمية إلى بناء إقتصاد رقمي قوي، وتعزيز الخدمات الحكومية، وتحسين التجربة الرقمية الشاملة للمواطنين والشركات في مصر.
وترتكز إستراتيجية «مصر الرقمية» على ثلاثة محاور رئيسية هي: التحوُّل الرقمي، وتطوير المهارات الرقمية، والإبتكار الرقمي. وبذلك، تسعى الحكومة إلى تحديث الخدمات العامة، وجعلها أسرع وأكثر سهولة في الوصول إليها، وإنشاء بيئة قائمة على البيانات تدعم الكفاءة والشفافية. ويشمل ذلك رقمنة الخدمات الحكومية، وتوسيع منصّات الحكومة الإلكترونية، وتعزيز الإبتكار في التقنيات الناشئة لضمان تنافسية مصر في الإقتصاد الرقمي العالمي.
بوابة مصر الرقمية هي المنصّة المركزية التي تُمكّن المواطنين من الوصول إلى الخدمات الحكومية إلكترونياً، إذ تجمع مئات الخدمات، مثل السجل المدني، ورخص المرور، وتوثيق العقارات، والإجراءات القضائية، في واجهة رقمية موحّدة. ومن خلال رقمنة هذه الخدمات، تُقلّل البوّابة من البيروقراطية، وتوفّر الوقت، وتُعزّز الشفافية، كما تضمن الشمولية من خلال إتاحة الخدمات لجميع المواطنين في مصر.
وتهدف مبادرة رواد مصر الرقمية Digital Egypt Pioneers Initiative (DEPI)، التي أطلقتها وزارة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى بناء جيل رائد من القادة في مجال تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، وتوفّر تدريباً في التقنيات المتقدّمة، وورش عمل تطبيقية، وفرصاً للتطوير المهني بالتعاون مع شركات تقنية عالمية ومحلية. كما تشجع المبادرة العمل الحر وريادة الأعمال، وتُهيّئ الشباب للنجاح في الإقتصاد الرقمي. كذلك تساهم المبادرة في تحقيق الرؤية الشاملة لمصر من خلال ضمان تزويد القوى العاملة المصرية بالمهارات الرقمية اللازمة لدعم وتوسيع نطاق التحوُّل الرقمي في البلاد.
الإستراتيجية الوطنية للذكاء الإصطناعي في مصر
إن الإستراتيجية الوطنية للذكاء الإصطناعي (2025-2030) هي خارطة الطريق لمصر لتسخير الذكاء الإصطناعي لدفع عجلة التنمية الإقتصادية والإجتماعية في البلاد. وتركز الإستراتيجية على دمج الذكاء الإصطناعي في التعليم والرعاية الصحية والزراعة والقطاع المالي والحوكمة، وتهدف إلى تحقيق قيمة إقتصادية تُقدّر بنحو 42.7 مليار دولار في حلول العام 2030، مع ترسيخ مكانة مصر كدولة رائدة في مجال الذكاء الإصطناعي على مستوى أفريقيا والمنطقة العربية. كما تُشدّد الإستراتيجية على بناء القدرات، والتعاون الدولي، وتكوين منظومة متكاملة للذكاء الإصطناعي مدعومة بالحوكمة والبنية التحتية والكفاءات المتميّزة.
كما ترتكز هذه الإستراتيجية على أربعة محاور رئيسية هي: الذكاء الإصطناعي للحكومة، والذكاء الإصطناعي للتنمية، وبناء القدرات، والأنشطة الدولية. ويركّز محور الذكاء الإصطناعي للحكومة على دمج الذكاء الإصطناعي في الحوكمة والخدمات العامة لتحسين الكفاءة والشفافية. أما محور الذكاء الإصطناعي للتنمية فيطبّق الذكاء الإصطناعي في قطاعات حيوية كالزراعة والرعاية الصحية والتمويل والبنية التحتية الذكية، بهدف تعزيز الإنتاجية والإستدامة. وتسعى مصر الى تعزيز القدرات الرقمية وذلك من خلال التعليم والتدريب لقوى عاملة ماهرة وإجراء الأبحاث. وتركّز مصر على الشراكات والتعاون لترسيخ مكانتها كدولة رائدة إقليمياً في مجال الذكاء الإصطناعي.
تطبيقات الذكاء الإصطناعي في مصر
طوّرت مصر تطبيقات عملية للذكاء الإصطناعي في قطاعات متعدّدة، مما يُظهر كيف تتحوّل إستراتيجيتها الوطنية للذكاء الإصطناعي من مجرّد رؤية إلى واقع ملموس. ففي مجال الرعاية الصحية، تستخدم مصر الذكاء الإصطناعي لدعم التشخيص الطبي وتحسين رعاية المرضى. أما في الزراعة، فتقوم مصر بتطبيق الذكاء الإصطناعي لدعم الإستدامة. وتستخدم مصر مبادرات الزراعة الذكية وأجهزة الإستشعار المدعومة بالذكاء الإصطناعي وتحليلات البيانات لمراقبة حالة التربة، وإستخدام المياه، وصحة المحاصيل. وتُوفّر هذه الأنظمة للمزارعين معلومات آنية، مما يُتيح إتخاذ قرارات أفضل حيال الري والتسميد ومكافحة الآفات. وبذلك يُسهم الذكاء الإصطناعي في تحقيق الأمن الغذائي في مصر من خلال الحدّ من الهدر وتحسين المحاصيل، مما يدعم جهود مصر لتحديث قطاعها الزراعي. ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة نظراً إلى إعتماد البلاد على الزراعة كجزء أساسي من إقتصادها وحاجتها إلى التكيُّف مع تحدّيات تغيّر المناخ.
في مجال التعليم، تستخدم مصر تجارب الذكاء الإصطناعي لتحسين مخرجات التعليم وتحديث أساليب التدريس. ويتم إستخدام منصّات مدعومة بالذكاء الإصطناعي لتخصيص تجارب التعليم، وتكييف المحتوى مع وتيرة وإحتياجات كل طالب. كما وتستخدم مصر الذكاء الاصطناعي لتحليل مجموعات ضخمة من البيانات التعليمية، مما يساعد صانعي السياسات والمعلمين على تصميم مناهج دراسية أفضل وتتبّع الأداء التعليمي. وتُسهم هذه التطبيقات في تحقيق رؤية مصر الرقمية من خلال ضمان تحوُّل التعليم ليصبح أكثر شمولاً وكفاءة وتوافقاً مع متطلّبات الإقتصاد الرقمي.
في مجال البنية التحتية الذكية، تستخدم مصر الذكاء الاصطناعي لتحسين التخطيط الحضري، وإدارة حركة المرور، وكفاءة الطاقة. ويتم إختبار أنظمة مدعومة بالذكاء الإصطناعي لمراقبة حركة المرور والحدّ من الإزدحام في المدن الرئيسية، بينما تساعد التحليلات التنبُّئية على تحسين إستهلاك الطاقة في الشبكات الذكية. كما تقوم مصر بتطوير تطبيقات الذكاء الإصطناعي في إدارة المياه لمراقبة الإستخدام والكشف عن التسريبات، مما يضمن إستدامة تخصيص الموارد. وتدعم هذه المبادرات التحوُّل الرقمي في مصر بشكل مباشر من خلال دمج الذكاء الإصطناعي في البنية التحتية للبلاد، مما يجعل المدن أكثر ملاءمة للعيش وأكثر مرونة.
يتزايد إستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لمواجهة التحدّيات الجيوسياسية، وتعكس إستراتيجية مصر المتطوّرة في هذا المجال هذا التوجُّه العالمي. فمن خلال الإستثمار في الذكاء الإصطناعي، تعزّز مصر قدرتها على تحليل الديناميكيات الإقليمية المعقّدة، وتحسين الأمن القومي، وتعزيز عملية صنع القرار ووضع السياسة الخارجية. وتقوم مصر بتطوير أنظمة مدعومة بالذكاء الإصطناعي لمعالجة كميات هائلة من البيانات من مصادر متعدّدة، مثل صور الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الإجتماعي والمؤشّرات الإقتصادية، لتوفير رؤى معمّقة حول النزاعات الإقليمية وأنماط الهجرة والتنافس على الموارد، مما يساعد صنّاع القرار على توقع المخاطر والإستجابة بفعّالية أكبر للأزمات. وتركز مصر على إستخدام الذكاء الإصطناعي في مجال الأمن السيبراني لتعزيز قدرتها على الصمود في وجه التهديدات الرقمية، التي غالباً ما ترتبط بالتوترات الجيوسياسية.
وتلعب مايكروسوفت دوراً محورياً في دعم التحوُّل الرقمي وإستراتيجية الذكاء الإصطناعي في مصر، وذلك من خلال توفير الأدوات والبرامج التعاونية. وتُعدُّ منصّة أزور Azure AI من مايكروسوفت إحدى التقنيات الرئيسية المستخدمة، حيث تقدّم خدمات التعلُّم الآلي السحابية، ومعالجة اللغات الطبيعية ورؤية الحاسوب.
مقارنة إستراتيجيات الذكاء الإصطناعي بين مصر ودول الخليج
نعرض هنا المبادرات الوطنية في مصر ودول الخليج لتعزيز التحوُّل الرقمي والإستراتيجيات لتسخير الذكاء الإصطناعي لدفع عجلة الإقتصاد ومواجهة التحدّيات الجيوسياسية:
* إستراتيجية مصر للذكاء الإصطناعي 2025-2030
تركز الإستراتيجية الوطنية المصرية للذكاء الإصطناعي على إستخدام الذكاء الإصطناعي في الحوكمة AI for governance (AI4G)، والتنمية (AI4D) AI for development والرعاية الصحية (AI4H) AI for Healthcare والإبتكار في مختلف القطاعات AI4X AI for cross-sector innovation مما يُساعد مصر على تبوؤ مكانة رائدة في العالم العربي في حلول العام 2030.
* إستراتيجية الإمارات العربية المتحدة للذكاء الإصطناعي 2031
أطلقت الإمارات العربية المتحدة إستراتيجيتها للذكاء الإصطناعي في العام 2017، ثم وسّعت نطاقها ومدّتها الى العام 2031، بهدف جعل دولة الإمارات رائدة عالمياً في مجال الذكاء الإصطناعي. وتركز الإستراتيجية على أداء الحكومة، والتنويع الإقتصادي، ودمج الذكاء الإصطناعي في قطاعات رئيسية كالنقل والرعاية الصحية والتعليم. كما عيّنت الإمارات أول وزير دولة في العالم لشؤون الذكاء الإصطناعي.
* إستراتيجية قطر للذكاء الإصطناعي
تركّز إستراتيجية قطر للذكاء الإصطناعي والتقنيات الأخرى (AI+X Strategy)، المتوافقة مع رؤية قطر الوطنية 2030، على بناء إقتصاد قائم على المعرفة. وتساهم شركة قطر الوطنية للذكاء الإصطناعي «قي Qai» في تطوير النظم الرقمية وتعزيز الإبتكار وإستقطاب المواهب. وتتبوّأ قطر مكانة رائدة في مجال الذكاء الإصطناعي والتقنيات الأخرى، من خلال دمج الذكاء الإصطناعي في جميع القطاعات.
سياسة البحرين للذكاء الإصطناعي المتوافقة مع رؤية 2030
تعتمد البحرين سياسة وطنية للذكاء الإصطناعي، تركّز على توظيف الذكاء الإصطناعي بشكل مسؤول وأخلاقي. وتؤكّد هذه السياسة على أهمية الذكاء الإصطناعي في الخدمات الحكومية، والتحوُّل الرقمي، والنمو المستدام. وتتعاون البحرين مع اليونسكو وشركاء إقليميين لتعزيز أطر الحوكمة والأخلاقيات في إستخدام الذكاء الإصطناعي.
* إستراتيجية الكويت للذكاء الإصطناعي 2035-2028
تتوافق إستراتيجية الكويت الوطنية للذكاء الإصطناعي مع رؤية 2035، وتهدف إلى دمج الذكاء الإصطناعي في الأطر الإقتصادية والإجتماعية. وتركّز على تمكين القوى العاملة، والذكاء الإصطناعي الأخلاقي، وبناء إقتصاد قائم على المعرفة. وقد دعمت مايكروسوفت الكويت في صوغ إطار عملها الخاص بالذكاء الإصطناعي.
* إستراتيجية عُمان للذكاء الإصطناعي 2025-2030
تُعدّ إستراتيجية عُمان للذكاء الإصطناعي جزءاً من رؤية عُمان 2040، وتهدف الى توفير 30 ألف وظيفة في مجال الذكاء الإصطناعي، وتحقيق أثر إقتصادي بقيمة 5 مليارات دولار. وتُركّز الإستراتيجية على السيادة الرقمية، والحوكمة الأخلاقية، والبنية التحتية، بما في ذلك مشروع الحاسوب العملاق الوطني المقترح للذكاء الإصطناعي. وتطمح عُمان إلى أن تصبح مركزاً للإبتكار في منطقة الخليج في حلول العام 2030.
* إستراتيجية المملكة العربية السعودية الوطنية للبيانات والذكاء الإصطناعي المتوافقة مع رؤية 2030
تدمج إستراتيجية المملكة العربية السعودية، بقيادة الهيئة السعودية للذكاء الإصطناعي، الذكاء الإصطناعي في رؤية 2030. وتعتمد على إستثمارات ضخمة (تتجاوز 40 مليار دولار) في البنية التحتية للذكاء الإصطناعي. وتركز الإستراتيجية على دمج الذكاء الإصطناعي في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والطاقة والمدن الذكية. وتطمح المملكة للتحوُّل الى مركز رائد على الصعيد العالمي في تبنّي الذكاء الإصطناعي والإبتكار في مختلف مجالات الذكاء الإصطناعي.
وبذلك تقوم كل دولة بمواءمة الذكاء الإصطناعي مع خطط رؤيتها الوطنية (2030/2040/2035)، حيث تركّز مصر على القيادة الإقليمية، ودولة الإمارات على القيادة العالمية، ودولة قطر على التكامل، ومملكة البحرين على الأخلاقيات، ودولة الكويت على القوى العاملة، وسلطنة عُمان على السيادة، والمملكة العربية السعودية على توسيع نطاق إستخدام الذكاء الإصطناعي والإستثمار فيه.
تعزيز التعاون لتحويل مصر الى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي
تتعاون مصر بنشاط مع رواد التكنولوجيا العالميين مثل «مايكروسوفت»، و«غوغل» و«آي بي أم» لتطوير الذكاء الإصطناعي وتسريع إبتكار الأدوات الرقمية للمستقبل. وتستفيد مصر، بالتعاون مع «مايكروسوفت»، من منصّة أزور للذكاء الإصطناعي السحابية Azu-re AI، والتي تُعنى بالتعلم الآلي ومعالجة اللغات الطبيعية ورؤية الحاسوب، مما يدعم مشاريع في مجالات التشخيص الصحي، وتخصيص التعليم، والحوكمة الذكية. كما توفّر «مايكروسوفت» حلولاً ذكية Power BI وتحليلات متقدّمة لتعزيز صنع القرار في المشاريع الحكومية ومشاريع البنية التحتية. وإلى جانب التكنولوجيا، تتعاون «مايكروسوفت» مع وزارة الإتصالات وتقنية المعلومات المصرية لتقديم برامج تدريبية وشهادات في مجال الذكاء الإصطناعي، لضمان تزويد الكوادر المصرية بالمهارات اللازمة لدعم الإبتكار.
يُتوقع أن تتوسّع فرص التعاون المستقبلية بين مصر والشركاء العالميين مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«آي بي إم» لتشمل مجالات جديدة تتماشى مع رؤية مصر الرقمية الطويلة الأمد. وتسعى مصر إلى إستخدام الذكاء الإصطناعي في تطوير المدن الذكية وأنظمة التخطيط الحضري الذكية، والحلول لإدارة حركة المرور، والشبكات الذكية الموفّرة للطاقة ومعالجة اللغة الطبيعية العربية.
كما يُتوقع أن تتعاون مصر وشركاؤها في وضع أطر أخلاقيات الذكاء الإصطناعي. ومع إزدياد إندماج الذكاء الإصطناعي في الحوكمة والرعاية الصحية والأمن السيبراني، تكتسب الإعتبارات الأخلاقية المتعلّقة بالخصوصية والتحيُّز والمساءلة أهمية بالغة. وقد وضعت «مايكروسوفت» و«غوغل» و«آي بي إم»، بالتعاون مع مصر، مبادئ توجيهية عالمية لأخلاقيات الذكاء الإصطناعي، مما يُساهم في وضع أطر للذكاء الإصطناعي تحترم القيم الثقافية والأنظمة القانونية، مع ضمان الإستخدام على نحو مسؤول.
في حلول العام 2030، تسعى مصر بالتعاون مع شركائها العالميين الى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للذكاء الإصطناعي، حيث تنافس بذلك الدول الرائدة الأخرى في الشرق الأوسط. وتُتيح هذه الشراكات لمصر الوصول إلى أحدث التقنيات وبرامج التدريب وشبكات البحث التي تُسرّع من تطوير حلول الذكاء الإصطناعي لمواجهة التحدّيات العالمية. بدعم من «مايكروسوفت» في مجال الذكاء الإصطناعي السحابي وتدريب القوى العاملة، وخبرة «غوغل» في التحليلات الجغرافية المكانية ومعالجة اللغة الطبيعية العربية، وريادة «آي بي إم» في الأمن السيبراني والتحليلات المتقدّمة، تعمل مصر على بناء منظومة متكاملة للذكاء الإصطناعي. وتسعى هذه المنظومة الى معالجة التحدّيات المحلية في مجالات الرعاية الصحية والزراعة والتعليم والبنية التحتية، كما وتُساهم أيضاً في إبتكار حلول قابلة للتصدير مصمّمة خصّيصاً للعالم العربي.
في المحصّلة، من خلال الجمع بين الإبتكار العالمي والتكيُّف المحلي، تستطيع مصر أن تُرسّخ مكانتها كمركز رائد لتقنيات الذكاء الإصطناعي العربية وتقديم حلول المدن الذكية، ووضع أطر عمل الذكاء الإصطناعي الأخلاقية مما يُمكّن مصر من منافسة الدول الرائدة إقليمياً مثل دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، ويجعلها جسراً بين أفريقيا والشرق الأوسط في صوغ المستقبل الرقمي.
تلبية متطلّبات المصارف المراسلة والتحدّيات التي تواجه المصارف العربية
علاقات المصارف المراسلة أصبحت أحد المؤشّرات الرئيسية
حيال إندماج المصارف في الشبكة المالية العالمية وإلتزامها المعايير الدولية
تُعد العلاقات المصرفية المراسلة أحد الأعمدة الأساسية للنظام المالي العالمي، إذ تتيح للمصارف تنفيذ المدفوعات الدولية وتمويل التجارة وتحويل العملات والوصول إلى الأسواق المالية العالمية. غير أن هذه العلاقات شهدت خلال العقدين الماضيين تحوُّلات جوهرية نتيجة تصاعد التشريعات الدولية المتعلّقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتشديد أنظمة الإمتثال والعقوبات المالية، مما أدّى إلى زيادة الضغوط على المصارف في الأسواق الناشئة، بما فيها المصارف العربية.
وفي هذا السياق، أصبحت المصارف المراسلة العالمية تعتمد معايير صارمة لتقييم المصارف المتعاملة معها، تشمل مستوى الإمتثال التنظيمي، وفعّالية أنظمة مكافحة الجرائم المالية، ودرجة الشفافية المؤسسية، فضلاً عن إستقرار البيئة القانونية والتنظيمية في الدولة التي يعمل فيها المصرف. ويهدف ذلك إلى الحدّ من المخاطر المرتبطة بعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو خرق العقوبات الدولية. وقد أدى تشديد هذه المعايير إلى ظاهرة تُعرف بـ «تجنُّب المخاطر» (De-risking)، حيث قامت بعض المصارف العالمية بتقليص أو إنهاء علاقاتها مع مصارف في مناطق معيّنة لتجنب المخاطر التنظيمية والسمعة. وفي ظل هذه البيئة التنظيمية المتشدّدة، باتت المصارف مطالبة بتطوير بنيتها المؤسسية وأنظمة الامتثال لديها بما يتوافق مع المعايير الدولية مثل توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، وإتفاقيات بازل للرقابة المصرفية، إضافة إلى متطلّبات المصارف المراسلة الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا.
متطلّبات المصارف المراسلة الدولية
أصبحت العلاقات مع المصارف المراسلة تخضع اليوم لمنظومة معقّدة من المتطلّبات التنظيمية والرقابية تهدف إلى حماية النظام المالي العالمي من المخاطر المرتبطة بالجرائم المالية والعقوبات الدولية. وقد تزايدت الغرامات التي فرضتها السلطات الرقابية الأميركية والأوروبية على المصارف العالمية خلال العقدين الماضيين، حيث تشير تقديرات تقارير Boston Consulting Group إلى أن الغرامات التنظيمية المفروضة على تلك المصارف بسبب مخالفات تعليمات مكافحة غسل الأموال والامتثال تجاوزت 350 مليار دولار بين عامي 2008 و2023، وهو ما دفع المصارف الدولية إلى تشديد إجراءات العناية الواجبة عند إقامة علاقات مراسلة مصرفية. وتعتمد المصارف المراسلة على مجموعة من المعايير الأساسية قبل إقامة أو الاستمرار في أي علاقة مصرفية، يُمكن تلخيصها بالتالي:
يُعد الإمتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أهم الشروط التي تفرضها المصارف المراسلة على المصارف المتعاملة معها. وتعتمد هذه المتطلّبات بشكل رئيسي على توصيات مجموعة العمل المالي الأربعين، والتي أصبحت المرجعية العالمية في هذا المجال. وتشير تقارير المؤسسات الدولية إلى أن حجم الأموال التي يتم غسلها عالمياً يقدر بما بين 800 مليار و2 تريليون دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 2-5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يفسّر التشدد المتزايد في هذا المجال.
تعتمد المصارف المراسلة على إجراءات دقيقة للتحقق من هوية العملاء ومصدر الأموال بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالمعاملات العابرة للحدود، كما يطلب العديد من المصارف المراسلة تطبيق مفهوم إعرف عميل عميلك، أي قيام المصرف المحلي بفهم طبيعة العملاء الذين يتعامل معهم عملاؤه، خصوصاً في القطاعات عالية المخاطر مثل شركات تحويل الأموال أو التجارة الدولية.
ثالثاً – الإمتثال لأنظمة العقوبات الدولية
تولي المصارف المراسلة أهمية كبيرة للإمتثال لأنظمة العقوبات الدولية، لا سيما تلك الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية (OFAC)، والإتحاد الأوروبي، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وتتطلّب هذه الأنظمة من المصارف إجراء فحص تلقائي للأسماء (Sanctions Screening) على جميع العملاء والمعاملات، والتأكد من عدم التعامل مع أفراد أو كيانات مدرجة على قوائم العقوبات، كما تطبيق سياسات صارمة لمنع الإلتفاف على العقوبات. وقد فرضت السلطات الأميركية خلال السنوات الماضية غرامات ضخمة على مصارف دولية بسبب خرق العقوبات، من أبرزها غرامة تجاوزت 8.9 مليارات دولار على مصرف BNP Paribas في العام 2014 بسبب معاملات مرتبطة بدول خاضعة للعقوبات.
رابعاً: الشفافية المؤسسية والحوكمة المصرفية
تُعد الحوكمة المؤسسية الفعّالة عنصراً أساسياً في تقييم المصارف من قبل المؤسسات المالية الدولية، وتشمل متطلّبات الحوكمة وجود مجلس إدارة مستقل وفعّال، تطبيق سياسات واضحة لإدارة المخاطر، الإلتزام بمعايير بازل للرقابة المصرفية والإفصاح المالي الشفّاف وفق المعايير الدولية مثل IFRS. وتولي المصارف المراسلة أهمية خاصة لمدى إستقلالية إدارات الإمتثال وإدارة المخاطر داخل المصرف، ومدى قدرتها على العمل بعيدًا عن الضغوط التجارية.
خامساً – البنية التكنولوجية وأنظمة الامتثال الرقمية
مع التطوُّر المتسارع في الجرائم المالية العابرة للحدود، أصبحت التكنولوجيا عنصراً أساسياً في تقييم المصارف من قبل المؤسسات المالية الدولية. وتشمل المتطلبات التقنية، إستخدام أنظمة متقدمة لمراقبة المعاملات، وتطبيق أدوات التحليل المتقدم والذكاء الإصطناعي لرصد الأنماط المشبوهة، والإعتماد على قواعد بيانات دولية لفحص العملاء والمعاملات.
كما تعتمد المصارف المراسلة بشكل متزايد على منصّات رقمية لتبادل المعلومات المتعلقة بالإمتثال بين المصارف، حيث تضمُّ هذه المنصّة آلاف المؤسسات المالية حول العالم وتتيح مشاركة موحّدة لبيانات الإمتثال.
التحدّيات التي تواجه المصارف العربية في الحفاظ على علاقات المصارف المراسلة
تُواجه المصارف العربية تحدّيات متزايدة في الحفاظ على علاقات مراسلة مستقرة في وقت يشهد فيه النظام المالي العالمي تحوُّلات عميقة تُعيد رسم خريطة التدفقات المالية. فرغم إستمرار توسُّع النشاط المصرفي الدولي، تشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن الإئتمان المصرفي عبر الحدود إرتفع بنحو 832 مليار دولار خلال العام 2025 وحده ليصل إلى قرابة 45 تريليون دولار، مع نمو الإقراض للمقترضين في الأسواق الناشئة، بما فيها منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، بنحو 17 % . ورغم هذا التوسُّع، أصبحت شبكة المصارف المراسلة أكثر تمركزاً حول عدد محدود من المؤسسات المالية الكبرى القادرة على تحمل الأعباء التنظيمية والإستثمار في البنية التكنولوجية المتقدمة، ما يزيد مخاطر الاعتماد على قنوات مالية أقل تنوعاً.
ويشير تقرير البنك الأوروبي للإسكان والتعمير (European Bank for Reconstruction and Development) إلى أن نحو 37 % من المصارف ترى أن العائد لم يعد يبرّر كلفة إجراءات العناية الواجبة، بينما يعتبر 32 % منها أن التشدُّد في تطبيق ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمثل عاملاً رئيسياً وراء تقليص علاقات المراسلة. وتعكس هذه المؤشّرات أن معادلة الربحية مقابل المخاطر أصبحت عاملاً حاسماً في قرارات المصارف الدولية عند إختيار شركائها. وإلى جانب ذلك، تبرز تحوُّلات هيكلية إضافية تضغط على نموذج المراسلة التقليدي، أبرزها التوسُّع السريع في قطاع الوساطة المالية غير المصرفية الذي نما بنحو 9.4 % في العام 2024 ليشكل أكثر من 50 % من الأصول المالية العالمية وفق تقارير مجلس الإستقرار المالي (Financial Stability Board). كما تتّجه المدفوعات الدولية نحو مزيد من الرقمنة والترابط في ظل مبادرات دولية لتحديث البنية التحتية للمدفوعات عبر الحدود، وهو ما يفرض على المصارف إستثمارات أكبر في التكنولوجيا والأمن السيبراني للحفاظ على قدرتها التنافسية.
وعليه، تجد المصارف العربية نفسها أمام بيئة مزدوجة التحدي: توسُّع متسارع في النشاط المالي العالمي يُقابله إرتفاع مستمر في متطلبات الدخول إلى شبكاته الأساسية.
ولم يعد الحفاظ على علاقات المراسلة مسألة إمتثال فحسب، بل أصبح إختباراً للقدرة المؤسسية والجاهزية التكنولوجية ومستوى الشفافية. فالمصارف القادرة على تقليص فجوات الإمتثال وتعزيز الحوكمة والإستثمار في البنية الرقمية ستكون الأقدر على التحوُّل من متلقٍ للمخاطر إلى شريك موثوق ضمن شبكة مالية عالمية تتجه تدريجياً نحو مزيد من التركز والإنتقائية.
إستراتيجيات المصارف العربية للحفاظ على علاقات المراسلة
في ظل التحوُّلات التنظيمية والتكنولوجية المتسارعة في النظام المالي العالمي، أصبح الحفاظ على علاقات المصارف المراسلة يتطلّب من المصارف العربية تبنّي نهج إستراتيجي متكامل يُعزّز مستويات الامتثال والشفافية والكفاءة التشغيلية. ولم يعد الإعتماد على الجدارة المالية وحدها كافياً لضمان إستمرار هذه العلاقات، بل باتت المصارف مطالبة بإظهار قدرة مؤسسية واضحة على إدارة المخاطر والإلتزام بالمعايير الدولية، ولا سيما تلك الصادرة عن مجموعة العمل المالي، في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويشمل ذلك تطوير أنظمة الإمتثال وتعزيز إستقلالية إدارات الرقابة الداخلية وتطبيق منهجيات قائمة على تقييم المخاطر لمراقبة العمليات المالية والكشف المبكّر عن الأنشطة المشبوهة، إضافة إلى الإستثمار في تدريب الكوادر المصرفية المتخصّصة في مجالات الإمتثال وإدارة المخاطر المالية.
وفي موازاة ذلك، أصبحت البنية التكنولوجية عاملاً حاسماً في قدرة المصارف على الحفاظ على علاقاتها الدولية، حيث تزداد أهمية الإستثمار في أنظمة تحليل البيانات المتقدمة والذكاء الإصطناعي وأنظمة مراقبة المعاملات المالية التي تمكن المؤسسات المصرفية من رصد العمليات غير الإعتيادية بكفاءة أعلى والحد من المخاطر التشغيلية والتنظيمية. كما تُسهم المنصّات الرقمية المتخصّصة مثل سجل بيانات الامتثال التابع لشبكة سويفت في تسهيل تبادل المعلومات المتعلقة بإجراءات العناية الواجبة بين المصارف، ما يُعزّز مستوى الشفافية ويُسهم في تقليص الوقت والتكاليف المرتبطة بعمليات التحقق والإمتثال.
وفي الوقت نفسه، يُمثل تعزيز الحوكمة المؤسسية والإلتزام بمعايير الإفصاح المالي الدولية أحد العوامل الجوهرية في بناء الثقة مع المصارف المراسلة، إذ تُولي المؤسسات المالية العالمية أهمية كبيرة لشفافية هياكل الملكية وإستقلالية مجالس الإدارة وفعّالية أنظمة إدارة المخاطر داخل المصارف. كما أن تنويع شبكة العلاقات المصرفية الدولية يشكل إستراتيجية مهمة للحدّ من مخاطر الإعتماد على عدد محدود من المصارف المراسلة، حيث يُسهم توسيع نطاق الشراكات المصرفية عبر مراكز مالية مختلفة في تعزيز قدرة المصارف على الوصول إلى الأسواق العالمية وضمان إستمرارية الخدمات المالية العابرة للحدود. في المقابل، يظل التعاون الوثيق مع الجهات الرقابية والمؤسسات المالية الدولية عاملاً أساسياً في تطوير البيئة التنظيمية وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي.
وفي ضوء هذه التحوُّلات، لم يعد الحفاظ على علاقات المصارف المراسلة مسألة تشغيلية فحسب، بل أصبح خياراً إستراتيجياً يرتبط بقدرة المصارف على التكيُّف مع بيئة مالية دولية تتسم بتزايد التركز وإرتفاع معايير الشفافية والتدقيق التنظيمي، حيث تميل المؤسسات المالية العالمية إلى التعامل مع شركاء يتمتعون بمستويات متقدمة من الحوكمة والجاهزية التكنولوجية والإمتثال التنظيمي. ومن ثم، فإن قدرة المصارف العربية على الإستثمار في الإمتثال الرقمي، وتعزيز الحوكمة المؤسسية، وتطوير البنية التحتية التكنولوجية، ستشكل عاملاً حاسماً في ترسيخ موقعها كشريك موثوق داخل شبكة التمويل العالمية وضمان إستمرار تدفقات التجارة والإستثمار عبر الحدود.
مؤشّرات المصارف المراسلة
في ضوء التحوُّلات المتسارعة التي يشهدها النظام المالي العالمي، يتضح أن علاقات المصارف المراسلة لم تعد مجرّد آلية تشغيلية لتسهيل المدفوعات الدولية وتمويل التجارة، بل أصبحت أحد المؤشّرات الرئيسية على درجة اندماج المصارف في الشبكة المالية العالمية ومستوى إلتزامها بالمعايير التنظيمية الدولية، فقد أدت التشريعات المتشدّدة في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وارتفاع تكاليف الامتثال وتسارع التحوُّل الرقمي في أنظمة المدفوعات، إلى إعادة تشكيل خريطة العلاقات المصرفية المراسلة وجعلها أكثر تركزاً وانتقائية. وفي هذا السياق، تجد المصارف العربية نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في ضرورة التكيُّف مع متطلّبات تنظيمية وتقنية متزايدة من جهة، والإستفادة من الفرص التي يتيحها التوسع المستمر في النشاط المالي العالمي من جهة أخرى.
وعليه، فإن قدرة المصارف العربية على الحفاظ على علاقاتها مع المصارف المراسلة وتعزيزها ستعتمد بدرجة كبيرة على مدى نجاحها في تطوير أنظمة الإمتثال وإدارة المخاطر، وتعزيز الحوكمة المؤسسية والشفافية، والإستثمار في البنية التكنولوجية والإمتثال الرقمي. كما أن تعزيز التعاون بين المصارف والجهات الرقابية وتبنّي أفضل الممارسات الدولية، سيُسهمان في تعزيز ثقة المؤسسات المالية العالمية بالقطاع المصرفي العربي.
في المحصّلة، إن المصارف التي ستنجح في التكيُّف مع هذه المتغيّرات ستكون الأقدر على ترسيخ موقعها كشريك موثوق ضمن النظام المالي الدولي، والمساهمة في دعم التجارة والإستثمار والتنمية الإقتصادية في الدول العربية في ظل نظام مالي عالمي يتّجه تدريجياً نحو مزيد من التكامل الرقمي وإرتفاع معايير الإمتثال والشفافية.
(المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية)
إن للحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران آثاراً عميقة على الأسواق العالمية، ولا سيما على العملات الرقمية والذهب والنفط، إذ إنخفض سعر البيتكوين مبدئياً إلى حوالي 63 ألف دولار في بداية الحرب، لكنه سرعان ما إنتعش وإرتفع إلى ما يقارب 70 ألف دولار، إذ يعتبره المستثمرون وسيلةً للتحوُّط ضد التضخُّم وعدم الإستقرار الجيوسياسي. وبذلك يتحوّل «البيتكوين» بشكل متزايد إلى «ذهب رقمي» في أوقات الأزمات. أما العملات الرقمية الأخرى مثل «إيثيريوم» و«سولانا» فقد شهدت إنخفاضات، مما يدل على ثقة المستثمرين في «البيتكوين» خلال فترات عدم اليقين.
لقد شهد الذهب إرتفاعاً قوياً، متجاوزاً 5300 دولار للأونصة، مع إقبال المستثمرين على الأصول الآمنة. ويعود هذا الإرتفاع الى المخاوف من تصعيد الحرب، فضلاً عن الدور التقليدي للذهب كمخزن للقيمة في أوقات النزاع.
وإرتفعت أسعار النفط إلى أعلى المستويات منذ أبريل/نيسان 2024. ويحذّر المحلّلون من أنه في حال تعطّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 % من النفط العالمي، فقد تتجاوز الأسعار بسهولة 100 دولار للبرميل. علماً أن هذا الإرتفاع الحاد في تكاليف الطاقة يزيد من الضغوط التضخُّمية في جميع أنحاء العالم، مما يرفع أسعار الوقود والتدفئة والنقل.
وعليه، نسلّط الضوء على الآثار العالمية للحرب وتغيُّر موازين القوى في العالم، إذ إن روسيا هي المستفيد الأول من الحرب، مختتمين بخارطة الطريق للمصارف العربية للتحوّط من مخاطر الحرب والدروس المستفادة من أضرار الحرب.
آثار الحرب على الصعيد العالمي
إن إرتفاع أسعار النفط والذهب يزيد من مخاطر التضخم العالمي، فإرتفاع أسعار النفط يزيد بشكل مباشر من تكلفة الوقود والنقل والتدفئة، مما يؤثر على سلاسل التوريد ويرفع أسعار السلع والخدمات في جميع أنحاء العالم. ويبرز هذا التأثير التضخُّمي بشكل خاص في الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، حيث تواجه الأسر والشركات زيادات في تكاليف المعيشة والتشغيل. ويعكس إرتفاع أسعار الذهب قلق المستثمرين حيال التضخُّم وعدم الإستقرار الجيوسياسي.
وتشهد الدول المستوردة للنفط ضعفاً في عملاتها نتيجة إضطرارها إلى إنفاق المزيد من إحتياطاتها الأجنبية لتغطية نفقات الطاقة، بينما تشهد الدول المصدرة للنفط قوةً مؤقتة في عملاتها بفضل إرتفاع إيراداتها.
في الوقت نفسه، يشير إرتفاع أسعار الذهب إلى تراجع الثقة في العملات الورقية، لا سيما الدولار، وتتسبّب هذه الديناميكيات في تقلُّبات شديدة في أسواق الصرف الأجنبي.
ويتجه المستثمرون بكثافة نحو الذهب كملاذ آمن، ووسيلة للتحوُّط ضد التضخُّم والمخاطر الجيوسياسية. وقد إستفادت عملة «البيتكوين» «الذهب الرقمي» من تدفقات إستثمارية.
وفي ظل هذه الظروف، تتّجه المحافظ الإستثمارية العالمية نحو السلع والأصول المستقرة، بينما تواجه الأسهم والسندات التقليدية حالة من عدم اليقين.
الآثار على سلسلة التوريد العالمية
تُسبّب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إضطراباً شديداً في سلاسل الإمداد العالمية، وتؤثر على خطوط النفط والشحن، فقد أدّى إغلاق مضيق هرمز إلى توقف ما يقرب من 20 % من تدفقات النفط العالمية، كما تعطلت خطوط الشحن الجوي عبر المنطقة. وتؤدي هذه الصدمات إلى إرتفاع التكاليف، وإطالة أوقات التسليم، وإجبار الشركات في جميع أنحاء العالم على إعادة النظر في إستراتيجيات التوريد والخدمات اللوجستية.
وبذلك، يُعدّ قطاع الطاقة الأكثر تضرُّراً، ويؤدي تقلُّب أسعار النفط مباشرةً إلى إرتفاع تكاليف النقل والتصنيع، مما يُؤثر على مختلف الصناعات من السيارات إلى الإلكترونيات الإستهلاكية.
إلى جانب الطاقة، تُعطّل الحرب شبكات الخدمات اللوجستية على نطاق واسع، فقد تم تغيير مسار أو تأخير تدفقات الشحن الجوي عبر الشرق الأوسط، والتي تُمثّل نحو 18 % من حركة النقل العالمية، مما تسبّب في إختناقات في قطاعات مثل الإلكترونيات والأدوية.
إن للحرب آثاراً عميقة على سلاسل التوريد العالمية تتمثل في زعزعة إستقرار ممرّات الطاقة، وتعطيل الشحن البحري والجوي، ورفع التكاليف في مختلف القطاعات.
الآثار على السلع والخدمات الرئيسية
تُسبّب الحرب إضطرابات واسعة النطاق في الأصول والسلع والخدمات في الأسواق العالمية، إذ تتأثر السلع الأساسية، كالأغذية والأدوية، بتأخيرات في خطوط الشحن البحري والجوي عبر الشرق الأوسط. وتشهد الإلكترونيات ومكوّنات التكنولوجيا المتقدمة، التي يعتمد الكثير منها على أنظمة التسليم الفوري، نقصاً وإرتفاعاً في التكاليف نتيجة تغيير مسارات الخدمات اللوجستية وإرتفاع أسعار الشحن. كما تتعرّض الخدمات المرتبطة بالتجارة العالمية كالخدمات اللوجستية والتأمين لضغوط كبيرة، حيث تواجه الشركات إرتفاعاً في أقساط التأمين، وفترات تسليم أطول، ومخاطر تشغيلية متزايدة.
وبذلك، يمتد تأثير الحرب بعمق ليطال مختلف القطاعات الإقتصادية، فالطاقة والمعادن النفيسة والسلع الإستهلاكية والخدمات الحيوية تتأثر جميعها بتداعيات الحرب.
الآثار على الولايات المتحدة
تتأثر الولايات المتحدة بالحرب من جوانب متعددة ومترابطة، فعلى الصعيد الإقتصادي، يتمثل التأثير المباشر الأبرز في إرتفاع أسعار النفط. ورغم أن الولايات المتحدة منتج رئيسي للطاقة، إلاّ أن أسواق النفط العالمية مترابطة، ما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار وتفاقم التضخم المحلي. وهذا بدوره يرفع تكاليف الوقود والتدفئة والنقل على الأسر، وتكاليف التصنيع والخدمات اللوجستية على الشركات. ويدفع الضغط التضخُّمي مجلس الإحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، مما يُبطئ النمو ويزيد من تكاليف الإقتراض في مختلف قطاعات الإقتصاد.
وتُواجه الولايات المتحدة إضطرابات في سلاسل التوريد التي تمر عبر الشرق الأوسط، ويجري تغيير مسارات الشحن الجوي والبحري، مما يؤثر على واردات الإلكترونيات والأدوية والسلع الإستهلاكية. كما يُواجه المصدّرون الأميركيون إرتفاعاً في تكاليف الشحن والتأمين، مما يقلّل من قدرة السلع الأميركية على المنافسة في الأسواق الخارجية. وتواجه الشركات متعدّدة الجنسيات العاملة في المنطقة تأخيرات وإرتفاعاً في التكاليف، مما يؤثر سلباً على الإقتصاد الأميركي.
كما تشهد الأسواق المالية تقلُّباتٍ نتيجة تفاعل المستثمرين مع حالة عدم اليقين، إذ تعرّضت الأسهم لضغوطٍ بسبب التضخُّم ومخاطر سلاسل التوريد، بينما يعكس تدفق الإستثمارات الآمنة إلى الذهب و«البيتكوين» قلق المستثمرين. كما وأن أيّ إرتفاع في الدولار يزيد من تكلفة الصادرات ويُفاقم الإختلالات التجارية. وبذلك، يتأثر الإقتصاد الأميركي بضغوط التضخُّم، وإضطرابات التجارة، وتقلُّبات الأسواق المالية.
تغيُّر موازين القوى في العالم
إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تُغيّر موازين القوى في العالم، إذ يتوسّع نفوذ روسيا والصين، ويضعُف النظام المتعدّد الأطراف.
وتتقدم روسيا والصين كشريكين بديلين لدول الشرق الأوسط. أما الهند، العضو الرئيسي في مجموعة البريكس، فتسعى إلى تحقيق التوازن بين إحتياجاتها من الطاقة وحذرها الجيوسياسي. يُبرز هذا الإنقسام تحوُّلاً أوسع نطاقاً، إذ تُسرّع الحرب من تفتت النظام العالمي إلى كتل متنافسة.
وتؤثر أسواق الطاقة على ميزان القوى في العالم، فمع إرتفاع أسعار النفط، تستفيد الدول المصدّرة للطاقة، مثل روسيا، مالياً، بينما تُعاني الدول المُعتمدة على الاستيراد من صدمات تضخُّمية. علماً أن هذه الديناميكيات تعزّز نفوذ روسيا في آسيا وتُضعف المرونة الإقتصادية لدول أوروبا والشرق الأوسط.
تُغيّر الحرب موازين القوى في العالم كما وتُعمّق الإنقسامات العالمية بين الحلفاء الغربيين والقوى المنافسة مثل روسيا والصين. ويشهد النظام العالمي تحوُّلاً نحو المنافسة المتعدّدة الأقطاب.
الفائزون والخاسرون في الحرب
تُعدّ روسيا الدولة الأكثر إستفادةً على المدى القصير من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فبصفتها مُصدِّراً رئيسياً للطاقة، تستفيد روسيا من إرتفاع أسعار النفط والغاز، مما يُدرّ عليها إيراداتٍ أعلى رغم العقوبات المُستمرة والعزلة الجيوسياسية. كما يُعزّز إرتفاع أسعار السلع الأساسية موقعها في آسيا، ولا سيما في الصين والهند، اللتين تُواصلان إستيراد النفط الروسي بأسعار مُخفّضة. ويُفيد إرتفاع أسعار الذهب روسيا أيضاً، نظراً إلى إحتياطاتها الكبيرة من الذهب، مما يُتيح لها دعم إستقرارها المالي في الوقت الذي يبحث فيه المُستثمرون العالميون عن ملاذات آمنة.
من جهة أخرى، يُعدّ الشرق الأوسط المنطقة الأكثر تضرُّراً، وتواجه الدول التي تعتمد بشكل كبير على إستيراد الوقود والغذاء، مثل لبنان والأردن ومصر، ضغوطاً تضخُّمية حادة مع إرتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل التوريد.
ويتأثر الإتحاد الأوروبي بشدّة أيضاً بشكل غير مباشر، فإرتفاع تكاليف الطاقة وتعطّل خطوط الشحن عبر الشرق الأوسط يزيدان من التضخُّم في جميع أنحاء الإتحاد الأوروبي. كما أن تقلبات عملة اليورو مقابل الدولار تزيد من الضغوط، في حين أن إضطرابات سلاسل التوريد تؤثر على قطاعات الأدوية والإلكترونيات.
وعليه فإن روسيا هي المستفيد الأول بفضل صادراتها من الطاقة، بينما يتحمّل الشرق الأوسط العبء الأكبر، إقتصادياً وإجتماعياً، من العواقب المباشرة للحرب.
المخاطر حسب المنطقة
تتّسم المخاطر الناجمة عن الحرب بتعدُّد جوانبها وترابطها، إذ تؤثر على قطاعات الطاقة والأسواق المالية وسلاسل التوريد والعملات. ويتمثل الخطر الأبرز في التضخُّم الناجم عن ارتفاع أسعار النفط. فعندما ترتفع تكاليف الطاقة، تنعكس هذه الإرتفاعات على أسعار النقل والتصنيع والغذاء، مما يُسبّب ضغوطاً تضخُّمية عالمية. وهذا بدوره يُضعف القدرة الشرائية للأسر ويُجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترات أطول، مما يُبطئ النمو الإقتصادي.
ومن المخاطر الرئيسية الأخرى عدم إستقرار العملة، إذ تواجه الدول المستوردة للنفط ضعفاً في عملاتها نتيجة زيادة إنفاقها على الإحتياطات الأجنبية، بينما قد يحقّق المصدّرون مكاسب قصيرة الأجل. علماً أن هذا الإضطراب يجعل التسويات التجارية أكثر تكلفة ويعقّد السياسة النقدية.
ويُعدّ إضطراب سلاسل التوريد خطراً جسيماً أيضاً، فمضيق هرمز، وهو ممرّ حيوي للنفط والسلع، يُواجه إختناقات مرورية تُؤخّر الشحنات وترفع تكاليف النقل. كما يجري تغيير مسارات الشحن الجوي عبر الشرق الأوسط، مما يؤثر على قطاعات مثل الإلكترونيات والأدوية. وتؤدي هذه الإضطرابات إلى زيادة التكاليف على الشركات وتقليل توافر السلع عالمياً.
يُعدّ تقلُّب الأسواق المالية من مخاطر الحرب، حيث يتجه المستثمرون إلى الذهب و«البيتكوين» كأدوات تحوّط، بينما تواجه الأسهم والسندات ضغوطاً من التضخُّم وعدم اليقين. هذا التحوُّل في سلوك الإستثمار يزيد من المخاطر على صناديق التقاعد والمستثمرين المؤسسيين والأسر التي ترتبط مدخراتها بالأسواق التقليدية.
ويشكل التصعيد الجيوسياسي في حد ذاته خطراً، فالصراع المطوّل قد يُفاقم نقص الطاقة، ويُزعزع إستقرار الإقتصادات الإقليمية، ويُشعل حروباً أوسع نطاقاً، مما يُضاعف جميع المخاطر. ويتطلّب التصدّي لهذه التحدّيات تنويع مصادر الطاقة، والتحوُّط من مخاطر تقلبات العملة، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، وموازنة المحافظ الإستثمارية بأصول الملاذ الآمن.
في الإتحاد الأوروبي، يتجلّى أثر الحرب بشكلٍ حادٍّ في زيادة التضخُّم وانعدام أمن الطاقة، إذ أدى إرتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف النقل والتصنيع، بينما أدت الإضطرابات في خطوط الشحن في الشرق الأوسط إلى إجهاد سلاسل إمداد الغذاء والأدوية. كما شهد اليورو تقلّباتٍ حادة. ولمعالجة هذه المخاطر، تُسرّع دول الإتحاد الأوروبي من تنويع مصادر الطاقة، وتستثمر في مصادر الطاقة المتجدّدة، وتعزز مرونة سلاسل الإمداد من خلال توطين الإنتاج في مناطق قريبة وتكوين إحتياطات إستراتيجية.
في الشرق الأوسط، تتفاقم المخاطر بشكل مباشر وحاد، حيث يتصاعد التضخُّم نتيجة إرتفاع أسعار الوقود والغذاء، بينما تتعرّض عملات الدول التي تعتمد على الإستيراد، مثل لبنان، لضغوط متزايدة.
وتتعطّل سلاسل التوريد بسبب إغلاق خطوط الشحن وتحويل مسار الشحن الجوي، مما يؤثر على السلع الأساسية كالأدوية والإلكترونيات. ويتفاقم التقلُّب المالي نتيجة هروب رؤوس الأموال إلى الذهب والدولار، مما يزيد من زعزعة إستقرار الأسواق المحلية. ويتطلّب التصدّي لهذه المخاطر توفير إحتياطات وقود طارئة، وتعزيز التعاون التجاري الإقليمي، وتبنّي سياسات نقدية أكثر صرامة لتحقيق إستقرار العملات.
في الولايات المتحدة، تُثير الحرب مخاوف تضخُّمية نتيجة ارتفاع أسعار النفط، على الرغم من أن إنتاج الطاقة المحلي يوفر بعض الحماية، وتشهد الأسواق المالية تقلّبات حادة، مع تعرض الأسهم لضغوط واتجاه المستثمرين نحو الذهب و«البيتكوين». وتبرز مخاطر سلاسل التوريد في القطاعات التي تعتمد على طرق التجارة في الشرق الأوسط، مثل الإلكترونيات والأدوية.
تتفاوت المخاطر حيال دول البريكس، حيث تُواجه الصين والهند ضغوطاً تضخمية نتيجة إرتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد، لا سيما في قطاعي الإلكترونيات والمواد الخام. أما روسيا، بصفتها مُصدِّرة للطاقة، فتستفيد من إرتفاع عائدات النفط، لكنها تواجه عزلة جيوسياسية. وتعاني البرازيل وجنوب أفريقيا تقلّبات العملة والتضخُّم بسبب إعتمادهما على الواردات. وعلى مستوى دول البريكس، تتجلّى التقلُّبات المالية بوضوح مع تحويل المستثمرين رؤوس أموالهم إلى الذهب والأصول البديلة. ويتطلّب التصدّي لهذه المخاطر تنويع طرق التجارة، وتعزيز سلاسل التوريد الإقليمية، وإستخدام التحوُّط من تقلّبات العملة للحماية من هذه التقلّبات.
خارطة الطريق للمصارف العربية والدروس والعبر من الحرب
يتوجّب على المصارف العربية وضع الإستراتيجيات للتحوُّط ضد الصدمات الإقتصادية الناجمة عن الحروب. وعلى المصارف العربية تعزيز قدرتها على الصمود من خلال تنويع إستثماراتها في أصول بديلة مثل «البيتكوين»، التي تكتسب شعبية واسعة بإعتبارها «الذهب الرقمي». كما يتوجّب على المصارف العربية التركيز على القطاعات الأقل تأثراً من تكاليف الطاقة والتحوُّط من المخاطر التشغيلية والإستثمار في تعزيز مرونة الخدمات اللوجستية لمواجهة أي اضطرابات.
وعلى المصارف العربية وضع إستراتيجيات للتحوُّط ضد الاضطرابات الحالية تعتمد على موازنة المحافظ الإستثمارية بسلع أساسية كالنفط والذهب، وإدارة مخاطر العملة من خلال التنويع، وإعادة توجيه الإستثمارات نحو القطاعات القادرة على الصمود أمام التضخُّم وصدمات سلاسل التوريد.
إن أوضح درس مستفاد من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران هو أن تكاليف الصراع تفوق بكثير أي مكاسب متوقعة. فالحروب تُزعزع إستقرار الإقتصادات، وتعطّل التجارة، وتزعزع إستقرار الأسواق المالية، مما يُحدث آثاراً متسلسلة تتجاوز حدود ساحة المعركة. وتؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى تفاقم التضخُّم العالمي، وترتفع أسعار الذهب مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، وتتقلّب العملات بشكل حاد، مما يُثقل كاهل الأسر والشركات بتكاليف باهظة. وتنهار سلاسل التوريد، مما يؤخر وصول السلع الأساسية كالغذاء والدواء، بينما يتحوّل سلوك الإستثمار نحو الأصول الدفاعية بدلاً من النمو الإنتاجي.
وتُظهر الحرب مدى ترابط الإقتصاد العالمي، إذ لا توجد منطقة في العالم بمنأى عن تداعيات الحرب، فحتى الدول المصدّرة للطاقة تُواجه عدم إستقرار طويل الأمد، بينما تعاني الدول المعتمدة على الإستيراد من صدمات تضخُّمية فورية. والدرس المستفاد هو أن تعزيز ودعم مساعي السلام والإستقرار من ضروريات تحقيق المرونة الإقتصادية، فبدونهما يتعثّر التبادل التجاري، وتضعف العملات، وتفقد الأسواق ثقتها.
في المحصّلة، إن وقف الحروب يعني الحفاظ على أسس الإزدهار، وتأمين سلاسل الإمداد، وإستقرار العملات، وإمكانية التنبؤ بالأسواق، كما يعني حماية عامة الناس من التضخُّم والنقص وعدم اليقين الذي يجلبه الصراع. ويزدهر الإقتصاد العالمي بالتعاون لا بالمواجهة، وتُظهر الأزمة الراهنة أن السعي إلى السلام ودور المصارف العربية في دعم السلام ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة إقتصادية أيضاً.
لا تزال درجة الترابط التجاري والإنتاجي والإستثماري دون الإمكانات المتاحة
تعزيز التكامل الإقتصادي العربي يشكل أداة إستراتيجية للإستقرار الإقتصادي
ويرفع القدرة التنافسية للمنطقة العربية في الإقتصاد العالمي
تشهد المنطقة العربية لحظة مفصلية تجعل من التكامل الإقتصادي خياراً إستراتيجياً لا ترفاً مؤسسياً، فرغم إتساع الأسواق العربية، وتنوُّع الموارد بين الطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي والقوة البشرية، لا تزال درجة الترابط التجاري والإنتاجي والإستثماري دون الإمكانات المتاحة. علماً أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال من أقل مناطق العالم إندماجاً إقتصادياً، مع ضعف نسبي في التجارة البينية والإستثمار الخاص وسلاسل القيمة الإقليمية.
الواقع الإقتصادي للمنطقة العربية
تقف الإقتصادات العربية اليوم عند مفترق مهم بين الثقل الإقتصادي المتزايد والتفاوت الهيكلي بين دولها، فبحسب تقديرات البنك الدولي، يُقدّر أن إجمالي الناتج المحلي للدول العربية قد بلغ نحو 3.8 تريليونات دولار في نهاية العام 2025. ويعكس هذا الحجم الإقتصادي المكانة المتنامية للمنطقة العربية في الإقتصاد العالمي، إذ يُقدَّر أن الإقتصاد العربي يُمثل نحو 5 % من إجمالي الناتج المحلي العالمي، مستنداً إلى ما تمتلكه المنطقة من موارد طاقة إستراتيجية، وأسواق إستهلاكية واسعة، إضافة إلى موقعها الجغرافي الحيوي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
في ظل ذلك، تُظهر بيانات التقرير الإقتصادي العربي الموحّد الصادر في العام 2025 أن الإقتصادات العربية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية والقطاعات الريعية، في حين يبقى مستوى التجارة العربية البينية محدوداً مقارنة بالإمكانات المتاحة، إذ لا تتجاوز قيمتها نحو 170 مليار دولار من إجمالي صادرات عربية تفوق 1.4 تريليون دولار.
كما تشير البيانات إلى أن إحتياطات النقد الأجنبي لدى الدول العربية يدور بين 1.3-1.4 تريليون دولار الجزء الأكبر منها لدى دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات والكويت وقطر، ما يُوفّر قاعدة مالية مهمة لدعم الإستقرار الإقتصادي وتمويل الإستثمارات. وفي الوقت نفسه، تُواجه المالية العامة في عدد من الدول العربية تحدّيات متزايدة، إذ تشير التقديرات إلى أن العجز الكلي في الموازنات العربية بلغ نحو 95 مليار دولار في العام 2025، مع إرتفاع متوسط نسبة الدين الحكومي إلى نحو 46 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وعليه، فإن الإقتصاد العربي يمتلك قاعدة إقتصادية ومالية كبيرة وإمكانات إستثمارية واسعة، لكنه لا يزال يُواجه تحدّيات تتعلق بضعف التكامل الإقتصادي، وتفاوت مستويات التنمية، وإعتماد عدد من إقتصادياته على الموارد الطبيعية، وهو ما يجعل تعزيز التكامل الإقتصادي العربي وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية أحد المسارات الرئيسية لتحويل هذه الإمكانات إلى قوة إقتصادية أكثر إستدامة في السنوات المقبلة.
تحدّيات التكامل الإقتصادي العربي
لا تعود محدودية التكامل الإقتصادي العربي إلى غياب الإتفاقيات الإقليمية بقدر ما ترتبط بضعف التحوُّل من التكامل التعاقدي إلى التكامل الفعلي، إذ رغم إطلاق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى منذ العام 1997، وما تلاها من مبادرات لتعزيز التعاون الإقتصادي العربي، لا تزال التجارة العربية البينية عند مستويات متواضعة لا تتجاوز نحو 10 % من إجمالي التجارة العربية، وهي نسبة منخفضة مقارنة بتكتلات إقتصادية أخرى مثل الاتحاد الأوروبي أو رابطة دول جنوب شرق آسيا. ويعكس ذلك إستمرار مجموعة من العوائق الهيكلية والتنظيمية التي تحدّ من توسع المبادلات التجارية والإستثمارية بين الدول العربية.
وتتمثل أبرز هذه العوائق في القيود غير الجمركية التي تشمل إختلاف المواصفات والمعايير الفنية، وتباين الأنظمة التشريعية والتنظيمية، إضافة إلى إرتفاع كلفة النقل والخدمات اللوجستية وضعف الربط بين الموانئ وشبكات النقل البرية. كما أن بطء الإجراءات الجمركية وتعقيدها في بعض الدول يرفع كلفة التجارة ويؤثر سلباً على حركة السلع والخدمات عبر الحدود. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن إنخفاض التجارة البينية في المنطقة يرتبط أيضاً بتشابه الهياكل الإنتاجية والتصديرية في العديد من الإقتصادات العربية، حيث تُهيمن صادرات النفط والمواد الأولية على جزء كبير من التجارة الخارجية، في حين يبقى التنويع الصناعي محدوداً في عدد من الدول.
إلى جانب ذلك، معظم الإقتصادات العربية لا تزال تعتمد على تصدير المواد الخام أو المنتجات الأولية، مقابل إستيراد السلع الصناعية والتكنولوجية من خارج المنطقة، وهو ما يقلّل من فرص قيام شبكات إنتاج عربية مترابطة قادرة على تعزيز التجارة والإستثمار البيني. كما أن التفاوت في مستويات التنمية الإقتصادية بين الدول العربية يخلق مفارقة مهمة، فبينما تمتلك بعض الدول فوائض مالية ضخمة وصناديق سيادية كبيرة، تمتلك دول أخرى أسواقاً إستهلاكية واسعة، وموارد بشرية كبيرة، وفرصاً إستثمارية في قطاعات الزراعة والصناعة والبنية التحتية. ورغم أن هذا التفاوت يُمكن أن يشكل قاعدة مثالية لتكامل اقتصادي قائم على تكامل الموارد وتوزيع الأدوار الإنتاجية والإستثمارية، إلاّ أن غياب الآليات المؤسسية الفاعلة لتنسيق السياسات الإقتصادية والإستثمارية بين الدول العربية أدى إلى بقاء هذه الإمكانات غير مستغلّة بالشكل الأمثل.
وعليه، فإن تحقيق التكامل الإقتصادي العربي الأكثر فاعلية يتطلّب الإنتقال من مجرّد إزالة القيود التجارية إلى بناء منظومة إقتصادية إقليمية متكاملة تشمل تطوير البنية التحتية للنقل واللوجستيات، وتنسيق السياسات الصناعية والتجارية، وتعزيز الإستثمار العربي المشترك، إضافة إلى دعم التكامل في سلاسل القيمة الإنتاجية، بما يسمح بتحويل التنوُّع الإقتصادي بين الدول العربية من عامل تباين إلى محرّك للنمو والتكامل الإقتصادي الإقليمي.
تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر ودورها في تعزيز الفرص الإستثمارية العربية
تُظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن المنطقة العربية تضمّ عدداً من الإقتصادات القادرة على جذب تدفقات إستثمارية كبيرة، وهو ما يعكس تحسن بيئة الأعمال في بعض الدول العربية ونجاحها في إستقطاب رؤوس الأموال الدولية. ففي العام 2024 إستقطبت الإمارات العربية المتحدة نحو 45.6 مليار دولار من تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر، فيما إستقطبت السعودية نحو 15.7 مليار دولار، ومصر نحو 46.6 مليار دولار، بينما بلغت التدفقات إلى المغرب نحو 1.64 مليار دولار وإلى تونس نحو 936 مليون دولار. وتعكس هذه الأرقام الدور المتنامي لبعض الإقتصادات العربية كمراكز جذب للإستثمار الدولي، خصوصاً في قطاعات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والصناعة، والخدمات المالية، والتكنولوجيا.
ولا يقتصر الأمر على التدفُّقات السنوية، بل أيضاً في رصيد الإستثمار الأجنبي المباشر المتراكم داخل الإقتصادات العربية، إذ بلغ رصيد الإستثمار الأجنبي المباشر في العام 2024 نحو 270.6 مليار دولار في الإمارات، و255 مليار دولار في السعودية، و158.7 مليار دولار في مصر، و61.5 مليار دولار في المغرب، وهو ما يعكس تراكم إستثمارات دولية كبيرة داخل هذه الإقتصادات. وتشير هذه المؤشرات إلى أن عدداً من الدول العربية أصبح يشكل محاور إستثمارية إقليمية يُمكن أن تلعب دوراً محورياً في جذب الإستثمارات وتحفيز تدفقات رأس المال نحو المنطقة.
كما تُظهر بيانات الأونكتاد أن الدول العربية في شمال أفريقيا إستقطبت نحو 50.7 مليار دولار من الإستثمار الأجنبي المباشر في العام 2024، بينما بلغت التدفقات إلى منطقة «غرب آسيا» نحو 82.1 مليار دولار في العام نفسه. ورغم أن تصنيف غرب آسيا يشمل بعض الدول غير العربية، فإن الثقل الإستثماري العربي داخل هذه المنطقة يبقى واضحاً، خصوصاً مع الدور المتنامي لكل من الإمارات والسعودية وقطر وعُمان والأردن في جذب الإستثمارات الأجنبية وتطوير بيئة الأعمال.
من هنا تبرز أهمية تعزيز التكامل الإستثماري العربي، إذ يُمكن تحويل مراكز الجذب الإستثماري الكبرى في المنطقة إلى منصّات إقليمية لتمويل المشروعات المشتركة، وربط الإقتصادات العربية بسلاسل الإنتاج العالمية، وتوجيه جزء من الإستثمارات نحو قطاعات إستراتيجية مثل الطاقة النظيفة، والصناعة التحويلية، والإقتصاد الرقمي، والبنية التحتية، والأمن الغذائي. وعليه، فإن هذا التوجُّه يُسهم في تعميق الترابط الإقتصادي بين الدول العربية وتحويل التدفقات الإستثمارية إلى محرّك أساسي للنمو والتنمية المستدامة في المنطقة.
القطاعات الإستراتيجية للفرص الإستثمارية في المنطقة العربية
تتمتع المنطقة العربية بمجموعة من القطاعات الإقتصادية الواعدة التي تشكل قاعدة رئيسية لتعزيز الإستثمار والتنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة. ويأتي في مقدّمة هذه القطاعات، الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر، حيث تمتلك المنطقة أحد أعلى معدّلات الإشعاع الشمسي في العالم ومساحات واسعة مناسبة لمشروعات الطاقة النظيفة. وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة إلى أن مصادر الطاقة المتجدّدة يُمكن أن تشكل نحو 26 % من إجمالي إمدادات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في حلول العام 2050، مع إرتفاع حصة الكهرباء المتجدّدة إلى نحو 53 % وإمكانية خلق نحو مليوني وظيفة في هذا القطاع.
كما يبرز الإقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية كأحد أسرع مجالات الإستثمار نمواً، إذ تشير بيانات الرابطة العالمية لمشغّلي الإتصالات المتنقلة (GSM Association) إلى أن الإقتصاد الرقمي المرتبط بخدمات الهاتف المحمول ساهم بنحو 310 مليارات دولار في إقتصاد المنطقة في العام 2023، أي ما يُعادل 5.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقع إرتفاعه إلى نحو 360 مليار دولار في حلول العام 2030. ويُعزّز هذا التوجُّه إنتشار تقنيات الجيل الخامس والذكاء الإصطناعي وتوسُّع منظومات التكنولوجيا المالية، خصوصاً في دول الخليج، ما يفتح المجال لبناء منصّات عربية مشتركة في المدفوعات الرقمية والتمويل التجاري والخدمات المالية المبتكرة.
ويُمثل قطاع النقل واللوجستيات وسلاسل الإمداد فرصة إستراتيجية للإستثمار، نظراً إلى الموقع الجغرافي الذي يربط المنطقة العربية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا ومرور عدد من أهم الممرّات البحرية العالمية عبرها. ويُمكن تطوير هذا القطاع من خلال تعزيز الربط بين الموانئ وشبكات النقل والبنية التحتية اللوجستية.
كما تشكل السياحة والخدمات المرتبطة بها أحد القطاعات الحيوية القادرة على جذب الإستثمارات وخلق فرص العمل، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism) إلى أن الشرق الأوسط سجل في العام 2025 نمواً في أعداد السياح الدوليين بنحو 3 % مقارنة بعام 2024، متجاوزاً مستويات ما قبل جائحة كورونا بنسبة تقارب 39 % ، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها القطاع السياحي في المنطقة.
وأخيراً، يبرز قطاع الأمن الغذائي والصناعات الزراعية كأحد المجالات الإستراتيجية للتعاون والإستثمار العربي المشترك، خصوصاً في ظل التحدّيات المتزايدة المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية. ويُمكن للتكامل بين الموارد الزراعية والتمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية في الدول العربية أن يُسهم في تطوير منظومات إنتاج وتصنيع غذائي إقليمية تعزّز الأمن الغذائي وتفتح آفاقاً جديدة للإستثمار والتنمية المستدامة.
دور المصارف العربية في تعزيز التكامل الإقتصادي العربي
تلعب المصارف العربية دوراً محورياً في دعم التكامل الإقتصادي الإقليمي من خلال تمويل التجارة والإستثمار وتسهيل تدفقات رؤوس الأموال بين الدول العربية. فالمصارف تمثل البنية التحتية المالية التي تربط بين الأسواق العربية وتتيح للشركات والمستثمرين تنفيذ العمليات التجارية والإستثمارية عبر الحدود.
وتشير التقديرات إلى أن الأصول المجمعة للقطاع المصرفي العربي تتجاوز 5.5 تريليونات دولار، ما يعكس حجم القدرات التمويلية التي يمكن توجيهها لدعم مشروعات التكامل الإقتصادي والتنمية الإقليمية.
وتُسهم المصارف العربية في تعزيز التكامل الإقتصادي من خلال آليات رئيسية عدّة، أبرزها تمويل التجارة البينية العربية عبر الإعتمادات المستندية وخطابات الضمان، إضافة إلى تمويل المشروعات الإستثمارية المشتركة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والخدمات. كما تلعب المصارف دوراً متزايداً في تطوير أنظمة الدفع والتحويلات المالية العابرة للحدود، خصوصاً مع إطلاق مبادرات إقليمية. وضمن هذا الإطار، يُمكن للمصارف العربية أن تدعم التكامل الإقتصادي من خلال توسيع شبكاتها الإقليمية وتعزيز علاقات المراسلة المصرفية بين الدول العربية، إضافة إلى دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للتجارة والاستثمار في المنطقة. كما أن تطوير الخدمات المصرفية الرقمية والتكنولوجيا المالية يفتح آفاقاً جديدة لتسهيل المعاملات المالية وتعزيز الترابط بين الأسواق العربية.
وعليه، فإن تعزيز دور المصارف العربية في تمويل التجارة والإستثمار وتطوير البنية التحتية المالية يمثل عنصراً أساسياً في تحقيق تكامل إقتصادي عربي أكثر عمقاً وإستدامة، بما يُسهم في زيادة التجارة البينية، وجذب الإستثمارات، وتعزيز النمو الإقتصادي في المنطقة.
المؤشرات الإقتصادية في المنطقة العربية
تُظهر المؤشّرات الإقتصادية، أن المنطقة العربية تمتلك مقوّمات إقتصادية وإستثمارية كبيرة تتمثل في الموارد الطبيعية الضخمة، والإحتياطات المالية الكبيرة، والأسواق الإستهلاكية الواسعة، والموقع الجغرافي الإستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات. كما أن وجود قطاعات واعدة مثل الطاقة المتجدّدة، والإقتصاد الرقمي، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والصناعات الغذائية يفتح آفاقًا واسعة للاستثمار والنمو الإقتصادي في السنوات المقبلة.
إلاّ أن هذه الإمكانات لا تزال دون مستوى الإستغلال الأمثل بسبب ضعف التكامل الإقتصادي العربي، وتفاوت مستويات التنمية بين الدول، وإستمرار بعض القيود التنظيمية واللوجستية التي تحدّ من توسّع التجارة والإستثمارات البينية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبنّي سياسات إقتصادية أكثر تنسيقاً بين الدول العربية، وتطوير البنية التحتية المشتركة في مجالات النقل والطاقة والاتصالات، إضافة إلى تعزيز التكامل المالي والمصرفي وتوجيه الإستثمارات العربية نحو مشروعات إنتاجية مشتركة.
في المحصّلة، إن تعزيز التكامل الإقتصادي العربي لا يمثل خياراً إقتصادياً فحسب، بل يشكل أيضاً أداة إستراتيجية لتعزيز الإستقرار الإقتصادي ورفع القدرة التنافسية للمنطقة العربية في الاقتصاد العالمي. فكلّما تعمّق التعاون الإقتصادي والمالي بين الدول العربية، إزدادت قدرتها على تحويل مواردها وإمكاناتها الكبيرة إلى قوة إقتصادية إقليمية أكثر تماسكاً وإستدامة في مواجهة التحدّيات العالمية.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
تعزيز الثقة في مستقبل الإقتصاد العراقي والترابط العالمي للقطاع المالي وقيادة النمو المستدام
إجراءات جديدة من «المركزي العراقي» حيال المصارف المحرومة من التعامل بالدولار
يُتابع البنك المركزي العراقي إجراءاته في سبيل معالجة مشاكل المصارف العراقية المحرومة من التعامل بالدولار، معلناً أنه يمتلك الجاهزية الكاملة والأدوات الفعّالة للتعامل مع مختلف التطورات، وخصوصاً مع إمتلاكه لرصيد من الإحتياطات المريحة، وإستعداده لإتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب، بما يضمن الحفاظ على إستقرار الأسواق النقدية والمالية ويُعزّز الثقة في القطاع المصرفي.
في هذا السياق، أعلن البنك المركزي العراقي، عن إتخاذ إجراءات عدّة لمعالجة مشاكل المصارف العراقية المحرومة من التعامل بالدولار.
وقال مدير قسم التحويلات في البنك المركزي العراقي، أحمد داود سلمان: إن «البنك المركزي مستمر بإجراءاته مع الشركات العالمية الخاصة بالتدقيق، من أجل تدقيق عملية التحويلات السابقة التي أدّت إلى حرمان بعض المصارف العراقية من الدولار أو أي مشاكل كانت تواجه المصارف العراقية وأدت إلى حرمانها من التعامل بالدولار»، مشيراً إلى أن «هناك شروطاً وإجراءات عدة إتخذها البنك المركزي حيال المصارف، إذ إن مدير عام دائرة الإستثمارات للتحويلات الخارجية ومدير عام دائرة الرقابة على المصارف، يعملان على هذا الأمر مع شركة التدقيق (أولفير وايمان) ومستمرين وسنلاحظ التغيُّرات في الأيام المقبلة».
إحتياطات «المركزي العراقي»
وفي إطار مسؤولياته الدستورية والقانونية في حماية الإستقرار النقدي والمالي والحفاظ على متانة وسلامة النظام المصرفي في العراق، عقد مجلس إدارة البنك المركزي العراقي جلسة إستثنائية لمتابعة التطورات الإقتصادية والمالية الراهنة، ومراجعة أبرز مؤشّرات الإقتصاد الكلي، وتقييّم التوقعات المستقبلية في ضوء المستجدات المحلية والدولية وما قد تفرضه من تحدّيات أو فرص أمام الإقتصاد الوطني.
وقد أجرى المجلس تقييماً شاملاً لأوضاع السوقين النقدية والمالية، شمل تحليل مستويات السيولة في الجهاز المصرفي، وتطوُّرات عرض النقد، فضلاً عن مراجعة مستويات الإحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي، عارضاً مؤشّرات الإستقرار المالي وأداء القطاع المصرفي، إلى جانب متابعة حركة التجارة الخارجية وتدفُّقات المدفوعات، مع تقييم المخاطر المحتملة المرتبطة بالمتغيّرات الإقتصادية الإقليمية والدولية وإنعكاساتها المحتملة على الإقتصاد العراقي .
كما ناقش المجلس عدداً من السيناريوهات الإقتصادية والمالية المحتملة للمرحلة المقبلة، مع التركيز على كيفية تعزيز مرونة السياسة النقدية وإستدامة الإستقرار المالي، وضمان قدرة النظام المصرفي على الإستجابة بكفاءة لمتطلّبات النشاط الإقتصادي.
وفي هذا السياق من الضروري إيضاح أن إحتياطي البنك المركزي يُغطي نحو 12 شهراً من الإستيرادات، ويؤكد «المركزي العراقي» أن «البنك يمتلك الجاهزية الكاملة والأدوات الفعّالة للتعامل مع مختلف التطورات، لا سيما مع إمتلاكه لرصيد من الإحتياطات المريحة، وأنه مستعد لإتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب بما يضمن الحفاظ على إستقرار الأسواق النقدية والمالية ويعزّز الثقة بالقطاع المصرفي».
وإنطلاقاً من هذا التقييم الشامل، خَلص المجلس إلى التالي:
1 – متانة الإحتياطات الأجنبية والمصدّات المالية
يتمتع البنك المركزي العراقي بمستوى قوي من المصدّات المالية وإحتياطات أجنبية مريحة عند مستويات آمنة، ما يُوفر هامشاً مهماً من المرونة في إدارة السياسة النقدية ومواجهة أيّ صدمات أو تقلُّبات إقتصادية محتملة، ويُسهم في تعزيز الإستقرار النقدي والحفاظ على قوة النظام المالي في البلاد.
2 – أمين الرواتب والنفقات الأساسية
ناقش المجلس عدداً من البدائل لضمان تأمين الرواتب والنفقات الأساسية خلال الأشهر المقبلة، بما يكفل إنتظام تنفيذ الإلتزامات المالية للدولة، ويُسهم في دعم الإستقرار الإقتصادي والمعيشي للمواطنين، فضلاً عن تعزيز الثقة بالسياسات المالية والنقدية للدولة، وإستمرار النشاط الإقتصادي بصورة طبيعية.
3 – تعزيز سيولة الجهاز المصرفي
يؤكد المجلس أهمية إستمرار البنك المركزي في دعم سيولة المصارف بما يضمن إستقرار العمليات المصرفية اليومية وإنسيابية الخدمات المالية المقدمة للجمهور، ويهدف ذلك إلى تمكين المصارف من تلبية إحتياجات المواطنين والقطاع الخاص بكفاءة وانتظام، ويسعى البنك المركزي إلى تعزيز دور القطاع المصرفي في دعم النشاط الإقتصادي وتمويل مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
4 – ضمان إنسيابية التحويلات الخارجية
أكد المجلس أهمية إستمرار إنسيابية التحويلات المالية الخارجية لتغطية عمليات الإستيراد والمدفوعات الدولية الأخرى، بما يضمن إستقرار حركة التجارة الخارجية وتوفير السلع والخدمات في السوق المحلية. ويأتي ذلك في إطار دعم قدرة القطاع الخاص على تلبية إحتياجات السوق والمحافظة على إستقرار مستويات العرض في الأسواق المحلية.
«المركزي العراقي»: إنجاز خطوة كبرى في مسار الإصلاح المصرفي الشامل
في السياق عينه، أعلن «المركزي العراقي»، عن الإنتهاء من خطوة الإصلاح الشامل للمصارف التجارية والإسلامية، ذاكراً في بيان أنه «تم الإنتهاء من الخطوة الرئيسية في عملية الإصلاح الشامل للمصارف التجارية والإسلامية وفروع المصارف الأجنبية من خلال تقديمها للوثائق المطلوبة للمراجعة وفق متطلّبات الحد الأدنى، والتي تلخصت بإختيار أحد المسارات الثلاثة، وهي الإستمرار في السوق كمؤسسات مصرفية مستقلة، أو الإندماج مع مؤسسات مصرفية أخرى، أو الخروج من السوق».
وأكد البنك المركزي أن «كافة المصارف العراقية قدّمت الوثائق المطلوبة وفق المسار الذي إختارته، مما يسمح للبنك المركزي بتقييم مستوى إستيفائها لمتطلّبات الحد الأدنى»، لافتاً إلى أنه «خلال الأشهر المقبلة، ستعمل المصارف على معالجة أيّ ثغرات يتم تحديدها، وستسعى جاهدةً لتحقيق الإمتثال الكامل لمعايير الإصلاح»، مشيراً إلى أن «هناك مبادرة جديدة لتوسيع قدرة المصارف الخاصة على دعم التجارة الدولية لعملائها، حيث سيُسمح للمصارف التي تستوفي معايير محددة وفقاً لتقييم البنك المركزي العراقي، بإستئناف المعاملات عبر الحدود وإصدار الإعتمادات المستندية بالعديد من العملات الدولية، بما فيها اليورو والدرهم الإماراتي واليوان الصيني والدينار الأردني، وغيرها»، موضحاً أن «هذه الخطوة تأتي إستكمالاً للطريق الذي رسمه «المركزي العراقي» لتعزيز الثقة في مستقبل الإقتصاد العراقي والترابط العالمي للقطاع المالي، وقيادة النمو المستدام للعراق».
«المركزي العراقي» يُواصل أداء دور إستراتيجي لدعم مسارالتنمية الإقتصادية والإستقرار المالي
تطوير البيئة التنظيمية الداعمة للشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية
وتشجيع المصارف على تبنّي الحلول الرقمية الحديثة
تتضمّن لائحة البنك المركزي العراقي لعدد المصارف العاملة فعلياً في العراق 79 مصرفاً. وتُقسم تلك المصارف كالتالي: ثمانية مصارف حكومية (سبعة منها تجارية/ تقليدية ومصرف إسلامي واحد)، و24 مصرفاً أهلياً تجارياً، و31 مصرفاً أهلياً إسلامياً، بالإضافة الى 16 فرعاً لمصارف عربية وأجنبية. وتشير آخر البيانات المتوافرة حول الإنتشار المصرفي في العراق، الى أن عدد فروع المصارف العاملة في العراق قد بلغ 899 فرعاً في نهاية العام 2024.
تحوز المصارف الحكومية التجارية على ما نسبته 44.6 % من مجموع المصارف العاملة في العراق، والمصارف الأهلية التجارية نسبة 28.9 % ، والمصارف الاهلية الإسلامية نسبة 22.9 % ، والمصارف الأجنبية التجارية نسبة 2.4 % ، والمصارف الأجنبية الإسلامية نسبة 0.5 % ، والمصرف الحكومي الإسلامي على نحو 0.5 % . كما يوجد تركّز كبير في شبكة الفروع بين المصارف العاملة في العراق، حيث تدير أول عشرة مصارف من حيث عدد الفروع 528 فرعاً، أي ما نسبته 58.7 % من مجموع فروع المصارف العاملة في العراق.
بلغ حجم الموجودات المجمّعة للمصارف العاملة في العراق نحو 177,231 مليار دينار عراقي في نهاية العام 2025، مسجّلة تراجعاً بنسبة 5.6 % عن نهاية العام 2024. ووصل مجمل الإئتمان النقدي الممنوح من قبل المصارف الى نحو 98,014 مليار دينار، مسجّلة نمواً بنسبة نمو 1.9 % عن نهاية العام 2024.
كما تشير بيانات البنك المركزي العراقي إلى أن مجموع ودائع القطاع المصرفي العراقي قد بلغ قرابة 111,065 مليار دينار، بتراجع بنسبة 9.6 % عن نهاية العام 2024. أخيراً، بلغ مجموع رؤوس أموال المصارف العاملة في العراق 20,841 مليار دينار، مسجّلة تراجعاً بنسبة 10.7 % عن نهاية العام 2024.
بيانات أكبر عشرة مصارف عراقية
يتضمّن الجدول رقم 2، موجودات ورأسمال أكبر 10 مصارف عراقية، بحسب آخر البيانات المتوافرة، وقد بلغ مجموع الموجودات لتلك المصارف 169,129 مليار دينار عراقي (نحو 129.6 مليار دولار) في نهاية العام 2024، ما يمثل نحو 90.1 % من مجمل موجودات المصارف العراقية، مما يدّل على التركز الكبير في القطاع المصرفي العراقي. كما بلغت الحصة السوقية لأكبر ثلاثة مصارف، وهي مصرف الرافدين والمصرف العراقي للتجارة ومصرف الرشيد، نحو 74.6 % من إجمالي موجودات القطاع المصرفي العراقي. كما لا تزال المصارف الحكومية تسيطر على الجزء الأكبر من القطاع المصرفي، حيث تدير المصارف الحكومية الستة ما نسبته 83.1 % من الموجودات المجمّعة للقطاع المصرفي، فيما تدير المصارف الأهلية نسبة 22.9 % من موجودات القطاع (13.1 % للمصارف التجارية و9.9 % للمصارف الإسلامية)، والمصارف الأجنبية نسبة 2.2 % (1.4 % للمصارف الأجنبية التجارية و0.8 % للمصارف الأجنبية الإسلامية).
وبالنسبة إلى مجموع رأسمال تلك المصارف العشرة، فقد بلغ 6,477 مليار دينار، ممثلاً نسبة 31.1 % من مجموع رؤوس أموال المصارف العاملة في العراق. من جهة أخرى، تُظهر بيانات البنك المركزي العراقي أن مجموع رؤوس أموال المصارف الحكومية قد وصل الى 4,952 مليار دينار في نهاية العام 2024، مقابل 6,439 مليار للمصارف الأهلية التجارية، و7,864 مليار للمصارف الاهلية الإسلامية، و931 مليار للمصارف الأجنبية التجارية، و208 مليار للمصارف الأجنبية الإسلامية.
الشمول المالي في العراق
يُواصل البنك المركزي العراقي جهوده لتعزيز الشمول المالي بوصفه أحد المحاور الأساسية لإصلاح القطاع المالي وتوسيع قاعدة التعامل مع النظام المصرفي الرسمي. وقد إتخذ البنك خلال السنوات الماضية سلسلة من الإجراءات والمبادرات التي إستهدفت رفع إستخدام الحسابات المصرفية، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني، وتحفيز التمويل الموجه للمشاريع، وربط شرائح أوسع من السكان بالقنوات المالية الرسمية.
وفي هذا السياق، شكّلت مبادرات دعم المشاريع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة منذ العام 2015، وتوطين الرواتب منذ العام 2016، ركيزتين أساسيتين في إدماج الأفراد والمؤسسات داخل المنظومة المصرفية. كما توسّعت الجهود لاحقاً لتشمل دعم المصارف التخصصية، وتمويل مشاريع الطاقة المتجدّدة، بما يعكس توجهاً لربط الشمول المالي بأهداف التنمية والإستدامة.
ضمن هذا الإطار، دفع البنك المركزي بقوة نحو التحوُّل الرقمي، عبر تطوير أنظمة المدفوعات والسماح بفتح الحسابات والمحافظ الإلكترونية وربط مزودي خدمات الدفع بالبنية المصرفية الرسمية، إلى جانب تحديث أنظمة المقاصة والتسوية وتعزيز أمن البنية التحتية الرقمية.
وقد أسهمت هذه الإجراءات في تسريع نمو المدفوعات غير النقدية بشكل واضح خلال العام 2024، إذ إرتفع عدد التحويلات المالية المنفّذة عبر البطاقات المحلية إلى 58.4 مليون تحويلة مقابل 18.6 مليون في 2023 (أي نمو بنسبة 213.6 % )، كما إرتفع عدد التحويلات المنفذة عبر الهاتف النقال والمحافظ الإلكترونية إلى 25.4 مليون تحويلة مقابل 13.2 مليوناً في العام السابق (نمو بنسبة 92.9 % ). كذلك سجّلت أوامر الدفع الدائنة الإلكترونية ضمن نظام المقاصة الإلكترونية 20.5 مليون تحويلة في 2024 مقابل 17.35 مليوناً في 2023، في حين بلغ عدد أوامر الدفع الدائنة ضمن نظام المقاصة الداخلية 43.7 مليوناً تحويلة مقابل 39.9 مليوناً في العام السابق. وتعكس هذه المؤشّرات تسارع الإنتقال نحو إقتصاد أقل إعتماداً على النقد وأكثر إعتماداً على القنوات الرقمية الرسمية.
وتعزّز هذا المسار بإطلاق الإستراتيجية الوطنية للشمول المالي في العراق 2025–2029، التي تمثل إطاراً مؤسسياً متوسط الأجل لتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية وتحسين إستخدامها، ولا سيما للفئات الأقل إستفادة مثل النساء والشباب والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتستهدف الإستراتيجية رفع ملكية الحسابات المصرفية أو حسابات النقود الإلكترونية إلى 50 % في حلول العام 2030، مقارنة بمستوى حالي يقارب 11 % وفق التشخيص الوطني المعتمد للإستراتيجية، إلى جانب تقليص الفجوة بين الجنسين في ملكية الحسابات، ورفع نسبة إستخدام المدفوعات الرقمية إلى 85 % .
كما تشير الإستراتيجية إلى أن العراق لا يزال دون المتوسط الإقليمي في كثافة نقاط الوصول المالية، إذ لا يتجاوز عدد الفروع المصرفية 4 فروع لكل 100 ألف بالغ مقابل 13 في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعدد أجهزة الصراف الآلي 10 أجهزة لكل 100 ألف بالغ مقابل 32 إقليمياً، وهو ما يُبرز أهمية إستمرار الإستثمار في البنية التحتية المالية والرقمية.
ضمن السياق عينه، واصل البنك المركزي العراقي تعزيز الثقة بالنظام المالي من خلال تطوير أطر الحماية والأمن السيبراني، وإنشاء قدرات رقابية وتحليلية متخصّصة لمواجهة المخاطر الرقمية، بما يدعم سلامة المدفوعات الإلكترونية وإستقرار القطاع المصرفي. وعليه، فإن مسار الشمول المالي في العراق لم يعد يقتصر على زيادة عدد الحسابات أو أدوات الدفع، بل أصبح جزءاً من مشروع أوسع لتحديث القطاع المالي وتحسين كفاءته ورفع قدرته على دعم النمو الإقتصادي والإستقرار النقدي في بيئة تتجه تدريجياً نحو الرقمنة والتكامل المالي.
مؤشرات السلامة المالية
تُعد نسبة كفاية رأس المال من أبرز المؤشرات المستخدمة لتقييم متانة النظام المصرفي، وهي تعكس مدى قدرة المصارف على امتصاص الصدمات المالية المحتملة. وقد سجّلت هذه النسبة في العراق مستوى مرتفعاً بلغ نحو 34.2 % في الربع الثالث من العام 2025، ما يشير إلى وجود هامش أمان جيد يفوق الحد الأدنى الموصى به من قبل بازل 3، والبالغ 8 % . هذه النسبة العالية توحي بأن المصارف العراقية تتمتع برأسمال كاف لمواجهة المخاطر المحتملة. كما أن متوسط نسبة كفاية رأس المال الأساسي (Tier 1 Capital) بلغ 28.9 % ، وهو ما يُظهر أن الجزء الأكبر من رأس المال يتمتع بجودة عالية ويأتي من مصادر مستقرة، مثل رأس المال المدفوع والأرباح المحتجزة. تُعزز هذه النسبة الثقة في متانة النظام، لكنها تستوجب مقاربة توازن بين الحيطة والتوظيف الفعّال لرأس المال.
أما بالنسبة إلى القروض المتعثّرة، فقد إرتفعت إلى 18.1 % من إجمالي القروض في الربع الثالث من العام 2025، مقارنة بـ 16.9 % في نهاية العام 2024. ويعكس هذا الإرتفاع إستمرار الضغوط الإئتمانية وضعف جودة الأصول، مما يشير إلى تحدّيات في إدارة المحفظة الإئتمانية وضرورة تعزيز إجراءات التحصيل والمراجعة الإئتمانية.
من جهة أخرى، بلغ العائد على الأصول نحو 2.1 % في الربع الثالث من العام 2025، وهو معدّل جيد جداً مقارنة بعدد من الأنظمة المصرفية في الأسواق الناشئة. أما بالنسبة إلى مؤشر السيولة، فقد بلغ متوسط نسبة الأصول السائلة إلى إجمالي الأصول حوالي 49.6 % ، وهو مستوى مرتفع يدل على قدرة المصارف على الوفاء بإلتزاماتها قصيرة الأجل. إلاّ أن هذا المستوى العالي من السيولة قد يشير أيضاً إلى ضعف في التوظيف الإستثماري أو الإئتماني، مما قد يقلّل من فرص النمو والربحية إذا استمرت السيولة في البقاء غير موظفة بشكل فعّال.
وبشكل عام، تُظهر المؤشرات المالية أن القطاع المصرفي العراقي يتمتع بقدر عال من رأس المال والسيولة، ما يُوفر له قدرة جيدة على مواجهة الأزمات المحتملة. ومع ذلك، فإن بقاء نسب القروض المتعثّرة عند مستويات مرتفعة نسبياً، إلى جانب الحاجة لتحسين كفاءة إستخدام الموارد، يشير إلى أن الإستقرار المالي لا يزال يتطلّب مزيداً من الجهود في مجالات إدارة المخاطر وتنويع الإئتمان.
دور البنك المركزي العراقي في دعم التنمية المستدامة وتطوير القطاع المصرفي
يُواصل البنك المركزي العراقي أداء دور إستراتيجي في دعم مسار التنمية الإقتصادية وتعزيز الإستقرار المالي، من خلال تبنّي سياسات وإصلاحات هيكلية تهدف إلى تطوير القطاع المصرفي وتحسين كفاءته بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة 2030. ضمن هذا الإطار، يعمل البنك المركزي على تنفيذ مجموعة من المبادرات التي تركز على تعزيز الشمول المالي، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، وتحفيز الإبتكار المالي، إضافة إلى دعم تمويل القطاعات الإنتاجية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي مجال الشمول المالي، شهد العراق تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث إرتفعت نسبة الشمول المالي إلى نحو 48.5 % في العام 2024، مع إستمرار الجهود للوصول إلى مستويات أعلى خلال السنوات المقبلة. وقد تحقّق هذا التقدم نتيجة توسع الخدمات المصرفية الرقمية وإنتشار وسائل الدفع الإلكتروني، فضلاً عن برامج التثقيف المالي التي تستهدف النساء والشباب ورواد الأعمال. كما إرتفع عدد الحسابات المصرفية بشكل ملحوظ، حيث تضاعف من نحو 6 ملايين حساب في العام 2020 إلى أكثر من 13 مليون حساب في حلول العام 2023، ما يعكس توسّع قاعدة المتعاملين مع النظام المصرفي الرسمي.
كما أطلق البنك المركزي العراقي مجموعة من المبادرات لتعزيز التحوُّل الرقمي في النظام المالي، من أبرزها تطوير منظومة المدفوعات الوطنية وتوسيع إستخدام نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي، إضافة إلى دعم أنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول والتطبيقات المصرفية الرقمية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليل الاعتماد على النقد وتعزيز الشفافية في المعاملات المالية وتحسين كفاءة النظام المالي.
ومن بين المبادرات المهمة أيضاً مشروع توطين رواتب موظفي القطاع العام، الذي يهدف إلى تحويل رواتب الموظفين إلى حسابات مصرفية بدلاً من الدفع النقدي، مما أدى إلى إدخال ملايين الأفراد إلى النظام المصرفي الرسمي وتعزيز إستخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية. وقد ساهم هذا المشروع بشكل كبير في توسيع قاعدة العملاء لدى المصارف وزيادة الاعتماد على وسائل الدفع الرقمية.
وفي إطار دعم الإبتكار المالي والتكنولوجيا المالية، يعمل البنك المركزي على تطوير البيئة التنظيمية الداعمة للشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية، وتشجيع المصارف على تبنّي الحلول الرقمية الحديثة، بما يُسهم في تحسين كفاءة الخدمات المصرفية وتقليل التكاليف التشغيلية وتعزيز سرعة تنفيذ المعاملات المالية.
كما أطلق البنك المركزي العراقي مبادرات تمويلية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، شملت برامج إقراض ميسّرة عبر المصارف المحلية لتمويل المشاريع الإنتاجية في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات. وتُعد هذه المبادرات جزءاً من سياسة إقتصادية أوسع تهدف إلى تنويع الإقتصاد العراقي وتقليل الإعتماد على القطاع النفطي، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة وتحفيز النشاط الإقتصادي.
وفي سياق تطوير البنية التحتية المالية، عمل البنك المركزي على تحديث نظام المدفوعات الوطني ونظام المقاصة والتسويات الإلكترونية، بما يُعزّز سرعة وكفاءة تنفيذ التحويلات المالية ويزيد من موثوقية النظام المصرفي. كما يسعى البنك إلى توسيع إستخدام التحويلات الرقمية الفورية وربط المؤسسات المالية ضمن شبكة دفع وطنية متطوّرة.
أما على صعيد السياسة النقدية والإستقرار المالي، فقد واصل البنك المركزي إعتماد سياسات تستهدف الحفاظ على إستقرار الأسعار وتعزيز إستقرار سعر الصرف ودعم القوة الشرائية للدينار العراقي، إلى جانب تعزيز الإحتياطات الأجنبية لتوفير هامش أمان إقتصادي في مواجهة التقلبات الإقتصادية العالمية. كما يعمل البنك المركزي على تعزيز متانة القطاع المصرفي من خلال تطوير الأطر الرقابية وتطبيق المعايير الدولية في إدارة المخاطر والحوكمة المصرفية.
وفي إطار التوجه العالمي نحو التمويل المستدام، بدأ البنك المركزي العراقي أيضاً بتشجيع المصارف على تمويل المشاريع التي تراعي الأبعاد البيئية والإجتماعية، بما يتماشى مع التحوُّلات الدولية نحو الإقتصاد الأخضر، مع العمل على تطوير أطر تنظيمية تدعم التمويل الأخضر والإستثمارات المستدامة.
وبشكل عام، تعكس هذه المبادرات توجه البنك المركزي العراقي نحو بناء نظام مالي أكثر شمولاً وكفاءة وإستدامة، قادر على دعم التحوُّل الإقتصادي وتعزيز الإستقرار المالي في العراق، بما يُسهم في تحقيق التنمية الإقتصادية طويلة الأجل.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
مشاركة فاعلة لمصرف اليمن البحرين الشامل في فعالية أسبوع المال العالمي
ضمن فعاليات أسبوع المال العالمي 2026، وبرعاية كريمة من مصرف اليمن البحرين الشامل (الراعي المشارك)، نفّذ اليوم نادي رجال الأعمال – اليمن ، عدن سلسلة من ورش العمل التوعوية التي استهدفت فئات الأطفال والشباب، وفق ثلاث مراحل عمرية:
بذورالذكاءالمالي
للفئة العمرية (5 – 10 سنوات)
منمصروفجيب…إلىمحفظةأعمال
للفئة العمرية (11 – 16 سنة)
جيلالريادةوصناعةالثروة
للفئة العمرية (17 سنة فما فوق)
وهدفت هذه الورش إلى نشر الوعي المالي وغرس مفاهيم الذكاء المالي لدى المشاركين، من خلال أساليب تفاعلية مبسطة تناسب كل فئة عمرية، حيث تم تعريفهم بأساسيات الادخار، وأهمية التخطيط المالي، وكيفية إدارة المصروفات، وتنمية التفكير الريادي لبناء مستقبل مالي واعٍ.
كما شهدت الورش تفاعلاً مميزاً من المشاركين، ما يعكس أهمية هذه المبادرات في إعداد جيل قادر على اتخاذ قرارات مالية سليمة والمساهمة في بناء اقتصاد مستدام.
المصارف العراقية بين إعادة هيكلة جذرية وإمتثال دولي صارم
لا شك في أن المصارف العراقية تسير في ظل الأزمات الإقليمية المتسارعة نحو إعادة هيكلة جذرية وإمتثال دولي صارم، حيث يركّز البنك المركزي العراقي على إستخدام التكنولوجيا، وتطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، وتعزيز الشمول المالي لضمان الإستمرارية. وفي هذا السياق، نؤكد أهمية دور المصارف العربية، وبينها العراقية طبعاً، في التنمية ومواجهة التحدّيات، وتعزيز الخدمات المالية الرقمية لتقليص الفجوة المالية، كما نشدّد على وضع إتحاد المصارف العربية كل إمكاناته لدعم جهود «المركزي العراقي» الإصلاحية، وتقديم الدعم الفني والتقني للمصارف العراقية، وخصوصاً في مجالات التحوّل الرقمي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
أما أبرز ملامح وضع المصارف العراقية حالياً، فنلخّصها في أن ثمّة مصارف أهلية عدة كانت قد واجهت قيوداً من الخزانة الأميركية بسبب إتهامات بتهريب العملة الصعبة، مما فرض ضرورة إصلاح شامل. وفي هذا المجال يُطبّق البنك المركزي العراقي إستراتيجية خطة الإصلاح (2024 – 2026)، لتعزيز القدرة المؤسسية وإستمرار الأعمال، مما قد يُخرج نصف المصارف غير الممتثلة من السوق.
وفي السياق عينه، وفي ظل التحوُّل الرقمي، هناك سعي لزيادة نسبة المدفوعات الرقمية، والتحوُّل نحو الخدمات الإلكترونية لتقليل التعامل النقدي، فيما يشدّد «المركزي العراقي» على تعيين إدارات مؤهلة وتطبيق نظام إستعلام إئتماني متكامل.
وفي هذا الإطار، نشدّد على أن المصارف العربية، ومن ضمنها العراقية، يجب أن تشكل ركيزة أساسية في تنمية الإقتصاد وتتجاوز التحدّيات الجيوسياسية، مما يؤكد ضرورة إعتماد المصارف على التكنولوجيا والإبتكار الرقمي لمواجهة المخاطر والإضطرابات في المنطقة، فضلاً عن التركيز على تعزيز الحوكمة والإدارة الرشيدة لرفع كفاءة القطاع المصرفي.
وبناء عليه، تقوم المصارف العراقية بتنشيط وتفعيل برامج التدريب والتوعية وبناء القدرات في مجالات الإمتثال وإدارة المخاطر والخدمات الرقمية والموارد البشرية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وبحسب القوانين والتشريعات الدولية المرعية في هذا المجال.
وفي هذا السياق، نُشيد بالشراكة الإستراتيجية بين القطاعين المصرفيين العراقي والألماني، والتي أبرمتها رابطة المصارف الخاصة العراقية بغية تعزيز التكامل المالي. علماً أنها تشكل خطوة تعكس إلتزام الجانبين في تعزيز التكامل المهني بينهما، ودعم مسار التطوير المؤسسي وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية، بهدف التعاون في مجالات التدريب المصرفي المتخصّص، والإستشارات وتطوير الإستراتيجيات، وبناء القدرات المؤسسية، وتبادل الخبرات الفنية، ودعم التحوُّل الرقمي، والإمتثال وإدارة المخاطر، بما يُسهم في رفع جاهزية المصارف العراقية وتعزيز قدرتها التنافسية.
كما أن هذه الشراكة ستدعم تعزيز وصول القطاع المصرفي العراقي إلى المؤسسات والأسواق الألمانية، وتحفيز إهتمام وإستثمارات المصارف والشركات الألمانية في العراق، من خلال توفير بيئة مهنية داعمة وتعزيز فهم الأطر التنظيمية والفرص الإستثمارية وبناء الثقة المتبادلة بما يمهّد لإطلاق شراكات مالية وإقتصادية مستدامة.
في المحصّلة، يدخل العراق مرحلة جديدة من النمو الديناميكي والفرص الإقتصادية بفضل الإصلاحات المصرفية الشاملة التي يقودها البنك المركزي العراقي بدعم حكومي. وبحسب شركة Oliver Wyman الأميركية للتدقيق والإستشارات المالية، فإن الإصلاحات المصرفية في العراق تدشّن حقبة جديدة من النمو الإقتصادي. علماً أن برنامج إصلاح القطاع المصرفي الذي أُطلق في أبريل/نيسان 2025 يُمثّل تحوُّلاً جوهرياً نحو بناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وإستدامة، قادر على تحفيز الإستثمار وتنمية القطاع الخاص وتعزيز الارتباط المالي الدولي.
À l’heure où les économies du monde arabe traversent des transformations profondes, marquées par des mutations technologiques accélérées, des défis socio-économiques persistants et des impératifs croissants en matière de durabilité, le rôle des institutions financières n’a jamais été aussi déterminant. Dans ce contexte, cette 11ᵉ édition de la Revue UAB, consacrée au thème « Femmes, entrepreneuriat et responsabilité sociale : les banques au cœur des nouveaux modèles de croissance », s’inscrit pleinement dans une vision stratégique visant à repenser les fondements du développement économique dans notre région. L’entrepreneuriat féminin apparaît aujourd’hui comme un levier incontournable de croissance inclusive. Il constitue non seulement une réponse aux défis de l’emploi et de l’innovation, mais également un moteur essentiel de résilience économique et sociale. Pourtant, les femmes entrepreneures continuent de faire face à des obstacles structurels, notamment en matière d’accès au financement, d’accompagnement et d’intégration dans les chaînes de valeur. C’est précisément ici que le secteur bancaire est appelé à jouer un rôle catalyseur. Au-delà de sa fonction traditionnelle d’intermédiation financière, la banque doit devenir un acteur engagé dans la construction d’écosystèmes favorables à l’entrepreneuriat, en particulier féminin. Cela passe par le développement de produits financiers inclusifs, l’intégration des critères ESG dans les stratégies d’investissement, ainsi que par le renforcement des partenariats avec les institutions internationales, les régulateurs et les acteurs de la société civile. Les contributions réunies dans cette édition, portées par des experts de renom et des institutions internationales de premier plan, mettent en lumière les synergies entre inclusion financière, responsabilité sociale et performance économique. Elles démontrent que l’intégration des enjeux sociaux et environnementaux n’est plus une option, mais une condition essentielle de compétitivité et de pérennité pour les banques. L’Union des Banques Arabes réaffirme, à travers cette publication, son engagement constant en faveur de l’autonomisation économique des femmes, de la promotion de l’inclusion financière et du renforcement du rôle des banques en tant que piliers du développement durable dans la région arabe. Plus que jamais, il est impératif de bâtir des modèles de croissance plus équitables, plus résilients et plus durables. Les banques, en tant qu’acteurs centraux de l’économie, ont la responsabilité et l’opportunité de conduire cette transformation.
نظّمها إتحاد المصارف العربية فعّاليات الحلقة الأولى
من «البرنامج التنفيذي المتقدّم في إدارة المخاطر المصرفية وتطبيقات بازل»
في شرم الشيخ
جاء إنطلاق فعّاليات الحلقة الأولى من «البرنامج التنفيذي المتقدّم في إدارة المخاطر المصرفية وتطبيقات بازل» الذي نظمه إتحاد المصارف العربية بدعم من البنك المركزي المصري والبنك الأهلي المصري وبنك مصر، والذي توجّه الى العاملين في إدارة المخاطر في كل فروعها، وإدارة الأصول والخصوم والإمتثال والرقابة المالية في البنوك المصرية، في مدينة شرم الشيخ، مصر، تأكيداً على أهمية الأحداث الجيوسياسية المتسارعة والتي تؤدي إلى تغيير جوهري في طبيعة المخاطر المصرفية.
وقد إفتتح أعمال البرنامج الدكتور وسام فتوح، الأمين العام لإتحاد المصارف العربية، في حضور محمد أبو السعود، الرئيس التنفيذي للبنك الزراعي المصري وعضو مجلس إدارة إتحاد بنوك مصر، وعمر عبد الغني، رئیس مجموعة مخاطر الشركات الكبرى والقروض المشتركة في البنك الأهلي المصري، ووليد البرعي رئيس قطاع هيكلة ومعالجة الديون في بنك مصر، فضلاً عن خبراء البرنامج عدنان ناجي، الرئيس التنفيذي للشركة الأردنية لضمان القروض، والمستشار السابق لإدارة المخاطر في البنك المركزي الأردني، والأستاذ الجامعي، لبنان فادي فقيه، الخبير الإستراتيجي في إدارة المخاطر والحوكمة والإمتثال ومدير المخاطر في البنوك اللبنانية سابقاً.
وقد شارك في هذا البرنامج زهاء 60 شخصاً من مدراء المخاطر والحوكمة والإمتثال في مصر وبعض الدول العربية. وتناولت الحلقة الأولى منه، أسس بازل III وبازل IV، وهيكل رأس المال والسيولة، وإدارة مخاطر الإئتمان والتشغيل وإطار الرافعة المالية، والمخاطر الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة العربية في وقتنا الراهن.
وقد إمتد هذا البرنامج على 100 ساعة موزّعة على 4 حلقات، مدة كل حلقة 5 أيام، بواقع 5 ساعات يومياً. وستُعقد الحلقات الباقية منه في مايو/أيار في الاسكندرية، ويوليو/تموز في الغردقة (مصر) وفي سبتمبر/أيلول 2026 في العاصمة اللبنانية بيروت.
أما الحلقات الثلاث التالية فستتناول بازل III/IV المتقدّمة، مخاطر السوق، إختبارات الضغط، ILAAP/ICAAP، الإمتثال مخاطر المناخ، الحوكمة البيئية والإجتماعية وحوكمة الشركات ESG، إدارة المخاطر المتقدّمة، فضلاً عن مخاطر التحوُّل الرقمي والمخاطر الناشئة، فضلاً عن حالات عملية.
الأمين العام لإتحاد المصارف العربية د. وسام فتوح:
التحدّيات تتفاقم في منطقتنا العربية نتيجة تعدُّد أماكن النزاعات
فإنعكست على الأسواق المالية وتراجع النشاط الاقتصادي
وحركة التجارة وثقة المستثمرين
وتحدث الأمين العام لإتحاد المصارف العربية الدكتور وسام فتوح قائلاً: «إن الأحداث الجيوسياسية المتسارعة تؤدي إلى تغيير جوهري في طبيعة المخاطر المصرفية، حيث لا تُعدُّ المخاطر التقليدية مثل مخاطر الإئتمان أو السيولة وحدها كافية لتقييم صحة المؤسسات المالية، فالتوترات الإقليمية، والنزاعات المسلحة، والتقلُّبات في أسواق الطاقة والعملات، تعمل على إحداث صدمات مفاجئة تؤثر على أصول المصارف، وتغيّر ملفات المخاطر، وقد تُجبِر المصارف إلى إعادة تقييم السياسات الإئتمانية، وإعادة هيكلة محافظها الإستثمارية لتتماشى مع المتغيّرات الجديدة، وتبنّي نهج قائم على السيناريوهات(Scenario Analysis) لمحاكاة تأثير الأحداث الجيوسياسية على مختلف أنواع المخاطر».
وإذ لفت إلى أن تنظيم هذه الفعّاليات «يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتقاطع فيه التحدّيات المصرفية مع التحوُّلات الإقتصادية والجيوسياسية على المستويين الإقليمي والدولي»، قال د. فتوح: «إن هذا البرنامج لا يقتصر على كونه نشاطاً تدريبياً تقليدياً، بل يُمثل منصّة متقدّمة لتعزيز القدرات المهنية والفنية في مجال إدارة المخاطر، وفق أحدث المعايير الدولية، وفي مقدّمها أطر بازل 3 وبازل 4، إذ أصبحت إدارة المخاطر اليوم حجر الزاوية في إستدامة المؤسسات المصرفية، ولم تعد وظيفة داعمة، بل تحوّلت إلى عنصر إستراتيجي في صنع القرار المصرفي».
وأضاف د. فتوح «لا يُمكن الحديث عن إدارة المخاطر اليوم بمعزل عن السياق الجيوسياسي العالمي، إذ إنّنا نشهد حالة غير مسبوقة من عدم اليقين. فالتوترات الإقليمية والدولية، والحروب الدائرة، والتغيُّرات في موازين القوى الاقتصادية، كلُّها عوامل تعيد رسم خريطة المخاطر التي تواجه القطاع المصرفي».
وتابع د. فتوح: «في منطقتنا العربية، تتفاقم التحدّيات نتيجة تعدُّد أماكن النزاعات، والتي إنعكست بشكل مباشر على الأسواق المالية، وتراجع النشاط الإقتصادي في عدد من الدول، وحركة التجارة، وثقة المستثمرين»، مشيراً إلى «أن كلّ هذه الظروف تفرض على المصارف العربية تعزيز مرونتها في مواجهة الصدمات وإعادة تقييم إستراتيجياتها».
وإذ أكد «أن هذا اللقاء يُشكل منصّة حقيقية لتبادل المعرفة والخبرات، بما يُسهم في تعزيز قدرات مؤسساتنا المصرفية، ودعم إستقرار أنظمتنا المالية، رأى د. فتوح أنه «رغم أننا نشهد اليوم تحوّلات عالمية مهمّة في قطاع الطاقة، حيث يتجه العالم تدريجياً نحو تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجدّدة، في إطار التحول نحو الإقتصاد الأخضر، إلاّ أن هذا التحوُّل لا يلغي الأهمية الإستراتيجية للنفط والغاز، بل يُعيد تشكيل أدوارهما ضمن مزيج الطاقة العالمي»، متوقّعاً «أن تبقى أسعار النفط عرضة لتقلُّبات حادة، نتيجة التوترات الجيوسياسية، وسياسات الإنتاج، والتغيُّرات في الطلب العالمي».
وفي ما يتعلق بالملاذات الآمنة، قال د. فتوح: «إن المشهد الحالي يعكس حالة من التوازن النسبي بين الدولار والذهب. فالدولار لا يزال يحتفظ بمكانته كعملة إحتياط عالمية، مدعوماً بقوة الإقتصاد الأميركي وعمق الأسواق المالية، في حين يشهد الذهب إقبالاً متزايداً في فترات عدم اليقين، بإعتباره مخزناً للقيمة وأداة للتحوُّط ضد التضخُّم والتقلُّبات، وتالياً، فإن التوجُّه العام يشير إلى تنويع المحافظ الاستثمارية بين هذين الأصلين، بدلاً من الإعتماد على أحدهما فقط»، لافتاً إلى «أن التحدّيات التي نواجهها اليوم، رغم صعوبتها، تشكل في الوقت ذاته فرصة لإعادة بناء نماذج عمل أكثر صلابة واستدامة في القطاع المصرفي العربي، وأن الإستثمار في الكفاءات البشرية، وتعزيز المعرفة، وتبادل الخبرات، هو السبيل الأمثل لمواكبة هذه التحوُّلات».
رئيس الإتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين MIDEL
وعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف USJ
يُواجه لبنان منذ سنوات عدّة تضخُّماً هائلاً، إذ يشلّ الإقتصاد ويُؤخّر نسبة العيش، فما هي التوقُّعات والمؤشّرات لعام 2026؟
إنّ التضخُّم الذي يُواجه لبنان راهناً، يرتبط بأمرَين مختلفَين: الأول، التضخُّم الداخلي الذي يرتبط بزيادة الأسعار وكلف الإنتاج على الساحة المحلية، والثاني، يرتبط بالتضخُّم الدولي وتراجع قيمة العملات، والأجواء الحربية والجيوسياسية وعدم إستقرار الأسواق.
نبدأ بالحديث عن التضخُّم الدولي الذي يتزايد سنة بعد أخرى، ويرتبط مباشرة بتقلُّبات الأسعار النفطية والغازية، وبإقتصاد الحرب في ظل تفاقم الحروب الدولية: فهذه السنة الخامسة توالياً للحرب الروسية – الأوكرانية، التي هي وكالة للحرب الأميركية – الأوروبية ضدّ روسيا، وأيضاً تغيُّرات كبيرة في فنزويلا مع وضع اليد الأميركية على النفط والغاز هناك، كذلك حرب باكستان مع أفغانستان، وحروب متفرّقة في إفريقيا، أبرزها في السودان ومالي والكونغو والصومال وغيرها.
فإقتصاد الحرب يزيد الإنفاق لصناعة السلاح، أسعار المعادن، وتكاليف الإنتاج والنقد والتأمين، ويدفع إلى إرتفاع أسعار البضائع والخدمات، وأيضاً تقلُّبات الأسعار الغازية والنفطية التي تؤدّي إلى زيادة الأسعار الأساسية وزيادة التضخُّم.
أمّا الحرب الجديدة بين الولايات المتحدة، إسرائيل وإيران، فستكون لها تداعيات كبيرة ليس فقط تضخُّمية لكن أيضاً من خلال نقل البضائع عبر مضيق هرمز الذي يُعتبَر الأهم في التجارة الدولية، ويمرّ فيه أكثر من 20% من الفيول الدولي، ويكوّن موقعاً إستراتيجياً للغاز الطبيعي المسال.
فإقتصاد الحرب يشلّ الإستثمارات والحركة الإقتصادية والتجارية، ويزيد على نحو أكثر التضخُّم الدولي، ممّا يؤدّي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين.
أمّا في لبنان، وهو بلد مستورِد بامتياز، فيدفع ثمناً باهظاً ومباشراً للتضخُّم الدولي الذي يرفع الأسعار. أمّا بالنسبة إلى التضخُّم المحلي الداخلي، فنذكّر أنّه في العام 2024، وصل التضخُّم إلى نسبة 45,2%، وذلك جرّاء إنهيار العملة الوطنية وتقلُّبات أسعار الصرف والسوق السوداء، ما أدّى إلى إنهيار نسبة العيش وزيادة نسبة الفقر إلى قمم لم نعرفها قبلاً.
أمّا في العام 2025، فقد استقرّت نسبة التضخُّم على 14,8%، جرّاء تثبيت سعر الصرف على 89 ألفاً و500 ليرة، وتحويل الإقتصاد اللبناني إلى مُدَولَر. لكنّ هذه الأرقام مخيفة، لأنّها تسمّى بالـ Double Digit، وهذا يعني رقمَين للتضخُّم، ولها إرتدادات مباشرة على مداخيل الأُسر، إستثماراتهم، إنفاقهم، ونسبة عيشهم.
وفي العام 2026، دلّت المؤشّرات إلى إمكانية الوصول لتضخُّم بنسبة 10,8% أو ما يقارب 11%، حسب المراصد الدولية، لكن بعد القرار العشوائي بزيادة صفيحة البنزين 300 ألف ليرة (زيادة بنسبة 25%)، و1% على ضريبة القيمة المضافة، فستزداد مباشرة نسبة التضخُّم بنحو 5%. فنسب التضخُّم المتوقّعة في العام 2026 ستُقارب الـ20%، ممّا سيؤثر مباشرة على كل الأسعار الأساسية والتكاليف المعيشية، وتؤخّر الإستهلاك وتُضعف على نحو أكثر الطبقات الوسطى، ويُمكن أن تؤدّي إلى أزمات إجتماعية لم نشهدها قبلاً.
والكارثة الأكبر، هي أنّ زيادة هذه الضرائب والتضخُّم، هي لتمويل القطاع الأقل إنتاجية في البلاد، والمسؤول المباشر وغير المباشر عن أكبر أزمة مالية – نقدية في التاريخ، فعوضاً عن وضع الإصبع على الجرح، وإعادة الهيكلة الداخلية قبل أي زيادة وهمية، إختار المسؤولون الطريق الأسهل لهم، وهو الأصعب للشعب والإقتصاد الذي يؤدي إلى زيادة التضخُّم، شلّ الإستثمارات وتراجع الإنماء.
في المحصّلة، إنّ لبنان واللبنانيِّين يُواجهون تضخُّماً مفرطاً، سيُؤثر مباشرةً على الإنماء الإقتصادي، الإستثمارات، الإستهلاك وخصوصاً على نسب العيش. إنّ الإختباء وراء الأصبع لتأمين إيرادات الدولة على المدى القصير سيتبخّر سريعاً، لأنّ هذه الزيادة الوهمية للرواتب ستخلق تضخُّماً هائلاً، فما يُعطى بيَد سيؤخذ أضعافاً في اليد الأخرى.
;شف تصنيف حديث أصدره «First Bank» لأكبر 100 بنك في الوطن العربي من حيث حجم الأصول في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، عن وجود 11 علامة محلية مصرية ضمن القائمة.
وقد إعتمد التصنيف على ترتيب البنوك وفق حجم الأصول المعلن والمقوّم بالدولار، بما يُوفر أداة مقارنة موحّدة بين المؤسسات المصرفية المختلفة، كما إستثنى التصنيف البنوك التي لا تتوافر عنها بيانات رسمية، لضمان دقة النتائج وموثوقية المنهجية المعتمدة.
وبالتطرُّق إلى ترتيب البنوك ضمن التصنيف، نجد أن البنك الأهلي المصري جاء في المركز السابع عربياً والأول على مستوى البنوك المصرية بحجم أصول بلغ 186.67 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وحصد بنك مصر المركز الثالث عشر عربيًا والثاني مصريًا بحجم أصول بلغ 86.49 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وإنتزع البنك التجاري الدولي (CIB) المركز الـ39 عربياً والثالث بين البنوك المصرية، حيث بلغت محفظته من الأصول 28.2 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وجاء البنك العربي الإفريقي الدولي في المركز 48 عربياً والرابع مصرياً بحجم أصول بلغ 19.04 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، يليه بنك القاهرة في المركز الـ69 عربياً والخامس على مستوى البنوك المصرية في محفظة أصول سجلت 11.18 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وإقتنص بنك فيصل الإسلامي المصري المركز الـ87 عربياً والسادس بين البنوك المصرية بحجم أصول بلغ 5.24 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، ثم بنك قناة السويس في المركز 89 عربياً والسابع مصرياً بحجم أصول سجل 4.84 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وحصد بنك الإسكندرية المركز الـ90 عربياً والثامن مصرياً بحجم أصول بلغ 4.72 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، تلاه بنك التعمير والإسكان في المركز الـ93 عربياً والتاسع بين البنوك المصرية بحجم أصول بلغ 4.38 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وحصل البنك المصري لتنمية الصادرات (EBank) على المركز الـ96 عربياً والـ10 على مستوى البنوك المصرية بحجم أصول بلغ 4.13 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، ثم بنك الشركة المصرفية العربية (saib) بحجم أصول بلغ 3.75 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
كشف تصنيف حديث أصدره «First Bank» لأكبر 100 بنك في الوطن العربي من حيث حجم الأصول في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، عن وجود 10 بنوك سعودية ضمن القائمة.
وقد إعتمد التصنيف على ترتيب البنوك وفق حجم الأصول المعلن والمقوّم بالدولار، بما يُوفر أداة مقارنة موحدة بين المؤسسات المصرفية المختلفة، كما إستثنى التصنيف البنوك التي لا تتوافر عنها بيانات رسمية، لضمان دقة النتائج وموثوقية المنهجية المعتمدة.
وتضمن التصنيف المجموعات المصرفية الأم في مختلف البلدان العربية ولم يتضمّن البنوك الخارجية التابعة لها.
وبالتطرُّق إلى ترتيب البنوك ضمن التصنيف، نجد أن البنك الأهلي السعودي جاء في المركز الثالث عربياً والأول سعودياً بحجم أصول بلغ 321.74 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وقد إقتنص مصرف الراجحي المركز الخامس عربياً والثاني بين البنوك السعودية، حيث بلغت محفظته من الأصول 282.45 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وقد جاء بنك الرياض في المركز التاسع عربياً والثالث على مستوى البنوك السعودية بحجم أصول بلغ 135.34 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وقد حصد البنك السعودي الأول (SAB) المركز الـ11 عربياً والرابع سعودياً بحجم أصول بلغ 118.78 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، تلاه البنك السعودي الفرنسي في المركز الـ14 عربياً والخامس بين البنوك السعودية في محفظة أصول سجلت 83.98 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وقد إنتزع مصرف الإنماء المركز الـ17 عربياً والسادس على مستوى البنوك السعودية، حيث بلغ حجم أصوله 81.92 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وحصل البنك العربي الوطني على المركز الـ19 بين البنوك العربية والسابع سعودياً بحجم أصول بلغ 74.79 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، يليه البنك السعودي للإستثمار في المركز الـ27 عربياً والثامن على مستوى البنوك السعودية في محفظة أصول سجلت 46.64 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وحل بنك البلاد في المركز الـ28 عربياً والتاسع سعودياً بحجم أصول بلغ 44.78 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، ثم بنك الجزيرة في المركز الـ31 عربياً والـ10 بين البنوك السعودية بحجم أصول بلغ 43.58 مليار دولار في نهاية الفترة نفسها.
هيمنة خليجية على قائمة أكبر 100 بنك في الوطن العربي
كشفت قائمة «First Bank لأكبر 100 بنك في الوطن العربي في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، عن هيمنة خليجية واضحة على المشهد المصرفي العربي، حيث إستحوذت البنوك الخليجية على أكثر من نصف القائمة بواقع 59 بنكاً، في إنعكاس مباشر لقوة مراكزها المالية، وقدرتها على التوسع الإقليمي.
وتصدّر القطاع المصرفي الإماراتي القائمة، بعدما نجحت البنوك الإماراتية في حجز 17 مقعداً، بما يعكس متانة القطاع، وإستمرار دوره المحوري في دعم النشاط الإقتصادي على المستويين المحلي والإقليمي.
وجاء القطاع المصرفي الأردني في المركز الثاني، مستحوذاً على 12 مقعداً ضمن القائمة، مما يؤكد قدرته على الحفاظ على حضور قوي رغم التحدّيات الإقليمية.
وعلى صعيد القطاع المصرفي المصري، أثبتت البنوك المصرية صلابة مراكزها المالية، بعدما إستحوذت على 11 مقعداً ضمن القائمة، في مؤشر على دورها المتنامي في دعم النشاط الإقتصادي رغم التحدّيات الإقليمية والمحلية.
وحصدت البنوك السعودية 10 مراكز ضمن التصنيف، كما أظهرت القائمة تعزيزاً ملحوظاً للحضور الكويتي بواقع 9 بنوك، في حين سجّلت قطر والبحرين والمغرب تمثيلاً متوازناً بواقع 8 بنوك لكل دولة.
وفي المقابل، إستحوذت سلطنة عُمان على 7 مقاعد ضمن التصنيف، بينما جاء الحضور التونسي محدوداً نسبياً بـ4 بنوك، في حين إقتصر تمثيل كل من الجزائر ولبنان على مقعدين لكل دولة، وحصدت فلسطين والعراق مقعداً واحداً لكل منهما.
وقد إعتمد التصنيف على ترتيب البنوك وفق حجم الأصول المعلن والمقوّم بالدولار، بما يُوفر أداة مقارنة موحّدة بين المؤسسات المصرفية المختلفة، كما إستثنى التصنيف البنوك التي لا تتوافر عنها بيانات رسمية، لضمان دقة النتائج وموثوقية المنهجية المعتمدة.
وأظهرت القائمة حفاظ البنوك العشرة الأوائل على مواقعهم المتقدمة في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، من دون تغيّر مقارنة بقائمة «First Bank» لأكبر 100 بنك عربي في نهاية العام 2024، وهو ما يعكس إستقرار هياكل القوة داخل القطاع المصرفي العربي، وترسُّخ المراكز المالية للبنوك الكبرى.
وعلى صعيد ترتيب أكبر 10 بنوك ضمن القائمة، إحتل بنك قطر الوطني المركز الأول عربياً ومحلياً بحجم أصول بلغ نحو 381.10 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
وجاء بنك أبوظبي الأول في المركز الثاني عربياً والأول محلياً، بعدما وصلت أصوله إلى نحو 376.33 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، فيما حل البنك الأهلي السعودي في المركز الثالث عربياً والأول على المستوى المحلي، بحجم أصول بلغ 321.74 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وإحتل بنك الإمارات دبي الوطني المركز الرابع عربياً والثاني محلياً بحجم أصول بلغ حوالي 310.11 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، وتلاه مصرف الراجحي في المركز الخامس عربياً والثاني على المستوى المحلي بحجم أصول سجل 282.45 مليار دولار في نهاية الفترة ذاتها.
وسيطر بنك أبوظبي التجاري على المركز السادس عربياً والثالث على المستوى المحلي، بعدما سجّلت أصوله نحو 202.63 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، فيما جاء البنك الأهلي المصري في المركز السابع عربياً والأول محلياً بحجم أصول بلغ حوالي 186.67 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وإقتنص بنك الكويت الوطني المركز الثامن على مستوى البنوك العربية، والأول محلياً بحجم أصول وصل إلى 146.96 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، يليه بنك الرياض في المركز التاسع عربياً والثالث محلياً بحجم أصول سجل 135.34 مليار دولار في نهاية الفترة عينها.
وإستحوذ بنك بيت التمويل الكويتي على المركز العاشر عربياً والثاني على المستوى المحلي بعدما بلغت محفظته من الأصول نحو 133.35 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
دافوس «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الإقتصاد العالمي الجديد
وزير المالية السعودي محمد الجدعان: الإستقرار «مرساة» لمواجهة الغموض
جاء إجتماع قادة من الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية في العالم، في إطار المنتدى الإقتصادي العالمي، الذي إنعقد على مدار 5 أيام (ما بين 19 و23 يناير/كانون الثاني 2026)، في منتجع دافوس في جبال الألب السويسرية، مؤشراً غير مسبوق لمناقشة التحدّيات العالمية والأولويات المستقبلية، في ظل إضطرابات جيوسياسية متفاقمة، تشمل إستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات بين القوى الكبرى، وتزايد المخاوف من إندلاع مواجهات عسكرية مباشرة بين الدول.
وفي وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة، وسط «ضبابية» المشهد الإقتصادي، قدّمت السعودية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الإقتصادي، حيث رسم وزراء ومسؤولون في منتدى دافوس الإقتصادي، خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرّد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقّب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن إنتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محوّلة الإستقرار من مجرّد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزُّؤ.
وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الإقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الإقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.
الجدعان و«ضريبة الغموض»
وقد أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يُواجه المستثمرين عالمياً، مؤكداً أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى إستئصال آفة هذا الغموض، ومشدّداً على أن «المالية العامة هي مرساة الإقتصاد»، ومعلناً بوضوح: «لا نساوم على إستدامة المالية من أجل الإقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.
وأوضح الجدعان أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الإقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات، مؤكداً «أن المشهد الإقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى»، شارحاً فلسفة المملكة في إدارة البيئة الإستثمارية، ومشيراً إلى «أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلاّ أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلُّبات غير المتوقعة»، مشدّداً على «أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في إستئصال هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرّة تتيح للأعمال النمو من دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية».
العجز والدين
بدوره، قال وزير الإقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم: إن الإقتصاد السعودي إنتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الإقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع، مشيراً إلى أن إرتفاع العجز أو الدين، ولم يعد مجرّد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً إستراتيجياً» موجّهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.
وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الإقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، موضحاً أن هذا التحوُّل لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 % .
سوق العمل
من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلُّبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الإستقرار العالمي.
وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حقّقت معدّلات نمو تجاوزت التوقعات، عازياً هذا التفوّق إلى الإستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الإصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الإقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجّلت الصين نمواً بنحو 5 %، فيما لامست الهند حاجز الـ8 %.
التكنولوجيا والتعدين
وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الإصطناعي الطلب على المعادن، توفّر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.
ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع إستكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.
في المقابل، لفت الخريف إلى أن التوسُّع الهائل في تقنيات الذكاء الإصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرّك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.
الذكاء الإصطناعي
من ناحية أخرى، أكد وزير الإتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحة، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».
مزيج من القوى الإقتصادية والتكنولوجية والإجتماعية تُضخّم التوقُّعات إلى ما يتجاوز الواقع
قمّة دافوس 2026 تُحذّر من فقاعة الذكاء الإصطناعي
من إستراتيجيات إتحاد المصارف العربية لمواجهة مخاطر فقاعة الذكاء الإصطناعي:
ربط تبنّي الذكاء الإصطناعي بمكاسب إنتاجية حقيقية
بتوظيفه في أعمال مصرفية أساسية كإدارة المخاطر
عقدت قمّة دافوس 2026، الإجتماع السنوي للمنتدى الإقتصادي العالمي، ما بين 19 و23 يناير/كانون الثاني تحت شعار «روح الحوار»، وقد جمعت القمة أكثر من 60 رئيس دولة، و400 زعيم سياسي، وأكثر من 800 رئيس تنفيذي لمناقشة التحديات العالمية الأكثر إلحاحاً. وقد هيمن الذكاء الإصطناعي على جدول أعمال القمّة، حيث تحدّث قادة التكنولوجيا مثل إيلون ماسك، وجينسن هوانغ، ومسؤولون تنفيذيون من مايكروسوفت وغوغل ديب مايند عن مخاطر وفرص الذكاء الإصطناعي.
وخلال قمّة دافوس 2026، وجّه ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، تحذيراً شديد اللهجة من أن التوسّع السريع للذكاء الإصطناعي قد يتحوّل إلى فقاعة إذا إقتصرت فوائده على عمالقة التكنولوجيا والدول الغنية، مؤكداً ضرورة أن يحقّق الذكاء الإصطناعي مكاسب ملموسة في الإنتاجية في قطاعات مثل الرعاية الصحية والتعليم والزراعة والتصنيع لتبرير ارتفاع قيمته السوقية، ومحذّراً من أنه إذا لم تصل أدوات الذكاء الإصطناعي إلى الشركات الصغيرة والعاملين في الخطوط الأمامية والمناطق المحرومة، فقد تواجه تقنية الذكاء الإصطناعي فقاعة مثل الفقاعات التي واجهتها التقنيات السابقة بسبب الضجة الإعلامية التي تفوق التأثير الفعلي.
وحثّ ناديلا صانعي السياسات وقادة التكنولوجيا على إعطاء الأولوية لضمان الفائدة للإقتصاد بشكل عام من الذكاء الإصطناعي.
المؤتمر العربي الثاني لمكافحة الإحتيال في الأقصر/مصر
مبادرة تجمع بين الاجهزة القضائية والأمنية والمصارف لمكافحة الإحتيال
جاء إفتتاح المؤتمر العربي الثاني لمكافحة الإحتيال في الأقصر/مصر، تحت رعاية محافظ البنك المركزي المصري معالي الأستاذ حسن عبد الله وفي حضوره، والذي نظمه إتحاد المصارف العربية بالتعاون مع «المركزي المصري»، وإتحاد بنوك مصر، ووحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مصر، وجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، السعودية، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة لدول مجلس التعاون الخليجي UNODC، على مدار ثلاثة أيام، تأكيداً على أهمية دور الذكاء الإصطناعي وتحليل البيانات في كشف عمليات الإحتيال، والتحدّيات القانونية والإجرائية لتبادل المعلومات في ظل مكافحة الإحتيال، وجهود المؤسسات الدولية في توظيف تقنيات مكافحة الإحتيال المدعومة بالذكاء الإصطناعي، ودور مجالس الإدارة والإدارة العليا في تعزيز ثقافة مكافحة الاحتيال، وجودة العملات النقدية وإنعكاسها على عمليات الفحص، ودور الذكاء الإصطناعي في الإستثمار الآمن والتوعية بالممارسات الإحتيالية في الأسواق المالية، وكشف أسرار الإحتيال المالي الرقمي، وتمكين المحقّقين في جرائم الإحتيال المالي وبناء قدراتهم في عصر التطوُّر الرقمي، والمسؤولية المشتركة للقطاعات المختلفة في مكافحة الإحتيال. علماً أن المؤتمر صاحبه معرض متخصّص للمؤسسات المصرفية والمالية المشاركة.
وشارك في الإفتتاح إلى راعي المؤتمر محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله، والمهندس عبد المطلب عماره محافظ الأقصر، كل من السادة: محمد الأتربي رئيس مجلس إدارة إتحاد المصارف العربية ورئيس إتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، والدكتور وسام فتوح الأمين العام لإتحاد المصارف العربية، والدكتور خالد بن عبد العزيز الحرفش أمين المجلس الأعلى ووكيل العلاقات الخارجية في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في السعودية، والدكتور حاتم علي مدير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة لدول مجلس التعاون الخليجي، والمستشار أحمد سعيد خليل رئيس مجلس الأمناء في وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مصر، وعدد كبير من الخبراء والمصرفيين المصريين والعرب.
محافظ الأقصر معالي المهندس عبد المطلب عماره:
إتحاد المصارف العربية منصّة فاعلة لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات
في كلمته، رحب محافظ الأقصر، المهندس عبد المطلب عماره بضيوف المؤتمر من الخبراء والمصرفيين العرب في مدينة الأقصر، مؤكداً «أهمية إحتضان محافظة الأقصر لمثل هذا المؤتمر الذي يُعد إضافة وإثراء للمحافظة بإعتباره إحتفالية في قطاع يصنع الثقة ويحمي الإستقرار ويصل الإقتصادات ببعضها، ويُعدّ ركيزة أساسية من ركائز الإستقرار المالي وداعماً مهماً للإقتصادات الوطنية في عالمنا العربي»، متمنّياً في «أن يُساهم المؤتمر في تعزيز التعاون العربي المشترك، لا سيما وأنه يناقش إحدى القضايا الحيوية التي تمسّ أمن الإقتصادات الوطنية العربية مثل مكافحة الاحتيال المالي»، ومشيداً بجهود إتحاد المصارف العربية «بإعتباره منصّة فاعلة لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات، وتوحيد الجهود لمواجهة التحدّيات المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي سواء على مستوى التشريعات، أو التحوُّل الرقمي، أو متطلّبات الإمتثال والحوكمة، ومكافحة الإحتيال المالي، وتسهيل حركة الأموال، وتعزيز الشمول المالي، بما يخدم مصالح مجتمعاتنا، ويُواكب تطلُّعات شعوبنا نحو نمو مستدام وإقتصاد أكثر مرونة». علماً أن محافظ الأقصر كان قد شارك في حضور الجلسة الأولى والتي تخلّلتها كلمة رئيسية بعنوان: «نظرة عامة على أعمال مكافحة الإحتيال في القطاع المصرفي المصري».
رئيس إتحاد المصارف العربية محمد الإتربي:
التطوّر الكبير في مجال التكنولوجيا يتطلّب صوغ استراتيجية متكاملة واستباقية
وقال محمد الإتربي، رئيس إتحاد المصارف العربية ورئيس إتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري: «إن البنوك المصرية تُطوّر أنظمة تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني بشكل مستمر لمواكبة التطور التكنولوجي المتسارع ودعم الجاهزية لمواجهة أية مخاطر محتملة»، موضحاً «أن إجمالي ودائع البنوك المصرية إرتفع إلى 15.3 تريليون جنيه، وأن حجم أصول القطاع المصرفي المصري إرتفع إلى 24 تريليون جنيه، مما يعكس قوة مؤشّرات الأداء المصرفي في مصر».
وأضاف الإتربي: «إن التطوُّر الكبير في مجال التكنولوجيا وآليات الذكاء الإصطناعي وما يرتبط به من الجرائم المالية والإقتصادية يتطلّب صوغ إستراتيجية متكاملة وإستباقية لدعم الأمن السيبراني وتعزيز الوعي المجتمعي لمواجهة الجيل الجديد من الجرائم المالية»، لافتاً إلى «أهمية ترسيخ الثقة مع العملاء، وزيادة برامج التوعية وخطط إستمرار الأعمال والتعافي السريع وهو ضرورة لقوة الأنظمة الدفاعية للبنوك في مواجهة المخاطر المحتملة».
الدكتور خالد بن عبد العزيز الحرفش:
نعمل على دعم الجهود المشتركة لتعزيز التعاون العربي في المجالات العدلية والقانونية
وقال الدكتور خالد بن عبد العزيز الحرفش أمين المجلس الأعلى ووكيل العلاقات الخارجية في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في السعودية: «تعمل جامعة نايف على دعم الجهود المشتركة لتعزيز التعاون العربي في المجالات العدلية والقانونية، وفي مقدّمها تشريعات مكافحة الجرائم الإقتصادية، التي تضعها الجامعة ضمن أولوياتها».
أضاف د. الحرفش: «إن مكافحة الإحتيال المالي لم تعد تحدّياً فنياً أو رقابياً فحسب، بل مسؤولية مشتركة تتطلّب تشريعات مرنة، وقدرات متخصّصة، وتكاملاً فعّالاً بين الجهات الأمنية والمالية والرقابية، وأتطلّع في أن يُسهم هذا المؤتمر في تعميق التنسيق وتبادل الخبرات، وتقديم حلول عملية تُعزّز حماية الإقتصادات وترفع كفاءة المواجهة في هذا المجال المتسارع».
الدكتور حاتم علي:
باتت جريمة الإحتيال المالي تُمثل خطراً على الدول والمؤسسات المالية والمصرفية
وقال مدير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لدول مجلس التعاون الخليجي د. حاتم علي: «لقد باتت جريمة الإحتيال المالي تُمثل خطراً ليس على الأفراد والشعوب وحسب، بل على الدول كما على المؤسسات المالية والمصرفية في هذه الدول»، مشيراً إلى بروز الإحتيال مؤخراً، والذي يتعلق بالصكوك المزوّرة لجمع التبرّعات لبناء مستشفيات ومساكن، مما يهدّد محدودي الدخل»، وقال: «عندما إلتحقتُ في الأمانة العامة لإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظّمة، العابرة للحدود الوطنية، كانت جرائم الإحتيال المالي قد وصلت إلى درجة تنص الإتفاقيات الدولية في شأنها على ضرورة قيام الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وما بين الحكومة والمجتمع المدني لوضع إطار دولي لمكافحة الإحتيال المالي، الذي يهدّد الدول والعالم أجمع».
أضاف د. حاتم علي: «لقد أصبحت هناك مؤسسات إجرامية منظّمة تنتحل صفة البنوك والمؤسسات المصرفية حيث تأخذ الأموال وتضعها في مقرّ الإحتيال الإفتراضي الذي يدّعي صفة البنك أو المؤسسة المالية»، عارضاً حالات معينة من الإحتيال في هذا الشأن، وملاحظاً «أن في إحدى دول المنطقة، قامت إحدى العصابات الإجرامية بإنتحال صفة إحدى الجهات الحكومية في هذه الدولة، بغية تجديد هويات المقيمين والمواطنين وإصدار تأشيرات الدخول إلى تلك الدولة، وقد إستمرت هذه العصابات بالعمل لفترة تزيد عن الشهر، حيث جمعت خلالها ملايين الدولارات».
وتابع د. علي: «وقد كان من دواعي سرورنا في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة، أن نعمل في شراكة إستراتيجية مع المنظمة الدولية للإنتربول، حيث سننظم في مارس/ آذار 2026، القمّة العالمية الأولى لمكافحة جرائم الإحتيال، والتي تحاول أن تضع إطاراً دولياً للشراكة والتعاون لمواجهة هذه الجريمة الدولية»، مشيراً إلى أنه في سياق هذه القمّة «ستُطرح وثيقتان، الأولى تتعلق بإطلاق النداء العالمي لمكافحة الإحتيال، والثانية تتعلق بالشراكة ما بين القطاعين العام والخاص لمواجهة الإحتيال»، مشدّداً على أهمية التعاون مع إتحاد المصارف العربية لتقوية شراكتنا في سبيل مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وسائر جرائم الإحتيال».
وخلص د. حاتم علي إلى القول: «إن عقيدتنا في الأمانة العامة في الأمم المتحدة تؤكد أن الجهاز المصرفي والمالي هو الحائط الأول والسد المنيع لمكافحة كافة الجرائم المالية والمصرفية والإقتصادية، ولو لم يكن القطاع المالي والمصرفي شريكاً للأجهزة الأمنية وأجهزة العدالة الجنائية، فإن إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، وإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، كذلك إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم السيبرانية، لن تكون قابلة للتنفيذ ولا للتطبيق مهما بذلت الدول المعنية والأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة»، داعياً إلى تحفيز وتقوية هذه الشراكة بين المؤسسات المالية والمصرفية وأجهزة العدالة الجنائية، ومتحدثاً عن أهمية إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم السيبرانية، والتي تحض على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وما بين القطاع المصرفي والمالي وأجهزة الدولة، بغية رسم السياسات والإستراتيجيات لمكافحة الإحتيال الإلكتروني الذي يتعرّض له العالم الحديث.
المستشار أحمد سعيد خليل:
الطفرة التكنولوجية تحمل ثغرات قد يُمكن إساءة إستغلالها من قبل المجرمين
وأكد المستشار أحمد سعيد خليل، رئيس مجلس أمناء وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مصر، خطورة جرائم الإحتيال، كونها ضمن الجرائم التي تهدد سلامة وإستقرار النظام المالي العالمي.
وإستشهد المستشار أحمد سعيد خليل بالجهود الدولية المبذولة لحثّ الدول على مكافحة هذه الجرائم بفعّالية، «بما يشمل قرار مؤتمر الدول الأطراف في إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية»، مشيراً إلى عدد من التوصيات للدول الأطراف حيال الإحتيال المنظم، بالإضافة إلى إشارة العديد من المنظمات الدولية إلى تطوُّر أساليب إرتكاب جرائم الإحتيال، «كونها إحدى الجرائم المنظمة، بما يشمل تقرير منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) حول تقييم الإحتيال المالي العالمي، الصادر خلال العام 2024، كذلك مجموعة العمل المالي في تقريرها الصادر في هذا الشأن في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2023».
وأشار المستشار خليل إلى «الطفرة التكنولوجية التي يشهدها العالم خلال الفترة الأخيرة، وهو ما حمل في ثناياه ثغرات قد يُمكن إساءة إستغلالها من قبل المجرمين لتنفيذ مخطّطاتهم الإجرامية، بما يشمل جرائم الإحتيال، التي هيمنت خلال الفترة الأخيرة على الجرائم السيبرانية المرتكبة، وفق ما أشارت إليه مجموعة العمل المالي»، موضحاً «أن الإحتيال المالي يُعد إحدى الجرائم الأصلية المرتبطة بغسل الأموال، نظراً إلى ما ينطوي عليه من ممارسات إجرامية بقصد تحقيق عوائد غير مشروعة، يعمد مرتكبوها إلى إخفاء مصادرها عبر إدخالها إلى النظام المالي الرسمي».
وشدّد المستشار أحمد سعيد خليل على «حرص وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المصرية على التصدّي الفعّال لهذه الجرائم ومكافحتها وفق الإختصاصات والصلاحيات المخوّلة لها قانوناً، بالتعاون والتنسيق مع كل الأطراف المعنية، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي، من خلال العمل المشترك مع الجهات المعنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب مشاركتها الفاعلة في اللجان الوطنية ذات الصلة، فضلاً عن تعاونها الدولي عبر شبكات تبادل المعلومات، بما يُسهم في مواجهة جرائم الإحتيال وغسل الأموال والتصدّي لطبيعتها العابرة للحدود الوطنية».
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله:
تلتزم الدولة المصرية دعم كافة المبادرات الهادفة إلى مكافحة شتّى صور الإحتيال والجريمة المالية
وقال محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله: «لقد مثّل المؤتمر في نسخته الأولى أول منصّة عربية متخصصة لمناقشة قضايا الاحتيال المصرفي، وطرح آليات التعامل معها، وها نحن اليوم في النسخة الثانية نبني على ما تحقق من نتائج وتوصيات، وننطلق نحو آفاق أوسع، تتواكب مع ما يشهده العالم من تطورات متسارعة، وتحدّيات أكثر تعقيداً في هذا المجال الحيوي».
وأضاف المحافظ عبد الله: «يأتي إنعقاد النسخة الثانية من المؤتمر العربي لمكافحة الإحتيال في توقيت بالغ الأهمية، في ظل إستمرار التداعيات الناتجة عن الأزمات العالمية المتلاحقة، وما أفرزته من تحدّيات غير مسبوقة أمام الإقتصادات والمؤسسات المالية، لا سيما ما يتعلق بتطور أساليب الإحتيال، وتنامي المخاطر المرتبطة بالإستخدام المتزايد للتكنولوجيا والرقمنة».
وتابع عبد الله: «رغم الفرص التي تخلقها التقنيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الإصطناعي والتحوُّل الرقمي، حيث تُسهم في تطوير الخدمات المالية وتحسين كفاءتها، إلاّ أنه من الناحية الأخرى تفرض تحدّيات جديدة ينتهجها المحتالون على نحو أفرز صناعة عالمية جديدة باتت تسمّى الإحتيال المنظم وفق أحدث إصدارات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والذي تطلّب معه العمل على إيجاد أدوات أكثر تطورًا لمنع ورصد الأنماط الاحتيالية المستحدثة.
وتطويعاً لتلك التكنولوجيا جاءت أهمية تعزيز قدرات المؤسسات المالية، ورفع مستوى الجاهزية الفنية والبشرية لمواجهة تلك المخاطر وما يصاحبها من أهمية رفع درجات الوعي والمعرفة لدى عملاء القطاع المصرفي والمتعاملين معه».
وقال المحافظ حسن عبد الله: «إن تحقيق مستوى فعّال من الحماية يُلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق البنوك المركزية، التي تضطّلع بدورٍ محوري في تعزيز الثقة في الأنظمة المصرفية، من خلال وضع الأطر الرقابية، والتعليمات المنظمة، وآليات الحوكمة، بما يضمن حماية المؤسسات والعاملين والمتعاملين على حدٍ سواء.
ومن ناحية البنك المركزي المصري، تم تطبيق ذات النهج الذي ساهم في تقليص العديد من الممارسات غير المشروعة، وحماية العديد من المؤسسات والأفراد المتعاملين في القطاع المصرفي المصري من الوقوع كضحايا إحتيال، وفي ضوء الإجراءات الإستباقية المانعة المتخذة من جانب المؤسسات المالية تم إجهاض حالات إحتيالية بمقدار 4 مليارات جنيه مصري العام السابق، بما يمثل زيادة في نسب إجهاض الحالات الإحتيالية بحوالي 268 % عن العام 2024.
وعلى صعيد آخر كانت هناك طفرة غير مسبوقة في إجمالي المبالغ المستردة لصالح ضحايا أعمال الإحتيال، حيث بلغ إجمالي تلك المبالغ خلال العام المنقضي بمقدار 116.8 مليون جنيه مقارنة بمبلغ 6.5 ملايين جنيه خلال العام 2024، مما يعدّ مؤشّراً إيجابياً على سرعة إستجابة مؤسسات الدولة وتضافر جهودها نحو مكافحة واقعية لمختلف الممارسات الإحتيالية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الحالية تفرض علينا ضرورة التفكير في حلول ديناميكية مبتكرة تتواءم مع المنهج الذي يتبعه المحتالون للتحايل على أنظمة التأمين والضوابط المصرفية، كما تبرز الحاجة إلى التأكيد على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي والدولي على حد سواء وذلك لرفع القدرات البشرية للعاملين في هذا المجال، فضلًا عن خلق قنوات رسمية آمنة لتبادل المعلومات، بما يُسهم في رفع المستوى التأميني للقطاع المصرفي العربي في مواجهة مخاطر الإحتيال، وتحقيق مزيد من الإستقرار المصرفي والنمو الإقتصادي المستدام بأقل قدر ممكن من الآثار السلبية.
وإنطلاقًا من إيماننا بأن مكافحة الإحتيال مسؤولية مشتركة وليست فردية، فإننا نؤكد أهمية تعزيز التنسيق بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية وأجهزة إنفاذ القانون وصولاً إلى مؤسسات القطاع الخاص، بما يدعم سلامة المعاملات المالية، ويُعزّز مناعة الأنظمة المصرفية العربية أمام مختلف أشكال الجرائم المالية».
وختم المحافظ عبد الله قائلاً: «إن مصر، بوصفها جزء لا يتجزّأ من المنظومة الإقليمية والدولية، تواصل جهودها الحثيثة لإتخاذ كافة الإجراءات والتدابير الكفيلة بالحد من الآثار السلبية للمتغيّرات الإقتصادية والمالية العالمية المتسارعة، وبما يعكس إلتزام الدولة المصرية بدعم كافة المبادرات الهادفة إلى مكافحة شتّى صور الإحتيال والجريمة المالية».
يشارك في فعّاليات معرض بغداد الدولي في دورته الـ 49
شارك مصرف المشرق العربي الإسلامي للإستثمار في فعّاليات معرض بغداد الدولي في دورته الـ 49، مؤكداً إلتزامه دعم مسيرة التنمية الإقتصادية وتعزيز مفاهيم الشمول المالي في العراق.
وتأتي هذه المشاركة لعرض باقة من الخدمات والمنتجات المصرفية المتنوّعة التي يقدّمها المصرف، إلى جانب إبراز أحدث الحلول المالية التي تلبي إحتياجات الأفراد والشركات، وبما ينسجم مع التطوُّرات المتسارعة في القطاع المصرفي.
وقد حرص المصرف من خلال حضوره في المعرض على تعزيز التواصل مع الجمهور وبناء شراكات فاعلة تُسهم في دعم الإقتصاد الوطني وترسيخ الثقة في القطاع المصرفي.
لا شك في أن الحوكمة المصرفية الرشيدة تُشكّل ركيزة أساسية لإستعادة الإنتظام المالي وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وخصوصاً في المنطقة العربية، إذ من الضروري التركيز على تفعيل معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، وتعزيز الشفافية والإفصاح لمواجهة المخاطر وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي سبيل تطبيق الحوكمة المصرفية على نحو فعّال، وإثباتها على الصعيد المصرفي، ينبغي أن تشكل الحوكمة علاجاً للأزمات، إذ إن تطبيق سياسات حوكمة صارمة وشفّافة يُعد السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة في الأنظمة المصرفية العربية والعالمية وخصوصاً ما بعد الأزمات المالية التي تشهدها البلدان عادة، والتي تعاني أصلاً أزمات وتفتقر للثقة المصرفية الدولية وخصوصاً ثقة البنوك المراسلة.
كما من الضروري دعم الشمول المالي، الذي يلعب دوراً محورياً في تعزيز الحوكمة. وفي هذا السياق يعمل إتحاد المصارف العربية على دعم الشمول المالي وتطوير منتجات رقمية مبتكرة ولا سيما في عدد من البلدان العربية الأكثر حاجة للشفافية في المعاملات المصرفية والمالية.
وفي هذا السياق، نلاحظ أن تنظيم شركات الصرافة في الدول العربية يؤدي إلى رفع مستوى الحوكمة فيها لتحقيق الإستقرار الإقتصادي. وعليه، يدفع الإتحاد نحو تبنّي معايير الحوكمة البيئية والإجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) إلتزاماً بأهداف التنمية المستدامة 2030.
كما يسعى الإتحاد نحو رفع مستوى الحوكمة والتحكيم في القطاع المصرفي العربي بالتعاون مع غرفة التجارة الدولية. علماً أن نجاح الإصلاح المصرفي في أي بلد عربي على نحو خاص، لا ينفصل عن الإصلاحات الهيكلية الشاملة، وأن حماية ودائع المودعين عبر أطر حوكمة واضحة، يُعتبر أولوية لعودة الثقة في أي قطاع مصرفي يتعرّض للإهتزاز، وقد بات يحتاج إلى إعادة هيكلة كما هي حال القطاع المصرفي اللبناني.
من هنا تأتي مطالبة إتحاد المصارف العربية وإصراره على تفعيل دور الحوكمة المصرفية في الدول العربية، والذي يُعتبر أمراً بالغ الأهمية لتحقيق الإستقرار الإقتصادي، وحماية المستهلك، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لذلك يجب التشديد على أهمية الأطُر التنظيمية القوية، والتي تشمل إجراءات «إعرف عميلك» الصارمة، والضوابط التشغيلية، وتدابير نزاهة السوق، ومعايير حماية المستهلك.
كذلك، يُعد التعاون الدولي أمراً حيوياً لضمان التنسيق والمواءمة مع أفضل الممارسات العالمية، إذ إن تعزيز التنظيم لن يحقق فوائد عديدة للإقتصادات العربية فحسب، بل سيُساهم أيضاً في خلق بيئة مالية عالمية أكثر أماناً، مستقرّة ومستدامة.
في المحصّلة، تأتي مطالبة إتحاد المصارف العربية بضرورة تطبيق الحوكمة المصرفية على نحو فعّال وإثباتها على الصعيد المصرفي ولا سيما في عصرنا الذي يتّسم بالعولمة والترابط، من الأهمية بمكان، في ظل التحدّيات التي يُواجهها القطاع المصرفي العربي ولا سيما في المنطقة العربية التي تشهد أزمات متعدّدة الأوجه، والتي تساهم في زعزعة الإقتصادات وتهريب الإستثمارات ورؤوس الأموال، كذلك الأدمغة والأيادي الماهرة والتي تشكل رأس المال البشري في دولنا العربية. لذلك فإن تطبيق الحوكمة المصرفية الرشيدة يُحافظ على أفضل العلاقات المتينة مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الأخرى في جميع أنحاء العالم، ويُمكّن المصارف العربية على وجه الخصوص من قبولها عبر الحدود ضمن المعايير الدولية المرعيّة الإجراء، وفي سبيل تأكيد الإلتزام بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
يشارك في فعّاليات المؤتمر العلمي الدولي الثاني في عدن
تحت شعار «القطاع المصرفي في اليمن ودوره في التعافي الإقتصادي وإعادة الإعمار»، جاء إفتتاح فعّاليات المؤتمر العلمي الدولي الثاني في عدن، اليمن على مدار ثلاثة أيام (ما بين 9 شباط/فبراير و11 منه 2026)، بمشاركة فاعلة ومتميّزة من مصرف اليمن البحرين الشامل، كشريك أساسي في هذه التظاهرة العلمية الهامة الى جانب عدد من البنوك والمؤسسات المختلفة.
وقد جمع المؤتمر نخبة من الخبراء والمتخصّصين والممارسين في المجالين المصرفي والإقتصادي، لتبادل الرؤى والخبرات، وعرض أوراق عمل وبحوث علمية تُساهم في تطوير السياسات والإستراتيجيات الكفيلة بدعم إستقرار وإزدهار الإقتصاد اليمني .
وتأتي مشاركة مصرف اليمن البحرين الشامل في هذا المؤتمر الذي نظمته جامعة العلوم والتكنولوجيا عدن وبشراكة إستراتيجية من البنك المركزي اليمني، إنطلاقاً من مسؤولية المصرف الإجتماعية وحرصه على الإسهام الجاد في الفعّاليات التي تخدم الإقتصاد الوطني، وتسليط الضوء على الحلول العملية للتحدّيات الراهنة، وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي كركيزة أساسية للتنمية.
17عاماً بعد الأزمة… كيف تقود واشنطن موجة التخفيف التنظيمي للبنوك عالمياً؟
المصارف الكبرى: بين التيسير التنظيمي الأميركي وتحدّيات المخاطر الدولية
بعد مرور سبعة عشر عاماً على الأزمة المالية العالمية التي إندلعت أواخر العام 2007، بدأت الهيئات التنظيمية حول العالم في تخفيف الإجراءات البيروقراطية المفروضة على البنوك، سعياً منها للحفاظ على قدرة المقرضين على المنافسة وتحفيز إقتصاداتها، وفق صحيفة «الشرق الأوسط».
وتقود إدارة دونالد ترمب هذه الجهود، بما في ذلك إتخاذ تدابير لتقليل حجم رأس المال الذي يُلزَم المقرضون بتخصيصه. ويُثير خفض متطلبات رأس المال قلق بعض المراقبين من أن الولايات المتحدة قد أشعلت شرارة تراجع عالمي عن اللوائح المصممة لحماية الأنظمة المالية، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن فقاعات السوق ومخاطر الإستقرار المالي.
المشهد العالمي
على المستوى الدولي، يُفترض أن تتوافق الهيئات التنظيمية في كل دولة مع نظام «بازل» التنظيمي، الذي وُضع بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، ويهدف إلى ضمان تطبيق معايير دنيا لرأس المال في جميع أنحاء العالم، بما يتيح للمقرضين تجاوز خسائر القروض خلال فترات الأزمات، ويُحقق تكافؤ الفرص بين البنوك.
لكن في الواقع، هناك مساحة واسعة للمناورة، كما يتضح من اختلاف طرق تطبيق أحدث القواعد المعروفة بإسم «نهاية بازل 3».
وأرجأ كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تطبيق أجزاء رئيسية من هذه القواعد، مثل تلك المتعلقة بأنشطة التداول المصرفي، في إنتظار الخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة مقابل أوروبا
تبدو متطلّبات نسبة رأس المال للبنوك في منطقة اليورو وبريطانيا والولايات المتحدة متشابهة نظرياً.
يُحدّد الاحتياطي الفيدرالي نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول، CFT1، وهو المقياس الأكثر شيوعاً لرأس المال، بين 10.9 % و11.8 %، بعد إضافة بنود خاصة ببنوك «وول ستريت» الكبرى، مثل «جي بي مورغان» و«سيتي» و«غولدمان ساكس».
أما في منطقة اليورو، فيبلغ متوسط نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول لدى البنك المركزي الأوروبي 11.2 % للمقرضين، بما في ذلك «دويتشه بنك» و«سانتاندير» و«بي إن بي باريبا»، بالإضافة إلى متطلّبات «الركيزة الثانية» الخاصة بكل بنك، والتي تبلغ نحو 1.2 %.
وخفّضت لجنة السياسة المالية في بنك إنكلترا الحدّ الأدنى لنسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول إلى 11 %، من دون إحتساب الإضافات الخاصة بكل بنك، والتي قد تصل حالياً إلى حوالي 2.5 % للبنوك الكبرى.
وتحتفظ جميع البنوك الكبرى برأس مال يفوق المطلوب، حيث تهدف هذه الاحتياطيات الذاتية لتهدئة المخاوف التنظيمية وتعزيز ثقة المستثمرين.
هل يُمكن المقارنة بين البنوك؟
وفق الرؤساء التنفيذيين للبنوك الكبرى، تواجه بنوكهم تحدّيات أكبر من مجرد أرقام رأس المال، فمقارنة النسب البسيطة قد تكون مضلّلة، إذ تتبنّى الهيئات الرقابية الاحترازية مناهج مختلفة تعكس اختلاف القطاعات المصرفية المحلية.
وتتألف قواعد رأس المال من جزأين: ترجيح المخاطر، الذي يقيس مخاطر أصول البنك، ونسبة رأس المال، التي تحدد حجم رأس المال الذي يجب على البنك الاحتفاظ به كنسبة من تلك الأصول.
على عكس المملكة المتحدة ومنطقة اليورو، لا تستطيع البنوك الأميركية الإعتماد على نماذجها الداخلية لتحديد ترجيح المخاطر، ما يعني غالباً قيوداً أكثر صرامة للبنوك الكبيرة.
التخفيف التنظيمي في الولايات المتحدة
تعمل الهيئات التنظيمية الأميركية، التي عيّنها الرئيس دونالد ترمب، على تأجيل وتخفيف تطبيق القواعد الجديدة، بالإضافة إلى مراجعة وإعادة صياغة لوائح رأس المال الحالية، بحجة جعلها أكثر ملاءمة للمخاطر الفعلية.
وتشمل المقترحات، بقيادة ميشيل بومان من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تعديل قواعد الرافعة المالية، والرسوم الإضافية على المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية العالمية، وإعادة النظر في متطلبات المرحلة النهائية من اتفاقية «بازل 3».
كما يُجري الإحتياطي الفيدرالي إصلاحاً شاملاً لاختبارات الضغط السنوية للبنوك الكبيرة، وهو تحوُّل متوقع أن يقلّص رأس المال الذي يجب على البنوك الإحتفاظ به لمواجهة الخسائر المحتملة، ما يمنح المقرضين الأميركيين فائضاً أكبر بكثير في رأس المال. وقدّر محلّلو «مورغان ستانلي» أن هذه التغييرات المحتملة قد تُتيح للبنوك الأميركية تريليون دولار إضافية في قدرتها على الإقراض.
مع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن البنوك ستزيد من القروض، إذ قد تفضّل بعضها زيادة توزيعات الأرباح على المستثمرين أو تمويل عمليات الاستحواذ.
إتحاد المصارف العربية يفتتح أعمال المؤتمر العربي الثاني لمكافحة الإحتيال في الأقصر/مصر
الذكاء الإصطناعي والتحوُّل الرقمي يُسهمان في تطوير الخدمات المالية وتحسين كفاءتها
وتفرضان تحدّيات جديدة باتت تسمّى «الإحتيال المنظّم»
جاء إفتتاح المؤتمر العربي الثاني لمكافحة الإحتيال في الأقصر/مصر، تحت رعاية محافظ البنك المركزي المصري معالي الأستاذ حسن عبد الله وفي حضوره، والذي نظمه إتحاد المصارف العربية بالتعاون مع «المركزي المصري»، وإتحاد بنوك مصر، ووحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مصر، وجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، السعودية، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة لدول مجلس التعاون الخليجي UNODC، على مدار ثلاثة أيام، تأكيداً على أهمية دور الذكاء الإصطناعي وتحليل البيانات في كشف عمليات الإحتيال، والتحدّيات القانونية والإجرائية لتبادل المعلومات في ظل مكافحة الإحتيال، وجهود المؤسسات الدولية في توظيف تقنيات مكافحة الإحتيال المدعومة بالذكاء الإصطناعي، ودور مجالس الإدارة والإدارة العليا في تعزيز ثقافة مكافحة الاحتيال، وجودة العملات النقدية وإنعكاسها على عمليات الفحص، ودور الذكاء الإصطناعي في الإستثمار الآمن والتوعية بالممارسات الإحتيالية في الأسواق المالية، وكشف أسرار الإحتيال المالي الرقمي، وتمكين المحقّقين في جرائم الإحتيال المالي وبناء قدراتهم في عصر التطوُّر الرقمي، والمسؤولية المشتركة للقطاعات المختلفة في مكافحة الإحتيال. علماً أن المؤتمر صاحبه معرض متخصّص للمؤسسات المصرفية والمالية المشاركة.
وشارك في الإفتتاح إلى راعي المؤتمر محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله، والمهندس عبد المطلب عماره محافظ الأقصر، كل من السادة: محمد الأتربي رئيس مجلس إدارة إتحاد المصارف العربية ورئيس إتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، والدكتور وسام فتوح الأمين العام لإتحاد المصارف العربية، والدكتور خالد بن عبد العزيز الحرفش أمين المجلس الأعلى ووكيل العلاقات الخارجية في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في السعودية، والدكتور حاتم علي مدير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة لدول مجلس التعاون الخليجي، والمستشار أحمد سعيد خليل رئيس مجلس الأمناء في وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مصر، وعدد كبير من الخبراء والمصرفيين المصريين والعرب.
محافظ الأقصر عبد المطلب عماره:
جهود إتحاد المصارف العربية منصة فاعلة لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات
في كلمته، رحب محافظ الأقصر، المهندس عبد المطلب عماره بضيوف المؤتمر من الخبراء والمصرفيين العرب في مدينة الأقصر، مؤكداً «أهمية إحتضان محافظة الأقصر لمثل هذا المؤتمر الذي يُعد إضافة وإثراء للمحافظة بإعتباره إحتفالية في قطاع يصنع الثقة ويحمي الإستقرار ويصل الإقتصادات ببعضها، ويُعدّ ركيزة أساسية من ركائز الإستقرار المالي وداعماً مهماً للإقتصادات الوطنية في عالمنا العربي»، متمنياً في «أن يُساهم المؤتمر في تعزيز التعاون العربي المشترك، لا سيما وأنه يناقش أحد القضايا الحيوية التي تمسّ أمن الإقتصادات الوطنية العربية مثل مكافحة الاحتيال المالي»، ومشيداً بجهود إتحاد المصارف العربية «بإعتباره منصّة فاعلة لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات، وتوحيد الجهود لمواجهة التحدّيات المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي سواء على مستوى التشريعات، أو التحوُّل الرقمي، أو متطلّبات الإمتثال والحوكمة، ومكافحة الإحتيال المالي، وتسهيل حركة الأموال، وتعزيز الشمول المالي، بما يخدم مصالح مجتمعاتنا، ويُواكب تطلُّعات شعوبنا نحو نمو مستدام وإقتصاد أكثر مرونة». علماً أن محافظ الأقصر كان قد شارك في حضور الجلسة الأولى والتي تخلّلها كلمة رئيسية بعنوان: «نظرة عامة على أعمال مكافحة الإحتيال في القطاع المصرفي المصري».
رئيس إتحاد المصارف العربية محمد الإتربي:
التطوُّر الكبير في مجال التكنولوجيا وآليات الذكاء الإصطناعي يتطلّب صوغ إستراتيجية متكاملة وإستباقية لمواجهة الجيل الجديد من الجرائم المالية
وقال محمد الإتربي، رئيس إتحاد المصارف العربية ورئيس إتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذى للبنك الأهلي المصري: «إن البنوك المصرية تُطوّر أنظمة تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني بشكل مستمر لمواكبة التطور التكنولوجي المتسارع ودعم الجاهزية لمواجهة أية مخاطر محتملة»، موضحاً «أن إجمالى ودائع البنوك المصرية إرتفع إلى 15.3 تريليون جنيه، وأن حجم أصول القطاع المصرفي المصري إرتفع إلى 24 تريليون جنيه، مما يعكس قوة مؤشّرات الأداء المصرفي في مصر».
وأضاف الإتربي: «إن التطوُّر الكبير في مجال التكنولوجيا وآليات الذكاء الإصطناعي وما يرتبط به من الجرائم المالية والإقتصادية يتطلّب صوغ إستراتيجية متكاملة وإستباقية لدعم الأمن السيبراني وتعزيز الوعي المجتمعي لمواجهة الجيل الجديد من الجرائم المالية»، لافتاً إلى «أهمية ترسيخ الثقة مع العملاء، وزيادة برامج التوعية وخطط إستمرار الأعمال والتعافي السريع وهو ضرورة لقوة الأنظمة الدفاعية للبنوك في مواجهة المخاطر المحتملة».
الدكتور خالد بن عبد العزيز الحرفش:
هدفنا تعزيز التعاون العربي في المجالات العدلية والقانونية
وقال الدكتور خالد بن عبد العزيز الحرفش أمين المجلس الأعلى ووكيل العلاقات الخارجية في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في السعودية: «تعمل جامعة نايف على دعم الجهود المشتركة لتعزيز التعاون العربي في المجالات العدلية والقانونية، وفي مقدّمها تشريعات مكافحة الجرائم الإقتصادية، التي تضعها الجامعة ضمن أولوياتها».
أضاف د. الحرفش: «إن مكافحة الإحتيال المالي لم تعد تحدّياً فنياً أو رقابياً فحسب، بل مسؤولية مشتركة تتطلّب تشريعات مرنة، وقدرات متخصّصة، وتكاملًا فعّالًا بين الجهات الأمنية والمالية والرقابية، وأتطلّع في أن يُسهم هذا المؤتمر في تعميق التنسيق وتبادل الخبرات، وتقديم حلول عملية تُعزّز حماية الإقتصادات وترفع كفاءة المواجهة في هذا المجال المتسارع».
المستشار أحمد سعيد خليل:
الطفرة التكنولوجية تحمل ثغرات يمكن إساءة استغلالها
وأكد المستشار أحمد سعيد خليل، رئيس مجلس أمناء وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مصر، خطورة جرائم الإحتيال، كونها ضمن الجرائم التى تهدد سلامة واستقرار النظام المالي العالمي.
وإستشهد المستشار أحمد سعيد خليل بالجهود الدولية المبذولة لحثّ الدول على مكافحة هذه الجرائم بفعّالية، بما يشمل قرار مؤتمر الدول الأطراف في إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، مشيراً إلى عدد من التوصيات للدول الأطراف حيال الإحتيال المنظم، بالإضافة إلى إشارة العديد من المنظمات الدولية إلى تطوُّر أساليب إرتكاب جرائم الإحتيال، «كونها إحدى الجرائم المنظمة، بما يشمل تقرير منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) حول تقييم الإحتيال المالي العالمي، الصادر خلال العام 2024، كذلك مجموعة العمل المالي في تقريرها الصادر في هذا الشأن في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2023».
وأشار المستشار خليل إلى «الطفرة التكنولوجية التى يشهدها العالم خلال الفترة الأخيرة، وهو ما حمل في ثناياه ثغرات قد يُمكن إساءة إستغلالها من قبل المجرمين لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية، بما يشمل جرائم الإحتيال، التي هيمنت خلال الفترة الأخيرة على الجرائم السيبرانية المرتكبة، وفق ما أشارت إليه مجموعة العمل المالي»، موضحاً «أن الإحتيال المالي يُعد إحدى الجرائم الأصلية المرتبطة بغسل الأموال، نظراً إلى ما ينطوي عليه من ممارسات إجرامية بقصد تحقيق عوائد غير مشروعة، يعمد مرتكبوها إلى إخفاء مصادرها عبر إدخالها إلى النظام المالى الرسمي».
وشدّد المستشار أحمد سعيد خليل على «حرص وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المصرية على التصدّي الفعّال لهذه الجرائم ومكافحتها وفق الإختصاصات والصلاحيات المخوّلة لها قانوناً، بالتعاون والتنسيق مع كل الأطراف المعنية، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمى أو الدولي، من خلال العمل المشترك مع الجهات المعنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب مشاركتها الفاعلة فى اللجان الوطنية ذات الصلة، فضلاً عن تعاونها الدولي عبر شبكات تبادل المعلومات، بما يُسهم في مواجهة جرائم الإحتيال وغسل الأموال والتصدّي لطبيعتها العابرة للحدود الوطنية».
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله:
تلتزم الدولة المصرية دعم كافة المبادرات الهادفة إلى مكافحة شتّى صور الإحتيال والجريمة المالية
وقال محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله: «لقد مثّل المؤتمر في نسخته الأولى أول منصّة عربية متخصصة لمناقشة قضايا الاحتيال المصرفي، وطرح آليات التعامل معها، وها نحن اليوم في النسخة الثانية نبني على ما تحقق من نتائج وتوصيات، وننطلق نحو آفاق أوسع، تتواكب مع ما يشهده العالم من تطورات متسارعة، وتحديات أكثر تعقيدًا في هذا المجال الحيوي».
وأضاف المحافظ عبد الله: «يأتي إنعقاد النسخة الثانية من المؤتمر العربي لمكافحة الإحتيال في توقيت بالغ الأهمية، في ظل إستمرار التداعيات الناتجة عن الأزمات العالمية المتلاحقة، وما أفرزته من تحدّيات غير مسبوقة أمام الإقتصادات والمؤسسات المالية، لا سيما ما يتعلق بتطور أساليب الإحتيال، وتنامي المخاطر المرتبطة بالاستخدام المتزايد للتكنولوجيا والرقمنة.
ورغم الفرص التي تخلقها التقنيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الإصطناعي والتحوُّل الرقمي، حيث تُسهم في تطوير الخدمات المالية وتحسين كفاءتها، إلاّ أنه من الناحية الأخرى تفرض تحدّيات جديدة ينتهجها المحتالون على نحو أفرز صناعة عالمية جديدة باتت تسمّى الإحتيال المنظم وفق أحدث إصدارات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والذي تطلب معه العمل على إيجاد أدوات أكثر تطورًا لمنع ورصد الأنماط الاحتيالية المستحدثة.
وتطويعاً لتلك التكنولوجيا جاءت أهمية تعزيز قدرات المؤسسات المالية، ورفع مستوى الجاهزية الفنية والبشرية لمواجهة تلك المخاطر وما يصاحبها من أهمية رفع درجات الوعي والمعرفة لدى عملاء القطاع المصرفي والمتعاملين معه».
وتبع المحافظ عبد الله: «إن تحقيق مستوى فعّال من الحماية يُلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق البنوك المركزية، التي تضطلع بدورٍ محوري في تعزيز الثقة في الأنظمة المصرفية، من خلال وضع الأطر الرقابية، والتعليمات المنظمة، وآليات الحوكمة، بما يضمن حماية المؤسسات والعاملين والمتعاملين على حدٍ سواء.
ومن ناحية البنك المركزي المصري، تم تطبيق ذات النهج الذي ساهم في تقليص العديد من الممارسات غير المشروعة، وحماية العديد من المؤسسات والأفراد المتعاملين بالقطاع المصرفي المصري من الوقوع كضحايا احتيال، وفي ضوء الإجراءات الاستباقية المانعة المتخذة من جانب المؤسسات المالية تم إجهاض حالات احتيالية بمقدار 4 مليارات جنيه مصري العام السابق، بما يمثل زيادة في نسب إجهاض الحالات الاحتيالية بحوالي 268% عن العام 2024.
وعلى صعيد آخر كانت هناك طفرة غير مسبوقة في إجمالي المبالغ المستردة لصالح ضحايا أعمال الاحتيال حيث بلغت إجمالي تلك المبالغ خلال العام المنقضي بمقدار 116.8 مليون جنيه مقارنه بمبلغ 6.5 ملايين جنيه خلال العام 2024، مما يعد مؤشراً إيجابياً على سرعة إستجابة مؤسسات الدولة وتضافر جهودها نحو مكافحة واقعية لمختلف الممارسات الإحتيالية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الحالية تفرض علينا ضرورة التفكير في حلول ديناميكية مبتكرة تتواءم مع المنهج الذي يتبعه المحتالون للتحايل على أنظمة التأمين والضوابط المصرفية، كما تبرز الحاجة إلى التأكيد على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي والدولي على حد سواء وذلك لرفع القدرات البشرية للعاملين في هذا المجال فضلًا عن خلق قنوات رسمية آمنة لتبادل المعلومات، بما يُسهم في رفع المستوى التأميني للقطاع المصرفي العربي في مواجهة مخاطر الاحتيال، وتحقيق مزيد من الاستقرار المصرفي والنمو الاقتصادي المستدام بأقل قدر ممكن من الآثار السلبية.
وإنطلاقًا من إيماننا بأن مكافحة الإحتيال مسؤولية مشتركة وليست فردية، فإننا نؤكد أهمية تعزيز التنسيق بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية وأجهزة إنفاذ القانون وصولاً إلى مؤسسات القطاع الخاص، بما يدعم سلامة المعاملات المالية، ويُعزّز مناعة الأنظمة المصرفية العربية أمام مختلف أشكال الجرائم المالية».
وختم المحافظ عبد الله قائلاً: «إن مصر، بوصفها جزءاً لا يتجزّأ من المنظومة الإقليمية والدولية، تواصل جهودها الحثيثة لإتخاذ كافة الإجراءات والتدابير الكفيلة بالحد من الآثار السلبية للمتغيّرات الإقتصادية والمالية العالمية المتسارعة، وبما يعكس إلتزام الدولة المصرية بدعم كافة المبادرات الهادفة إلى مكافحة شتّى صور الإحتيال والجريمة المالية».
تباطؤ وتيرة النمو يُؤدي إلى إتساع الفجوة في مستويات المعيشة عالمياً
البنك الدولي: رغم الصمود… الإقتصاد العالمي يتّجه للإنخفاض في العام 2026
أفاد البنك الدولي أن الإقتصاد العالمي أثبت قدرة أكبر على الصمود مما كان متوقعاً، رغم إستمرار التوترات التجارية وحالة عدم اليقين حيال السياسات، مشيراً إلى أن النمو العالمي سيظل ثابتاً نسبياً خلال العامين المقبلين، لينخفض إلى 2.6 % في العام 2026، قبل أن يرتفع إلى 2.7 % في العام 2027، وهو تعديل بالزيادة، مقارنة بتوقعات يونيو (حزيران) 2025.
وتعكس القدرة على الصمود نمواً أفضل من المتوقع، ولا سيما في الولايات المتحدة التي تمثل نحو ثلثي التعديل بالزيادة في توقعات العام 2026، وفق ما جاء في أحدث إصدار من تقرير «الآفاق الاقتصادية العالمية». وإذا تحققت هذه التوقعات، فإن عشرينيات القرن الحالي في طريقها لتصبح العقد الأضعف للنمو العالمي منذ ستينيات القرن الماضي.
ويؤكد التقرير أن تباطؤ وتيرة النمو يؤدي إلى إتساع الفجوة في مستويات المعيشة عالمياً؛ ففي نهاية العام 2025، تجاوز نصيب الفرد من الدخل في معظم الإقتصادات المتقدمة مستويات العام 2019، بينما ظل نحو ربع الاقتصادات النامية عند مستويات أقل.
وفي العام 2025، إستفاد النمو العالمي من طفرةٍ شهدتها التجارة سبقت التغييرات في السياسات، إلى جانب إعادة التكيُّف السريعة في سلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب التقرير، يُتوقع أن يتلاشى أثر هذه الدفعة في العام 2026 بسبب تراجع التجارة والطلب المحلي، غير أن تيسير الأوضاع المالية العالمية وتوسُّع حيّز المالية العامة في عدد من الإقتصادات الكبرى ينبغي أن يسهما في التخفيف من حدة التباطؤ.
توقُّعات التضخّم
ويتوقع البنك الدولي أن ينخفض التضخم العالمي إلى 2.6 % في العام 2026، مما يعكس ضعف أسواق العمل وتراجع أسعار الطاقة، مقدّراً أن يتحسن النمو في العام 2027 مع تعديل تدفقات التجارة وانحسار حالة عدم اليقين حيال السياسات.
ويقول إندرميت جيل، رئيس الخبراء الإقتصاديين بمجموعة البنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك لشؤون اقتصادات التنمية: «مع مرور كل عام، أصبح الإقتصاد العالمي أقل قدرة على تحقيق النمو، وأكثر قدرة على الصمود في مواجهة حالة عدم اليقين حيال السياسات. لكن هذا التباين بين الديناميكية الاقتصادية والمرونة لا يُمكنه أن يستمر لفترة طويلة من دون أن يؤدي إلى خلل في المالية العامة وأسواق الإئتمان»، متوقعاً «أن ينمو الإقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة بوتيرة أبطأ مما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي المضطربة، بينما يحمل مستويات قياسية من الديون العامة والخاصة. ولتفادي حدوث الركود وإرتفاع معدّلات البطالة، يجب على الحكومات في الإقتصادات الصاعدة والمتقدّمة أن تعمل بقوة على تحرير إستثمارات القطاع الخاص وأنشطة التجارة، وضبط الإستهلاك العام، إلى جانب الإستثمار في التقنيات الحديثة والتعليم».
الإقتصادات النامية
وتوقَّع التقرير «أن يتباطأ نمو الاقتصادات النامية في العام 2026 إلى 4 %، مقارنة بـ4.2 % خلال العام 2025، قبل أن يرتفع قليلاً إلى 4.1 % في العام 2027 مع إنحسار التوترات التجارية، وإستقرار أسعار السلع الأولية، وتحسُّن الأوضاع المالية، فضلاً عن تعزيز تدفقات الإستثمار»، مقدّراً «أن يرتفع معدّل النمو في البلدان منخفضة الدخل، ليصل في المتوسط إلى 5.6 % خلال الفترة 2026-2027، مدعوماً بقوة الطلب المحلي، وتعافي الصادرات، وتراجع معدلات التضخُّم».
غير أن هذا لن يكون كافياً لتضييق فجوة الدخل بين الإقتصادات النامية والمتقدمة، وفق البنك الدولي، إذ «يُتوقع أن يبلغ نمو نصيب الفرد من الدخل في الإقتصادات النامية 3 % في العام 2026؛ أيْ أقل بنحو نقطة مئوية عن متوسطه في الفترة 2000-2019»، مقدراً «أن يبلغ نصيب الفرد من الدخل في الإقتصادات النامية 12 % فقط من نظيره في الإقتصادات المتقدّمة».
الوظائف
وقد تؤدي هذه الإتجاهات إلى تفاقم التحدّي المرتبط بتوفير الوظائف في الإقتصادات النامية، حيث سيصل 1.2 مليار شاب إلى سن العمل، خلال العقد المقبل، وسيتطلّب التغلُّب على هذا التحدّي، وفق البنك الدولي، بذل جهد شامل على صعيد السياسات يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها تعزيز رأس المال المادي والرقمي والبشري لزيادة الإنتاجية وتحسين فرص التوظيف، وثانيها تحسين بيئة الأعمال من خلال تعزيز مصداقية السياسات وضمان إستقرار البيئة التنظيمية بما يتيح للشركات التوسع، أما المحور الثالث فيتمثل في جذب رؤوس الأموال الخاصة على نطاق واسع لدعم الاستثمار. علماً أن هذه التدابير مجتمعةً ستُوجه جهود خلق الوظائف نحو فرص عمل أكثر إنتاجية في القطاع الرسمي، بما يُسهم في دعم نمو الدخل والحدّ من الفقر.
المالية العامة
كذلك تحتاج الإقتصادات النامية إلى تعزيز إستدامة ماليتها العامة التي تآكلت في السنوات الأخيرة بفعل توالي الصدمات وتداخلها، وإزدياد إحتياجاتها الإنمائية، وإرتفاع تكاليف خدمة الدين. كما يُخصّص التقرير فصلاً خاصاً لتحليل شامل لإستخدام قواعد المالية العامة في الإقتصادات النامية، التي تضع حدوداً واضحة لإقتراض الحكومات وإنفاقها، بما يُسهم في تحسين إدارة المالية العامة.
وترتبط هذه القواعد، عادةً، بنمو اقتصادي أقوى، وزيادة الاستثمارات الخاصة، واستقرار أكبر في القطاعات المالية، فضلاً عن تعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
بدوره، قال أيهان كوسي، نائب رئيس الخبراء الاقتصاديين ومدير مجموعة آفاق التنمية في البنك الدولي: «مع وصول الدين العام في الإقتصادات الصاعدة والنامية إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من نصف قرن، أصبحت إستعادة مصداقية المالية العامة أولويةً قصوى. ويُمكن للقواعد المالية المُحكمة أن تساعد الحكومات على إستقرار مستويات الدين، وإعادة بناء هوامش الأمان التي توفرها السياسات، وتعزيز القدرة على الاستجابة للصدمات بفاعلية أكبر. غير أن هذه القواعد وحدها لا تكفي؛ فالمصداقية، والتنفيذ الفعلي، والإلتزام السياسي هي العوامل الحاسمة التي تحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت قواعد المالية العامة ستنجح أم تخفق في تحقيق الإستقرار والنمو».
وبحسب التقرير، فإن أكثر من نصف الإقتصادات النامية لديها، الآن، قاعدة مالية واحدة، على الأقل، قيد التطبيق، ويُمكن أن تشمل هذه القواعد وضع حدود لعجز المالية العامة، أو الدين العام، أو النفقات الحكومية، أو تحصيل الإيرادات، موضحاً أن الإقتصادات النامية التي تعتمد قواعد مالية تشهد عادةً تحسُّناً في رصيد الموازنة بنحو 1.4 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي بعد خمس سنوات، وذلك بعد إحتساب مدفوعات الفائدة وتقلبات الدورة الإقتصادية. كما أن تطبيق هذه القواعد يزيد بنحو 9 نقاط مئوية من إحتمالية تحقيق تحسن بأرصدة الموازنة على مدى سنوات عدة.
ويخلص التقرير إلى أن المنافع متوسطة وطويلة الأجل لقواعد المالية العامة تعتمد بصورة كبيرة على قوة المؤسسات، والسياق الاقتصادي الذي تُطبق فيه هذه القواعد، إضافةً إلى جودة تصميمها.
الآفاق الخاصة بمناطق في العالم
شرق آسيا والمحيط الهادئ: يُتوقع أن يتباطأ معدل النمو إلى 4.4 % في العام 2026، وإلى 4.3 % في العام 2027.
أوروبا وآسيا الوسطى: يُتوقع أن يظل معدل النمو ثابتاً عند 2.4 % في العام 2026 قبل أن يرتفع إلى 2.7 % في العام 2027.
أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي: يُتوقع أن يرتفع معدل النمو تدريجياً إلى 2.3 % في العام 2026، قبل أن يتعزّز ليبلغ 2.6 % في العام 2027.
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان: يُتوقع أن يرتفع معدل النمو إلى 3.6 % في العام 2026، وأن يُواصل التحسُّن ليصل إلى 3.9 % في العام 2027.
جنوب آسيا: يُتوقع أن يتراجع معدّل النمو إلى 6.2 % في العام 2026، قبل أن يتعافى ليصل إلى 6.5 % في العام 2027.
أفريقيا جنوب الصحراء: يُتوقع أن يرتفع معدّل النمو إلى 4.3 % في العام 2026، وأن يُواصل التحسن ليصل إلى 4.5 % في العام 2027.
تحصين القطاع المصرفي ضرورة إستراتيجية لصمود الإقتصادات
أكد هشام عز العرب، رئيس البنك التجاري الدولي CIB، «أن صمود الدول في مواجهة الأزمات لم يعد ينفصل عن صمود أنظمتها المصرفية، مشدّداً على أن تحصين القطاع المصرفي ضد الصدمات بات ضرورة إستراتيجية في ظل عالم تتزايد فيه التقلُّبات وتتسارع فيه التحوُّلات»، موضحاً «أن هذه الرؤية تأتي قبيل إنطلاق مناقشات المنتدى الإقتصادي العالمي في دافوس»، مشيراً إلى «أن هذا التوقيت يشهد تصاعداً غير مسبوق في التقلُّبات العالمية، مدفوعة بتزايد التوترات الجيوسياسية، وتبدّل التحالفات، وإضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب موجات من عدم اليقين المالي، وهو ما يفرض ضغوطاً ممتدة على إقتصادات الدول»، لافتاً إلى «أن التطوُّر التكنولوجي بات عاملاً محورياً في رفع الإنتاجية، وإعادة تشكيل توقعات العملاء».
وأضاف عز العرب: «أن البنوك اليوم لم تعد مجرّد وسيط مالي، بل تمثل الجهاز الدوري للإقتصاد؛ إذ تدعم النمو، وتيسّر الإستثمار، وتموّل القطاع الخاص».
ولفت عز العرب إلى «أن تعثُّر المؤسسات المصرفية ينعكس مباشرة على إستقرار الإقتصادات، بينما يؤدي نجاحها في التكيُّف والإبتكار إلى ترسيخ الإستقرار وتعزيز الثقة»، مشدّداً على «أن بناء قدرة إمتصاص الصدمات يتطلّب معماراً جديداً للصمود، قوامه تطوير القطاع المالي ليكون قادراً على التعامل مع الإضطرابات بسرعة وكفاءة»، مؤكداً «أن التحوُّل الرقمي، رغم ما حقّقه من مكاسب في السرعة والشفافية وخفض التكلفة ورفع كفاءة العمليات، لا يكفي بمفرده لحماية الإقتصادات من المخاطر المتغيّرة»، موضحاً «أن المعادلة الأكثر فاعلية اليوم هي دمج الرقمنة مع التمويل المستدام، عبر تضمين مؤشّرات الإستدامة داخل المنتجات الرقمية والشراكات والمعاملات وقرارات الإبتكار، بما يضمن أن تتحرّك البنوك بسرعة ولكن في الإتجاه الصحيح أيضاً».
ولفت عز العرب إلى «أن التمويل المستدام يُوجّه رأس المال نحو نمو أكثر شمولًا ومسؤولية بيئية وإجتماعية، بما يعزّز جودة الأصول وتحسين ملفات المخاطر وتقوية الميزانيات العمومية، إلى جانب توسيع نطاق الشمول المالي وخلق قيمة إقتصادية طويلة الأجل»، معتبراً «أن تصميم نموذج تشغيلي «مُحصَّن ضد الصدمات» داخل البنوك، خصوصاً في الأسواق الناشئة، يتطلّب أربعة محاور رئيسية، تشمل:
أولًا: المرونة الإستراتيجية، عبر القدرة على التحرُّك الفوري وقت الإضطرابات، وإعادة تخصيص الموارد، وتعديل إستراتيجيات الإئتمان والسيولة ورأس المال.
ثانيًا: التوسُّع التكنولوجي لتنويع مصادر الدخل، وخفض تكلفة خدمة العملاء، وبناء أدوات متقدّمة لإدارة المخاطر.
ثالثًا: الحوكمة المدفوعة بالإستدامة لضمان مراعاة الأثر طويل الأجل، والإلتزام بالمتطلّبات الرقابية، وتعزيز ثقة أصحاب المصلحة.
رابعاً: تنمية رأس المال البشري من خلال تطوير المهارات القيادية والرقمية، وبناء ثقافة مؤسسية قائمة على الإبتكار والجاهزية للتغيير».
وختم عز العرب مؤكداً «أن مستقبل القطاع المصرفي لن يُقاس فقط بالقدرة على تحقيق الأرباح، بل بمدى قدرته على دعم إستقرار الإقتصادات، وتمكين المجتمعات، وبناء أنظمة مالية أكثر صلابة وإستدامة في مواجهة الصدمات».
البنك العربي ومركز هيا الثقافي يختتمان برنامج «المعرفة المالية والإبتكار التكنولوجي»
إختتم البنك العربي ومركز هيا الثقافي مؤخراً برنامج «المعرفة المالية والإبتكار التكنولوجي»الذي جرى تنفيذه على مدار ثلاثة أشهر، وإستهدف الأطفال واليافعين من المدارس الحكومية والجمعيات الخيرية في العاصمة عمّان ومحافظات البلقاء، والزرقاء، ومأدبا. ويأتي دعم البنك العربي لهذا البرنامج إنطلاقاً من إلتزامه الراسخ بالمسؤولية المجتمعية، وحرصه على الإستثمار في طاقات الأجيال الناشئة، وتزويدهم بالمعرفة والمهارات التي تعزّز دورهم المستقبلي، وتؤهّلهم للمشاركة الفاعلة في بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على الإبتكار.
وقد تم من خلال البرنامج تمكين 285 مشاركاً من إكتساب مهارات مالية وتكنولوجية وإبداعية، ضمن تجربة تعليمية تطبيقية عزّزت معارفهم وقدراتهم بطريقة مبتكرة وتفاعلية، حيث إعتمد على منهجية تجمع بين التعليم العملي والتكنولوجيا والفنون، مقدّماً نموذجاً متكاملاً يقرّب المفاهيم المالية من الواقع اليومي للأطفال واليافعين، ويُسهم في ترسيخ مبادئ الإدخار وتنمية مهارات التفكير الإبداعي. وقد شمل الجانب التطبيقي ورش «الحصّالة الذكية» التي أتاحت للأطفال من عمر 9–14 عاماً تصميم حصّالات قادرة على عدّ العملات بإستخدام تقنيات (Arduino)، إلى جانب نشاط الروبوت جونير الذي أتاح لليافعين تجربة بناء روبوت تفاعلي يُصدر إشارات ضوئية وصوتية إستجابة لإدخال العملات المعدنية، مما منح المشاركين فرصة التعرّف على أساسيات البرمجة والإلكترونيات والميكانيك.
كما شارك متطوّعو البنك العربي في تنفيذ الأنشطة، من خلال تقديم الدعم العملي والإشراف على التجارب التعليمية، تعزيزاً لدور البنك في الإستثمار في طاقات الأجيال الناشئة ضمن إطار مسؤوليته المجتمعية.
وفي هذا السياق، قالت ريم العدوان، المدير العام لمركز هيا الثقافي: «نفخر بتعاوننا الهادف والمستمر مع البنك العربي، والذي أتاح لنا تصميم وتنفيذ برامج تعليمية مبتكرة تعرّف الأطفال واليافعين بأهمية الإدخار من خلال الفنون والتعلّم التجريبي، وتزويدهم بمهارات تكنولوجية ومعرفية تُعزّز ثقتهم بأنفسهم وتفتح أمامهم آفاق المستقبل»، مشيرة إلى «أن هذا التعاون يشكّل خطوة محورية في رؤيتنا للوصول إلى أكبر عدد ممكن من أطفال ويافعي الأردن على إختلاف مواقعهم وقدراتهم».
حملة «سنتك على حسابنا» الخاصة بالبطاقات الائتمانية
من جهة أخرى، أطلق البنك العربي مؤخراً حملة ترويجية جديدة تستهدف حاملي بطاقات البنك العربي الإئتمانية الحاليين والجدد بعنوان «سنتك على حسابنا» من خلال تقديم مجموعة من الجوائز والمزايا القيّمة. وتأتي هذه الحملة ضمن إستراتيجية البنك الرامية الى تعزيز الخدمات المصرفية الرقمية وتحسين تجربة المعتمدين من خلال إستخدام البطاقات الإئتمانية الصادرة عن البنك لعمليات الشراء والدفع عبر مختلف الوسائل لتواكب مختلف أنماط الانفاق اليومية.
ويأتي إطلاق الحملة مع بداية العام الجديد، لتتماشى مع تطلُّعات وإحتياجات المعتمدين المتنوّعة مثل التسوّق، والسفر، ودفع أقساط التعليم، وتسديد الفواتير المختلفة، حيث تتيح لهم إمكانية الدفع الإلكتروني بإستخدام البطاقات الإئتمانية محلياً ودولياً أو عبر مواقع التسوُّق الالكتروني بطريقة آمنة وسلسة. كما تمنح الحملة المعتمدين فرصة الإستفادة من باقة مميّزة من العروض والمزايا بما يشكّل قيمة مضافة لتجربتهم المصرفية.
وتتضمّن الحملة السحب على 60 جائزة طوال فترة الحملة الممتدة حتى نهاية العام 2026 بواقع 5 فائزين شهرياً، يحصل كل منهم على استرداد نقدي بنسبة 100 % وبحد أقصى 500 دولار، وذلك عند إستخدام بطاقة البنك الإئتمانية في الشراء بمجموع 200 دولار فأكثر. كما تشمل الحملة أيضاً السحب على 3 جوائز كبرى في نهاية الحملة بقيمة 20,000 دولار لكل جائزة، للمعتمدين الذين يصل مجموع إستخدامهم للبطاقة الى 1,000 دولار فأكثر خلال فترة الحملة.
ويقول وائل الخطيب مدير دائرة خدمات الأفراد في البنك العربي – فلسطين: «إن هذه الحملة تأتي إنسجاماً مع إستراتيجية البنك بدعم التحوُّل الرقمي، وتقديم حلول دفع مبتكرة وآمنة لمعتمدينا، لتُسهم في تعزيز تجربتهم المصرفية اليومية».
وأضاف الخطيب: «تعكس الحملة إلتزام البنك بتوسيع نطاق إستخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وترسيخها كخيار عملي ومريح وآمن بإستخدام البطاقات الإئتمانية»، مشيراً إلى «أن إطلاق الحملة مع بداية العام الجديد (2026) يأتي تقديراً لثقة المعتمدين بالبنك، وحرصاً على مكافأتهم بعروض متميّزة وجوائز ذات قيمة عالية».
«الكويت الدولي» يُصدر صكوكاً بما لا يتجاوز 300 مليون دولار
أعلن بنك الكويت الدولي (KIB) حصوله على موافقة هيئة أسواق المال على ما ورد في نشرة الإكتتاب الخاص لإصدار صكوك ضمن الشريحة الثانية من رأس المال (Tier 2) بقيمة لا تتجاوز 300 مليون دولار، على أن يقتصر هذا الإكتتاب على العملاء المحترفين فقط.
ويهدف البنك من خلال هذا الإصدار إلى تعزيز قاعدة رأس المال ودعم خططه التوسُّعية في السوق المحلية والإقليمية، بما يتماشى مع متطلّبات بازل 3 واللوائح الرقابية ذات الصلة. وتُعد هذه الصكوك أداة تمويلية تساعد على تعزيز كفاية رأس المال وتحقيق التوازن بين النمو والاستدامة المالية.
ويأتي هذا التوجُّه في ظل استمرار البنوك الكويتية في تنويع مصادر تمويلها عبر أدوات الدين الإسلامية، بما يلبّي الطلب المتزايد من المستثمرين المحترفين على الصكوك ويُعزّز مكانة الكويت كمركز مالي إقليمي في هذا القطاع.
تعزيزاً لمسيرة التحوُّل الرقمي في القطاع المصرفي والسلك القضائي المصري
«الأهلي المصري» يفتتح قاعات التقاضي الإلكترونية
إفتتح البنك الأهلي المصري أول قاعات تقاضٍ إلكترونية متكاملة، وذلك في إطار إستراتيجيته الشاملة لرقمنة الإجراءات القضائية وتطوير منظومة العمل بالمجموعة القانونية، تأكيداً على إلتزام «الأهلي المصري» المستمر بالإبتكار والتطوير، وحرصه على الحفاظ على مكانته كمؤسسة مصرفية رائدة تُواكب أحدث التطوُّرات التكنولوجية، كما تعكس رؤية البنك في المساهمة الفعّالة في دعم جهود الدولة المصرية لتحقيق العدالة الناجزة وتعزيز ثقة المتعاملين في المنظومة القضائية.
وقد شارك في الإفتتاح المستشار الجليل عدنان فنجري وزير العدل، ومحمد الإتربي الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، ويحي أبو الفتوح نائب الرئيس التنفيذي للبنك، وأشرف شعبان رئيس القانونية التنفيذي في البنك، ومحمد شعبان وكيل محافظ البنك المركزي للشؤون القانونية، إضافة إلى نخبة من كبار مسؤولي الجانبين.
وأكد فنجري «أن الدولة تضع منظومة التقاضي الإلكتروني على رأس أولوياتها الإستراتيجية، بهدف خفض الجهود والنفقات وتسريع وتيرة الفصل في القضايا».
من جانبه، أكد الإتربي «أن مصر تشهد خطوات ثابتة ومتسارعة على مختلف الأصعدة في سبيل تطوير منظومة التقاضي وتيسير إجراءاتها على المتقاضين، لا سيما في مجال التحوُّل الرقمي لهذه المنظومة»، موضحاً «أن رقمنة الإجراءات ومخرجات التقاضي بشكل عام تمثل أحد الأركان الأساسية لإستراتيجية التنمية المستدامة، والتي يوليها البنك الأهلي المصري إهتماما بالغاً»، مؤكداً «أن قاعات التقاضي الإلكترونية ورقمنة منظومة التقاضي في البنك تُعد وسيلة لتحسين الأوضاع بشكل أكثر كفاءة وفاعلية»، مضيفاً «أن هذه المبادرة تأتي في إطار مواكبة البنك لكافة المستحدثات التقنية التي تتم داخل مختلف الجهات الحكومية، والتي تتماشى مع إستراتيجية البنك الشاملة، مما ينعكس بشكل إيجابي على سرعة إنجاز الأعمال المطلوبة وتوفير الوقت والجهد المبذول لكافة المتقاضين في البنك».
«الأهلي المصري» يُسلّم عدداً من البيوت والمشروعات الصغيرة للمستفيدين في محافظة أسوان
من جهة أخرى، أعلن البنك الأهلي المصري عن تسليم عدد من الوحدات السكنية والمشروعات لعدد من الأسر المستفيدة في محافظة أسوان في مركز دراو، قرية بنبان، في حضوراللواء الدكتور إسماعيل كمال محافظ أسوان، ومحمد الإتربي الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، ودينا أبو طالب رئيس التسويق والتنمية المجتمعية، ومحمد عواره مدير التنمية المجتمعية في «الأهلي المصري» وأحمد الجندي رئيس مجلس إدارة جمعية الأورمان وفريق عمل التنمية.
وأعرب اللواء إسماعيل كمال عن تقديره لهذه المبادرة «التي تساهم بشكل مباشر في تحسين حياة المواطنين»، مؤكداً «أهمية الشراكة بين «الأهلي المصري» وجمعية الأورمان في تنفيذ المشاريع التنموية والخيرية التي تهدف إلى رفع مستوى المعيشة وتحقيق التنمية المستدامة في مختلف المناطق في محافظة أسوان».
من جانبه، أكد محمد الإتربي «إلتزام «الأهلي المصري» بدوره المجتمعي تجاه أهل مصر، حيث شملت هذه المبادرة إعادة بناء وتأهيل البيوت المتهدّمة بالكامل، وتجهيزها بالأثاث اللازم، إلى جانب تقديم دعم مستدام للمستفيدين، بهدف تمكين أهل القرية إقتصادياً وإجتماعياً وتعزيز قدراتهم على الإعتماد الذاتي»، مؤكداً «أن البنك يحرص على إستمرار دعمه للمبادرات التي تساهم في تحسين جودة الحياة للأسر الأكثر إحتياجاً، مع التركيز على تمكينهم من خلال المشروعات الصغيرة وبرامج التنمية المستدامة».
أما دينا أبو طالب فقالت: «إن البنك قام بتسليم 20 وحدة سكنية و10 مشروعات صغيرة و21 مشروع رأس ماشية للمستفيدين بالتعاون مع جمعية الأورمان، وذلك بهدف تحسين مستوى المعيشة للأسر المستفيدة من المشروع ولتوفير بيئة سكنية آمنة ومريحة للأسر، وتمكينهم إقتصادياً، وهو ما يأتي في إطار إستراتيجية البنك المجتمعية التي تركز بشكل خاص على تنمية صعيد مصر في مختلف مجالات العمل المجتمعي بشكل متكامل».
من جانبه أعرب أحمد الجندي عن إعتزازه بالشراكة مع البنك الأهلي المصري في هذا المشروع الحيوي، «والتي تعزّز أثر العمل المجتمعي المشترك بين القطاع المصرفي والمؤسسات الخيرية، بما يُحقّق نتائج ملموسة على الأرض ويترك أثراً إيجابياً طويل الأمد في المجتمعات المحلية»، مشيراً إلى «أن هذه المبادرة ليس مجرّد إعادة بناء للبيوت المتهدمة، بل يمثل نموذجاً متكاملاً للتنمية المستدامة، من خلال دمج البُعد الإجتماعي مع البُعد الإقتصادي، عبر توفير مشروعات صغيرة ودعم مستدام للأسر المحتاجة، بما يُسهم في تعزيز الإستقرار الإجتماعي ورفع جودة الحياة في المنطقة».
«الأهلي المصري» مستشار مالي لتحالف مصرفي يضم QNB مصر و CIB وبنك القاهرة
على صعيد آخر، أعلن البنك الأهلي المصري عن مشاركته كمستشار مالي رئيسي في تحالف مصرفي يضم QNB مصر، بصفته المرتب الرئيسي الأولي ومسوّق التمويل، ووكيل التمويل، وبمشاركة كل من البنك التجاري الدولي (CIB) بصفته المرتب الرئيسي الأولي ومسوق التمويل وبنك المستندات، وبنك القاهرة بصفته المرتب الرئيسي الأولي ومسوّق التمويل ووكيل الضمان في ترتيب وتوفير تمويل مشترك بقيمة تقارب من 140 مليون دولار لصالح شركة العلمين لمنتجات السيليكون.
ويهدف هذا التمويل المشترك الى تطوير وبناء وتنفيذ وتشغيل مجمّع صناعي متكامل لإنتاج معدن السيليكون ومشتقاته في المنطقة الصناعية بمدينة العلمين الجديدة، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 45 ألف طن من السيليكون المعدني، وبإجمالي إستثمارات تُقدَّر بنحو 200 مليون دولار.
ويأتي قيام التحالف المصرفي بدور المرتبين الرئيسيين لهذا القرض المشترك دعماً لتمويل المشروعات الصناعية الكبرى ذات الأثر الإقتصادي الإيجابي، كما تؤكد إستراتيجية البنوك المشاركة لدعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز التصنيع المحلي، والمساهمة في تنفيذ مشروعات استراتيجية تسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
وقد شارك في حضور حفل التوقيع المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، ومن الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات، ايكم، المهندس إبراهيم مكي، والمهندس علاء الدين عبد الفتاح، ورشا رمضان، والدكتور أمجد كامل، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العلمين لمنتجات السيليكون، ومحمد الإتربي الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، ومحمد بدير، الرئيس التنفيذي لـ QNB مصر وعمر الحسيني، الرئيس التنفيذي لقطاعات الأسواق العالمية، ومحمد شاكر، المشرف على مجموعة الإئتمان المصرفي للشركات وقطاع إئتمان القروض المشتركة والتمويل الهيكلي في بنك القاهرة، وعدد كبير من قيادات القطاع المصرفي.
وقال محمد الإتربي، الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري: «إن البنك نجح في تعزيز دوره الريادي كشريك إستراتيجي في تمويل المشروعات الوطنية الكبرى التي تتماشى مع رؤية مصر 2030 وأهداف الدولة للتنمية المستدامة»، مشيراً إلى «أن البنك قام بدور المستشار المالي الرئيسي لمشروع شركة العلمين لمنتجات السيليكون لإنشاء المرحلة الأولى من مجمع السيليكون، حيث قاد عملية توفير تمويل بقيمة 140 مليــــــون دولار يمثـل 70 % من إجمالي التكلفة الإستثمارية للمشروع البالغة 200 مليون دولار»، مضيفاً «أن دور البنك الأهلي المصري شمل تصميم الهيكل التمويلي الأمثل بما يتوافق مع طبيعة المشروع ومتطلّباته التمويلية والتشغيلية، بالإضافة إلى التفاوض مع البنوك المموّلة لضمان أفضل الشروط والأحكام التمويلية، وتنسيق الجهود بين جميع الأطراف المعنية لضمان نجاح عملية التمويل».
ماستركارد ومجموعة QNB يعزّزان حلول المدفوعات في سوريا
أعلنت شركة ماستركارد عن منح ترخيص لمجموعة QNB، أكبر مؤسسة مالية في الشرق الأوسط وإفريقيا، يتيح لها توسيع أنشطة إصدار وقبول المدفوعات داخل سوريا، عبر تقديم حلول ماستركارد للمدفوعات، المقبولة محلياً ودولياً، للأفراد والشركات.
وستساهم هذه الخطوة، التي جاءت عقب توقيع مذكرة تفاهم بين ماستركارد ومصرف سورية المركزي في سبتمبر/ أيلول 2026 بهدف دعم عملية تحديث البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في سوريا، في توسيع نطاق الوصول إلى معاملات رقمية سلسة وآمنة ومبتكرة.
ويُعد هذا التعاون محطة مهمة في الشراكة المستمرة بين ماستركارد و QNB في سوريا، ضمن جهودهما المشتركة لتعزيز تجربة الخدمات المصرفية الرقمية، ودعم الشمول المالي، ومنح فرص جديدة من خلال توظيف التكنولوجيا لإثراء حياة العملاء.
ويعكس إلتزام البنك بريادة الابتكار الرقمي عبر شبكته الدولية وحرصه على تعزيز النمو المستدام في سوق يتمتع بإمكانات واعدة. ومن خلال هذا التعاون الجديد، يهدف الجانبان إلى المساهمة بشكل فعّال في تطوير مشهد المدفوعات في سوريا ودعم إنتقاله نحو منظومة رقمية أكثر تطوراً.
ويقول آدم جونز، الرئيس الإقليمي لغرب المنطقة العربية لدى ماستركارد: «نواصل تعزيز وجودنا في سوريا بإعتبارنا من أوائل الشركات العاملة في هذه السوق المتنامية. ويمثل دعم شركائنا من البنوك خطوة أساسية لتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية أمام ملايين المواطنين، ووضع الأسس لمنظومة مدفوعات قوية وجاهزة للمستقبل. ويأتي هذا العمل دعماً لرؤية سوريا في تحقيق تقدم إقتصادي مستدام، مع الإلتزام الكامل بالمتطلبات التنظيمية ومعايير الإمتثال».
حصل بنك مصر، على الدرع الذهبي من منصّة يوتيوب التابعة لمؤسسة جوجل العالمية، وذلك بعد تجاوز عدد المشتركين بالقناة الرسمية للبنك حاجز المليون مشترك.
وقد بلغ عدد مشتركي قناة بنك مصر على يوتيوب أكثر من مليوني مشترك، كما تخطّى إجمالي عدد المشاهدات على القناة أكثر من 800 مليون مشاهدة، بما يعكس قوة المحتوى الذي يقدمه البنك وقدرته على الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور بمختلف فئاته.
ويواصل بنك مصر تصدره للمشهد الرقمي، مؤكداً مكانته بإعتباره صاحب أكبر قاعدة متابعين والأكثر تفاعلًا على مختلف منصّات التواصل الإجتماعي، بما يعكس الحضور القوي للبنك ونجاحه في بناء قنوات تواصل فعّالة ومستدامة مع المجتمع.
ويعكس هذا النمو المتواصل نجاح إستراتيجية بنك مصر في توظيف المنصّات الرقمية لدعم الشمول المالي، ونشر الثقافة المصرفية، والتعريف بالخدمات والمنتجات التي يتيحها البنك، بما يُسهم في تحسين تجربة العملاء وتعزيز مستويات التواصل معهم، إلى جانب ترسيخ رؤيته في الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع من خلال منصّات رقمية دارجة ومحتوى يسهم في نشر الثقافة المصرفية.
ويُعد هذا الإنجاز إمتداداً للنجاحات السابقة التي حققها بنك مصر على منصّة يوتيوب، حيث كان أول بنك في مصر يحصل على الدرع الفضي عقب تخطي عدد المشتركين 100 ألف مشترك، في خطوة سبّاقة عكست ريادة البنك في استخدام القنوات الرقمية كأداة للتواصل الفعّال مع المجتمع.
ويؤكد بنك مصر، أن هذا الإنجاز يعكس إلتزامه المستمر بتطوير حضوره الرقمي وتعزيز قنوات التواصل مع الجمهور، بما يرسّخ مكانته باعتباره الأكثر تأثيراً وتفاعلاً على المنصّات الرقمية، ويجسّد رؤيته في تقديم محتوى مصرفي مبتكر يضع العميل في قلب أولوياته، ويدعم دوره الوطني في تحقيق الشمول المالي والتنمية المستدامة.
«أبوظبي الأول» الأكثر تعزيزاً لمحفظة أصوله بقيمة 35.44 مليار دولار
خلال النصف الأول من العام 2025 و«الأهلي السعودي» وصيفاً
كشفت قائمة «First Bank» لرصد قيم الزيادة لإجمالي محافظ أصول البنوك العربية الكبرى خلال النصف الأول من العام 2025، عن سيطرة البنوك الإماراتية والسعودية على 60 % من القائمة، بواقع 3 بنوك لكل منهما، بما يعكس قوة نماذج أعمالها وقدرتها على التوسُّع المدروس، مدعومة بمتانة إقتصادية وكفاءة في إدارة الأصول، وهو ما يُرسّخ موقعها القيادي على المستوى الإقليمي.
وإستحوذت البنوك المصرية على مقعدين ضمن قائمة أكثر 10 بنوك تعزيزاً للأصول، ما يعكس قدرتها على المنافسة على الصعيدين الإقليمي والعربي، في حين إقتصر تمثيل الكويت وقطر على مقعد واحد لكل دولة ضمن العشرة الأوائل.
وشمل التصنيف البنوك العربية الكبرى، والتي يعرفها مركز تصنيفات «First Bank» على أنها البنوك التي يزيد حجم أصولها عن 15 مليار دولار.
وعلى مستوى ترتيب البنوك ضمن القائمة، إحتل بنك أبوظبي الأول صدارة القائمة، بعدما تمكن من تعزيز محفظته من الأصول بنحو 35.44 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2025، لتصل إلى 365.79 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 330.35 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وحصد البنك الأهلي السعودي المركز الثاني، حيث إرتفعت محفظته من الأصول بنحو 26.34 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من العام 2025، لتسجل 320.23 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 293.89 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وجاء بنك الإمارات دبي الوطني في المركز الثالث، حيث صعدت محفظة الأصول لديه بحوالي 24.25 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2025، لتسجل 295.61 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقارنة بـ271.36 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وإستحوذ بنك أبوظبي التجاري على المركز الرابع، بعدما إرتفعت محفظته من الأصول بنحو 17.89 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2025، لتبلغ 195.64 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 177.75 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وحلّ خامساً مصرف الراجحي، حيث قفزت محفظته من الأصول بنحو 17.68 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2025، لتسجّل 277.03 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 259.35 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وإحتلّ البنك الأهلي المصري المركز السادس، بعدما صعدت محفظة الأصول لديه بحوالي 15.38 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2025، لتصل إلى 175.29 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقارنة بـ159.91 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وإنتزع بنك قطر الوطني المركز السابع، حيث إرتفعت محفظة الأصول لديه بنحو 15.29 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من العام 2025، لتبلغ 371.42 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 356.13 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وإقتنص بنك الكويت الوطني المركز الثامن، بعدما إرتفعت محفظته من الأصول بحوالي 11.86 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2025، لتسجل 142.83 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 130.97 مليار دولار في نهاية العام 2024.
وحصد بنك الرياض المركز التاسع، حيث صعدت محفظة الأصول لديه بنحو 10.99 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من العام 2025، لتصل إلى 130.87 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 119.88 مليار دولار في نهاية العام 2024.
أما عن المركز العاشر، فكان من نصيب بنك مصر، بعدما إرتفعت محفظته من الأصول بحوالي 10.74 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من العام 2025، لتسجل 81.68 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025، مقابل 70.95 مليار دولار في نهاية العام 2024.
هل تحوَّلت بنوك المراسلة الأميركية إلى بوابة للهيمنة المالية؟
نيويورك مركز عالمي.. والعرب يبحثون عن بدائل لمسار الأموال
هل أصبحت بنوك المراسلة الأميركية مجرّد وسيط تقني، أم أداة نفوذ تتجاوز حدود الإقتصاد إلى الجغرافيا السياسية؟
في إستطلاع لـ «البيان» تنشره مجلة «إتحاد المصارف العربية» عن آراء مجموعة من المصرفيين والخبراء الماليين العرب والأجانب يعملون أو عملوا سابقاً في مواقع بارزة في مؤسسات مالية حكومية أو شبه حكومية أو في القطاع الخاص، حيث إنقسمت آراؤهم حول دور بنوك المراسلة وهيمنتها: الفريق الأول يرى أن بنوك المراسلة الأميركية تشكّل، بحكم الواقع، مفصلاً أساسياً في النظام المالي العالمي، في ظل الهيمنة الواسعة للدولار على التجارة الدولية وتسوياتها. ويؤكد هؤلاء أن هذه الهيمنة لا تنبع بالضرورة من نيات سياسية مباشرة، بل من بنية تاريخية وإقتصادية عميقة جعلت الدولار العملة الأكثر إستخداماً في التجارة والإحتياطات، ما فرض مرور المدفوعات عبر بنوك مراسلة وأنظمة مقاصة أميركية.
ووفق هذا المنظور، يؤكد الفريق الأول أن البنوك المراسلة تُعُّد جزءاً من آلية تنظيمية تضمن الإنضباط المالي والإمتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتُسهم في الحفاظ على الإستقرار المالي العالمي، وإن كانت هذه الآلية مكلفة من حيث الرسوم ومتطلّبات الإمتثال، وخصوصاً في المعاملات العابرة للحدود.
في المقابل، يذهب الفريق الثاني إلى أن هذا الدور التنظيمي تحوّل مع الوقت إلى نفوذ بنيوي قابل للتفعيل سياسياً، معتمدين على حقيقة أن الوصول إلى أنظمة المقاصة الحيوية بالدولار بات شرطاً لا غنى عنه لأي بنك يسعى للمشاركة في التجارة والتمويل العالميين.
د. ناصر السعيدي:
هيمنة الدولار ترتكز أكثر على بنية المدفوعات
يرى الدكتور ناصر السعيدي، الإقتصادي اللبناني المخضرم، مُؤسِّس ورئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه، والذي عمل سابقاً كوزير للصناعة في الحكومة اللبنانية ونائب حاكم مصرف لبنان المركزي وكبير الإقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي، «أن الدولار يهيمن على التجارة والمعاملات المالية الدولية، بما في ذلك النفط، من خلال شبكة بنوك المراسلة الأميركية، ما يمنح السلطات الأميركية قدرة قانونية على أي معاملة بالدولار في العالم. ويبلغ نصيب الدولار من حجم تمويل التجارة الدولية نحو 80.15 %، في مقابل 8.36 % لليوان الصيني و6.17 % لليورو، ما يعكس قدرة الدولار على التحكم في تدفقات الأموال العالمية، بما في ذلك الأموال العربية».
ويشير د. السعيدي إلى «أن الولايات المتحدة تستخدم الدولار كأداة سياسية، عبر العقوبات الإقتصادية والإستبعاد من نظام سويفت ومصادرة الأصول، بما يعكس أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي، ويمتد هذا التأثير ليشمل حالات «سلاح ناعم» عبر قطع العلاقات المصرفية مع دول مثل لبنان وليبيا والسودان وسوريا، بذريعة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو لأسباب جيوسياسية، ما يؤدي عملياً إلى عزل هذه الدول عن النظام المالي العالمي»، مؤكداً «أن هيمنة الدولار اليوم ترتكز أكثر على بنية المدفوعات وأنظمة التسوية، وليس فقط على دور العملة، حيث يعالج نظام FedWire نحو 4 تريليونات دولار يومياً، وCHIPS حوالي 1.8 تريليون دولار، فيما تمر نحو 95 % من المدفوعات بالدولار عبر هذه الأنظمة. ورغم أن نظام سويفت ليس أميركياً، إلاّ أنه إلتزم غالباً بتوجيهات الولايات المتحدة في حالات إيران وروسيا، ما يعكس قدرة أميركية على التأثير على النظام المالي الدولي».
جمال صالح:
الدرهم الإماراتي من أكثر العملات إمتلاكاً لمقوّمات القدرة التحوُّل على إلىعملة صعبة مستقبلاً
من جهته، يرى جمال صالح، المدير العام لإتحاد مصارف الإمارات، «أن إعتماد البنوك على المراسلة الأميركية في معظم المدفوعات الدولية يشكّل حالة طبيعية في النظام المالي العالمي، ويعود ذلك إلى أن نحو 60 – 70 % من معاملات التجارة الدولية تتم بالدولار الأميركي، ما يجعل المرور عبر البنوك الأميركية جزءاً من آليات العرض والطلب وشعبية العملة على مستوى العالم».
ويشير صالح إلى «أن أي عملية تجارية بين دولتين عادةً ما تمرُّ عبر البنوك التابعة للدولة المصدرة للعملة المستخدمة في الدفع. فعلى سبيل المثال، إذا أراد عميل في المغرب دفع مقابل بضائع لعميل في البحرين بالدولار، فمن الطبيعي أن تمرّ الحوالة عبر بنوك المراسلة في الولايات المتحدة، غالباً في نيويورك. وقد يؤدي ذلك إلى تكاليف إضافية نتيجة تعدد الرسوم أو وجود أكثر من بنك مراسل في العملية، وهو أمر شائع وطبيعي في النظام المالي الدولي»، موضحاً «أن هذا الأمر ينطبق على جميع العملات الصعبة، سواء الدولار الأميركي أو الجنيه الإسترليني أو اليورو، أو أي عملة وطنية مستخدمة في التسويات الدولية»، مؤكداً «أن مرور العمليات عبر بنوك المراسلة ليس هيمنة أو عقوبة، بل متطلّب فني وبنيوي لا غنى عنه، حتى حيال تسويات بمليارات الدولارات». ويؤكد صالح «أن الدرهم أصبح من العملات القادرة على التحوُّل إلى عملة صعبة مستقبلاً، نظراً إلى إرتفاع مستوى الثقة به وإعتماده في المعاملات الدولية».
د. وسام فتوح:
البنوك المركزية العربية قامت بدور ممتاز في تطبيق تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
وأكد الدكتور وسام فتوح، الأمين العام لإتحاد المصارف العربية، «أن بنوك المراسلة الأميركية لا تمثل هيمنة فعلية على حركة الأموال العربية، بل إن السيطرة الفعلية تأتي من هيمنة الدولار على التجارة الدولية، حيث لا يزال يشكل أكثر من 65 % من المعاملات الدولية»، مشيراً إلى «أن أي عملية مقاصة أو تسوية مالية دولية غالباً ما تمر عبر بنوك المراسلة الأميركية، إذ تلتزم هذه البنوك إجراءات صارمة لضمان صحة المعاملات والإمتثال للقوانين، ما يعزّز الإستقرار المالي عالمياً وعلى مستوى المنطقة العربية»، مؤكداً «أن بنوك المراسلة الأميركية تقوم بعمليات «العناية الواجبة» لأي تحويل مالي، للتحقُّق من خلوّها من عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب أو فساد، ما يُسهم في خلق نظم مالية مستقرّة ومنتظمة»، مشيراً إلى «أن المصارف العربية يجب أن تلتزم القوانين الدولية الصارمة في هذا المجال، وأن البنوك المركزية العربية قامت بدور ممتاز في تطبيق تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي».
حمزة دويك:
البدائل الناشئة تسجّل زخماً متزايداً لكنها لا تزال محدودة النطاق والتأثير
يرى حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ساكسو بنك، «أن بنوك المراسلة الأميركية تمثل أداة مؤسسية فعّالة للسيطرة على تدفقات رأس المال العربي، حتى في الدول غير الخاضعة لعقوبات مباشرة»، موضحاً «أن هذه السيطرة ليست نتاج قرارات سياسية ظرفية، بل متجذّرة في البنية التحتية لنظام المقاصة بالدولار، الذي يُلزم البنوك العربية بالحفاظ على علاقات مراسلة مع مؤسسات مالية أميركية للوصول إلى أنظمة التسوية الحيوية، وعلى رأسها نظاما فيدواير وتشيبس».
وأكد دويك «أن هيمنة الدولار لا تقتصر على دوره النقدي، بل تمتد إلى السيطرة على البنية التحتية للنظام المالي العالمي»، مشيراً إلى «أن أكثر من 95 % من المدفوعات العابرة للحدود بالدولار تمر عبر بنوك أميركية في مرحلة ما من مراحل التسوية، ما يمنح واشنطن قدرة إستثنائية على الرصد والتنفيذ والضغط التنظيمي على التدفقات المالية العالمية، ما يُعزّز تأثير الدولار بما يتجاوز أدوات السياسة النقدية التقليدية مثل أسعار الفائدة»، مشدّداً على «أن الإعتماد على بنوك المراسلة الأميركية يُمثل كلفة هيكلية دائمة للبنوك العربية، وليست مجرد ظرفية أو مرتبطة بالأزمات».
ديفيد جيبسون – مور: بنوك المراسلة الأميركية تمارس نفوذها على النظام المصرفي العربي بشكل غير مباشر
ويرى المصرفي البريطاني المخضرم ديفيد جيبسون – مور، الرئيس التنفيذي لشركة غلف أناليتيكا، «أن بنوك المراسلة الأميركية تمارس نفوذها على النظام المصرفي العربي بشكل غير مباشر، من خلال أطر الإمتثال وليس عبر السيطرة المباشرة»، موضحاً «أن هذه البنوك تعتمد معايير صارمة للعناية الواجبة، ومراقبة المخاطر، والتحقُّق من الإمتثال، متأثرة بالتوقعات التنظيمية الأميركية، والتي أصبحت أفضل الممارسات العالمية»، مؤكداً «أن تأثير بنوك المراسلة الأميركية هيكلي وليس سياسياً، إذ يعتمد على بنية النظام المالي الدولي، وليس على نوايا سياسية محدّدة تجاه المنطقة العربية»، مشيراً إلى «أن الإعتماد على سلاسل التسوية الدولارية يترتب عليه تكاليف هيكلية، تتجلّى في إرتفاع تكاليف الإمتثال، والتشدّد في متطلبات التوثيق، وإعتماد نهج أكثر تحفظاً في معالجة المعاملات».
يُتوقع أن يصل حجم سوق التمويل عبر سلسلة الكتل إلى حوالي 32.36 مليار دولار في العام 2025، مدفوعاً بالنمو السريع في التمويل اللامركزي (decentralized finance DeFi) والأصول الحقيقية المميّزة tokenized real-world assets. ويعكس هذا النمو توسع نطاق الخدمات المالية القائمة على تقنية سلسلة الكتل، بما في ذلك الإقراض والتداول وإدارة الأصول التي تتم عبر العقود الذكية. ويُعتبر قطاع ترميز الأصول الحقيقية (RWAs tokenization of real-world assets) الأسرع نمواً في سوق التمويل عبر سلسلة الكتل، وقد إرتفع حجمه من 5 مليارات دولار في العام 2022 إلى أكثر من 24 مليار دولار في حلول منتصف العام 2025، بزيادة قدرها 380 %. وقد نمت الإيرادات من الرسوم المفروضة على التطبيقات على سلسلة الكتل بنسبة 126 % في النصف الأول من العام 2025، مما يشير إلى تزايد الطلب من المستخدمين والنظام البيئي الملائم.
كما يُتوقع أن يتجاوز سوق التمويل عبر سلسلة الكتل 1.5 تريليون دولار في حلول العام 2034 مع معدّل نمو سنوي مركب (CAGR) يزيد عن 53 %، مما يؤكد التحوُّل الجذري في مجال التمويل العالمي.
ونعرض في هذا التحقيق، تطوُّر نمو التمويل عبر سلسلة الكتل (onchain finance) عالمياً وفي الدول العربية. كما نسلّط الضوء على التحدّيات التي تواجه التمويل عبر سلسلة الكتل مع تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات. كذلك نعرض التقنيات والبنية التحتية الرئيسية للتمويل عبر سلسلة الكتل، واللوائح التنظيمية، والمنصّات الرئيسية التي تُقدّم التمويل عبر سلسلة الكتل. ونختتم بالتوقعات المستقبلية للتمويل عبر سلسلة الكتل، والتوصيات للمصارف العربية لتعزيز قدراتها على التمويل عبر سلسلة الكتل.
حجم ونمو سوق التمويل عبر سلسلة الكتل
تطورات التمويل عبر سلسلة الكتل
التمويل عبر السلسلة (Onchain Finance) يشمل الأنشطة والخدمات المالية التي تُنفَّذ وتُسجَّل مباشرةً على سلسلة الكتل (blockchain)، من دون الإعتماد على الوسطاء التقليديين كالبنوك أو السماسرة. ويشمل تطبيقات التمويل اللامركزي (DeFi)، مثل الإقراض والإقتراض والتداول وإدارة الأصول، والتي تُدار جميعها بعقود ذكية. يُوفِّر التمويل عبر السلسلة شفافيةً وإمكانية وصول أكبر، مما يُمكِّن المستخدمين من التفاعل مع المنتجات المالية في بيئة آمنة.
التقنيات والبنية التحتية للتمويل عبر سلسلة الكتل
يختلف التمويل عبر سلسلة الكتل (Onchain Finance) عن التمويل التقليدي إختلافاً جوهرياً في بنيته وسهولة الوصول إليه وشفافيته. يعتمد التمويل التقليدي على مؤسسات مركزية، كالبنوك ومراكز المقاصة، لإدارة المعاملات، وتعزيز الثقة، وحفظ السجلات، مما يؤدي غالباً إلى بطء في معاملات التسوية، ومحدودية في الوصول، وارتفاع في الرسوم. في المقابل، يعمل التمويل عبر سلسلة الكتل (Onchain Finance) على شبكات بلوكتشين لامركزية، حيث تساعد العقود الذكية في أتمتة العمليات المالية، مما يقلّل من عدد الوسطاء، ويتيح معاملات آنية بلا حدود. يُمكّن التمويل عبر سلسة الكتل المستخدمين من تحكم أكبر في الأصول، ويساعد في زيادة الشفافية والشمولية. إلاّ أن التمويل عبر سلسلة الكتل (Onchain Finance) يُواجه تحدّيات عدّة منها عدم اليقين التنظيمي، وقلّة الوعي المالي لدى المستخدمين، مما يجعل التمويل عبر سلسلة الكتل نموذجاً مُكمّلاً للنظام المالي التقليدي، لا بديلاً عنه.
تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات
التحدّيات التي تواجه التمويل عبر سلسلة الكتل
يُواجه التمويل عبر سلسلة الكتل (Onchain Finance) مجموعة تحدّيات ناجمة عن معوّقات تكنولوجية وتنظيمية. على الصعيد العالمي، تُعوّق الثغرات في العقود الذكية وقلّة القابلية للتوسع والمعايير المُجزأة، التبني السلس. ولا يزال عدم اليقين التنظيمي يُشكل عقبةً رئيسيةً، حيث تُشكل السياسات غير المُتسقة مخاطر إمتثال للمطوّرين والمستخدمين على حدٍ سواء. في الدول العربية، تتفاقم هذه التحدّيات بسبب الإفتقار للبنية التحتية المتينة لسلسلة الكتل، وضعف الوعي المالي، والحاجة إلى مواءمة المنتجات المالية عبر سلسلة الكتل مع مبادئ التمويل الإسلامي. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الأطر التنظيمبة المُوحدة وأنظمة الهوية الرقمية يُقيد قابلية التشغيل البيني والثقة في المعاملات عبر الحدود. إن التغلب على هذه العقبات يتطلب جهوداً مُنسقة بين الحكومات والمؤسسات المالية ومُبتكري التكنولوجيا لبناء أنظمة سلسلة كتل آمنة وشاملة ومتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
التشريعات
تتطوّر التشريعات لتنظيم التمويل عبر سلسلة الكتل بسرعة في جميع أنحاء العالم، حيث تسعى الحكومات إلى تحقيق التوازن بين الإبتكار وحماية المستهلك والإستقرار المالي. في الإقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وسنغافورة، تُقدم الجهات التنظيمية أطراً للعملات المستقرة والتمويل اللامركزي والأصول الرمزية، مع تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال ومعرفة العميل.
في الدول العربية، هناك تفاوت كبير في التشريعات المتعلقة بالتمويل عبر سلسلة الكتل. تقود دول الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمملكة العربية السعودية برامج تجريبية وأنظمة ترخيص لبورصات العملات المشفرة ومنصات البلوك تشين، بهدف أن تصبح مراكز إقليمية للتكنولوجيا المالية. إلا أنه لا تزال دول عربية أخرى حذرة، وغالباً ما تفتقر إلى تعريفات قانونية واضحة للأصول الرقمية. إن توحيد اللوائح التنظيمية في جميع الدول العربية ومواءمتها مع المعايير العالمية أمراً أساسياً لإطلاق العنان للإمكانات الكاملة للتمويل عبر سلسلة الكتل في العالم العربي.
المنصّات الإلكترونية التي تقدم التمويل عبر سلسلة الكتل
هناك العديد من المنصّات الإلكترونية الرائدة في تقديم خدمات التمويل عبر سلسلة الكتل، بدءاً من الإقراض اللامركزي ووصولاً إلى إدارة الأصول الرمزية. وتقدم هذه المنصّات حلولاً مالية شفافة وآلية وشاملة.
المنصّات الإلكترونية الرائدة التي تقدم التمويل عبر سلسلة الكتل
التمويل عبر سلسلة الكتل في الدول العربية
يشهد التمويل عبر سلسلة الكتل (Onchain finance) في الدول العربية تطوراً سريعاً، مدفوعاً بالتحوُّل الرقمي، والتبنّي، والأطر التنظيمية المتقدمة في بعض الدول العربية. تقود الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين مبادرات في مجال التمويل المفتوح، على نطاق واسع يشمل الخدمات المصرفية المفتوحة والإستثمارات والتأمين وخدمات الإئتمان. ومن المتوقع أن تنمو السوق الإقليمية للتمويل عبر سلسلة الكتل لتصل إلى 11.74 مليار دولار في حلول العام 2027، مما يعكس معدّل نمو سنوي مركب (CAGR) بنسبة 45 %. ويدعم هذا النمو إرتفاع معدّل إنتشار الهواتف الذكية، وتحسّن البنية التحتية للإنترنت، وإستراتيجيات التكنولوجيا المالية المدعومة من الحكومات والتي تهدف إلى تعزيز الشمول المالي والمشاركة الإقتصادية. كما تتعاون الهيئات التنظيمية العربية الى توحيد المعايير وتعزيز الإبتكار.
الجوانب الرئيسية للتمويل عبر سلسلة الكتل في الدول العربية
التوصيات للمصارف العربية لمواكبة تطورات التمويل عبر سلسلة الكتل
على المصارف العربية تبني التمويل عبر سلسلة الكتل (onchain finance) بشكل استباقي من خلال دمج البنية التحتية لسلسلة الكتل (blockchain) في عملياتها الأساسية، بدءاً من المدفوعات الرمزية، والتحقق الرقمي من الهوية، والإقراض القائم على العقود الذكية. ومن خلال التعاون مع مراكز التكنولوجيا المالية الإقليمية والبيئات التنظيمية التجريبية، يُمكن للمصارف العربية تطوير منتجات التمويل اللامركزي (DeFi) المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتبسيط المعاملات العابرة للحدود، وتعزيز الشفافية في إدارة الأصول. وسيكون الإستثمار في سلسلة الكتل (blockchain finance) والتدريب من العوامل الاساسية في بناء الثقة وسهولة الاستخدام. ومع توجُّه دول الخليج نحو الإقتصادات الرقمية، فإن التبنّي المبكر للتمويل عبر سلسلة الكتل (onchain finance) سيضع المصارف العربية في مركز الصدارة في الإبتكار والمرونة والشمول المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
« العرب كـويـن » .. هل نحلم بإصدار عملـة رقميـة عربيـة؟
محمــد علـي ثامـر
كاتب وباحث إقتصادي يمني
في عالمٍ مليء بالتناقضات والصـراعات في الإقتصاد العالمي، ونظراً إلى التقدم التكنولوجي والابتكارات والتقنيات التي لها تأثير كبير على النظام النقدي والمصـرفي، وعلى وجه الخصوص على قطاع المدفوعات وتحويل الأموال، من خلال تنظيم عمليات الدفع والتسوية المتطوّرة، والعملات الرقمية والإفتراضية؛ وهذه الأخيرة ظهرت أول عملةٍ افتراضيةٍ مُشفَّرة لها وهي البيتكوين ضمن موجة تلك التطورات والإبتكارات في عالم اليوم، تلاها ظهور العديد من العملات الإفتراضية الأخرى، حتى أصبحت معظم البنوك المركزية في العالم تُفكّر أو تعمل على إصدار عملات رقمية خاصة بها، تتمتع بالشـرعية القانونية، وتدعم ثقة المستهلك المالي، وتعتمد في تقديمها وتداولها على وسائل وأدوات الدفع الإلكترونية خلافاً عن العملات الرقمية الإفتراضية التي لها جوانب مخاطر كثيرة وجمَّة… وطبعاً في منطقتنا العربية حيث لا يزال إستخدام العملات الرقمية محدوداً جداً، أو تكاد تظهر هنا أو هناك كمبادراتٍ فرديةٍ أو قُطرية في هذا المجال؛ ولكن كتوجُّهٍ عربي ربما الوقت لا يزال بعيداً جداً، نحو إصدار عملةٍ رقميةٍ عربية؛ فالواقع العربي كعادته لا هناك إتحاد عربي يجمع دوله وأقطاره، ولا هناك تكتل اقتصاديّ عربيّ واحد يعمل على إيجاد عملةٍ نقديةٍ واحدة، فما بالكم بعملةٍ رقميةٍ عربية؟!
العملات الرقمية.. وتاريخ من الظهور
يا تُرى ما هي العملات الرقمية؟! بل وما هي العملة الافتراضية المُشفَّرة؟! والإجابة على ذلك؛ تعتبر العملة الرقمية هي المظلة الرئيسية التي تضم جميع أشكال العملات الأخرى سواءً العملات الإلكترونية (E-money)، أو العملات الإفتراضية (Virtual Currencies)، أو العملات الافتراضية المشفَّرة (Cryptocurrencies)، أو العملات الرقمية القانونية (Central Bank Digital Currencies) والتي تصدرها البنوك المركزية أو مؤسسات النقد، أو العملات الرقمية الثابتة أو المستقرة (Stablecoin)، وبعض النظر عن المسميات الأخرى التي يمكن إطلاقها على هذه العملات يبقى الطابع الرئيسـي لها أنها متاحةٌ بشكلٍ رقمي، وليس لها وجود ماديّ (فيزيائيّ) ملموس، رغم أن لها بعض الخصائص المماثلة للعملات القانونية المادية، وتعتمد هذه العملات على علم التشفير المُعقَّد والخوارزميات للتثبت من معاملاتها، وإصدار الوحدات الخاصة بها، كوسيلةٍ لإلغاء دور الجهات التنظيمية من حيث إصدار النقد ومراقبته وضبطه، وإلغاء دور المؤسسات المالية في الوساطة المالية لتحويل الأموال.
وتُعتبر عملة البيتكوين هي أولى العملات الإفتراضية المُشفَّرة، والأكثر شهرةً وإنتشاراً، والتي يعود تاريخها إلى العام 2008 نتيجة الورقة البيضاء التي نشـرها مبرمج أو فريق مجهول الهوية، ينتحل إسمٍ مستعار يُدعى «ساتوشـي ناكاموتو»، وقد بدأت عملية إصدار هذه العملة في كانون الثاني/يناير 2009، وفي العام 2010 بدأت أول تجارب التداول بها من خلال مستخدمي منتدى Bitcointalk، بغرض شـراء وجبة بيتزا مقابل عشـرة آلاف وحدة من عملة البيتكوين، وبقيمة 0,003 دولار مقابل كل وحدة، لتتوالى بعدها أسعار هذه العملة بالصعود التدريجي أو الإنهيار السـريع في تناقضٍ عجيبٍ وغريبٍ ومُريب في الوقت عينه.
ومنذ بداية العام 2011 بدأت عملات إفتراضية مُشفَّرة جديدة في الظهور منها: عملة التكوين – Altcoins، وهي عملة تفرع لعملة البيتكوين السابقة، تلاها إطلاق أول بورصة للبيتكوين بلغت قيمة الوحدة الواحدة منها (30) دولاراً تقريباً، وخلال الفترة (2014 – 2016) شهدت البنية التحتية للبيتكوين تحسناً مستمراً، لا سيما مع إفتتاح أول جهاز صـراف آلي (ATM) لها في مقهى إسبريسو في مدينة فانكوفر في إقليم بريتيش كولومبيا الكندي في 30 أكتوبر/ تشرين الاول 2013، وتُعد ألمانيا الدولة الوحيدة التي إعترفت رسمياً بالبيتكوين بأنها نوعٌ من النقود الإلكترونية المقبولة للتداول لديها.
وفي تشـرين الثاني/ من العام عينه، تمَّ إطلاق ثاني عملة إفتراضيةٍ مُشفَّرة في العالم هي لايت كوين – Litecoin، وتختصـر (LTC)، تلتها عملة الريبل (Ripple-XRP)، والتي أطلقت في العام 2012، وهدف منها أن تحل محل شبكة سويفت العالمية كمزود خدمات تراسلٍ ماليةٍ آمنة، أكثر منها عملةً افتراضية، أما رابع هذه العملات فهي عملة الإيثيريوم – Ethereum، ويرمز لها بـ «إيثر»، والتي تمَّ إطلاقها في العام 2015، وتدعم مجموعة من التطبيقات والأصول الرقمية المختلفة، وأصبحت تنافس البيتكوين أو تكاد تكون العملة الإفتراضية الثانية.. ليتجاوز عدد العملات الإفتراضية المُشفَّرة في العالم نحو (4,000) عملة مُشفَّرة متداولة بقيمة سوقية تتجاوز تريليون دولار، ومن أبرز هذه العملات: الـ (مونيرو، دوج كوين، نوفا كوين، نيم كوين، بير كوين، فزر كوين، كاردانو، ستيلير، شين لينك، بينانس كوين، بلو كادوت) وغيرها، صادرة عنها وملتزمة بها قانونياً، وتعد نسخاً رقميةً عن النقود الأساسية الورقة والمعدنية التي تصدرها تلك البنوك، وتنظم العمل بها، وبالتالي فهي تتيح درجةً أعلى من الأمان وليست متقلبةً بطبيعتها، على عكس العملات المُشفَّرة، وهذا النوع يعد وسيلةً لتعزيز الشمول المالي، وتوسيع نطاق السياسة النقدية لهذه البنوك، وتهدف أيضاً إلى حوكمة حركة الأموال والسيطرة على أنظمة المدفوعات الرقمية المتزايدة ورفع كفاءتها وسـرعتها وتنافسيتها، وتتبع السجلات الإلكترونية، وتدفقات العملات… إلخ، كما أنها تجعل عملية الدفع المحلية أكثر صلابةً وتدعم المنافسة، مما قد يؤدي إلى تحسين فرص الحصول على القروض، وزيادة كفاءة المدفوعات، وتخفيض تكاليف المعاملات، ومن شأن هذه العملات أيضاً أن ترفع من مستوى الشفافية في تدفقات الأموال ويمكن أن تساعد على خفض عمليات إستبدال العملة.
ويمكن تصنيفها إلى عملاتٍ رقمية مخصّصة لمعاملات التجزئة اليومية للأفراد والأعمال التجارية، وإلى عملاتٍ رقمية مخصصة لمعاملات الجملة ذات التردُّد المنخفض والمبالغ الكبيرة أو العابرة للحدود التي تجريها المؤسسات المالية، وهناك خطوات جريئة وملموسة نفّذتها بعض البنوك المركزية العالمية، وأبرزها: عملة «ليب كوين» أي عملة ليتوانيا الرقمية، وهي أول عملة مدعومة من الحكومة في منطقة اليورو في قارة أوروبا، والتي أعلن عنها في العام 2018، وفي ذاك العام عينه أطلقت فنزويلا عملةً رقمية باسم (البترو)، كما أطلقت سنغافورة عملتها الرقمية التي تستخدمها البنوك المحلية لتداول وتحويل الأموال مع بعضها البعض بدلاً من تصفية المدفوعات من خلال البنك المركزي السنغافوري.
كما صدر (الدولار الرملي أو ساند دولار SAND DOLLAR) كعملة رقمية في جزر البهاما، والذي ظهر للمرة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول 2020، وبعد عامٍ واحد؛ أي في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أطلقت نيجيريا عملتها الرقمية (E-NAIRA)، ومن ثم تمَّ تطوير اليوان الرقمي الصادر عن بنك الشعب الصيني – المصـرف المركزي للصين –، وعرضه خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين في العام 2022، بينما لا زال مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأميركي يناقش إطلاق الدولار الرقمي.
وللعلم هناك ما يُقارب من (100) عملة رقمية صادرة عن بنوكٍ مركزية تـمرُّ بمرحلة البحث أو التطوير، أبرزها (الين الياباني الرقمي، الفرنك السويسـري الرقمي، اليورو الرقمي (DIGITAL EURO))؛ لينشئ المنتدى الإقتصادي العالمي مجلساً عالمياً لحوكمة العملات الرقمية.
العملات الرقمية.. الهروب من المركزية
هل العملات الإفتراضية المشفَّرة هي البديل اللامركزي للنظام المصـرفي المركزي؟ وهل اللامركزية تجلب الحرية المالية؟! هذان السؤالان المثيران هما المغزى في الأول والأخير من إصدار عملةٍ رقميةٍ لا يتم التحكم بها من قبل المؤسسات المالية المركزية، وكواقع مثال؛ لاقت عملة البيتكوين إستحسان المتعاملين بها، لما توفره من مزايا عديدة مرتبطة بالدفع الفوري، وإلغاء المركزية والوساطة بين الأطراف ضمن منظومة عمليات الدفع والتحويل المالي وغيرها من المزايا؛ أي أنها عملة رقمية لا مركزية، من دون وجود بنكٍ مركزي يتحكم بها، ويُمكن إرسالها من شخصٍ إلى آخر عبر شبكة البيتكوين بطريقة الند للند، دون الحاجة إلى طرفٍ ثالثٍ وسيط كالبنوك، وإنما يتم التحقق من حوالاتها باستخدام التشفير، حيث تذهب النقود من حساب مستخدمٍ إلى آخر بشكلٍ فوري، ودون وجود أي رسوم تحويل، ودون المرور عبر أي مصارف أو أي جهات وسيطة من أي نوعٍ كان؛ الأمر الذي أثار العديد من المخاوف من هذه العملة المُشفَّرة، ومن استشـراء التعامل بها؛ نظراً لكونها لا تصدر عن بنوكٍ مركزية، ولا يوجد لها أي غطاء قانوني، بل تعتبر مصادرها مجهولة أحياناً، وبالتالي لا تخضع للقانون.
أما ثاني تلك المخاوف هو تعرُّض أسواق الأصول الرقمية للعديد من الكوارث المزلزلة أبرزها، فقد القيمة السوقية لهذه العملات؛ فمثلاً تراجعت عملة البيتكوين وهي أكبر العملات المُشفَّرة من حيث حجم التعاملات وأوسعها انتشاراً على مستوى العالم في العام 2022 وفقدت أكثر من (70 %) من قيمتها، كما تعرَّضت عملات مُشفَّرة أخرى مثل: تيرا ولونا للانهيار الكامل في الفترة ذاتها، كما أن من ضمن هذه المخاوف أيضا تطور عمليات الاحتيال والاختراق لهذه العملات المُشفَّرة، أي ما تشبه الثقب الأسود، والذي تختفي بداخله الأموال.. وغيرها من المخاوف.
تجارب دولية في إصدار عملة رقمية
وكحلٍّ وسيط بين مواصلة ركب التطور الحضاري في عالم النقد الإلكتروني وإستخدام العملات الرقمية المُشفَّرة، ولتلافي المخاوف منها، بدأت معظم البنوك المركزية في العالم بإصدار عملاتٍ رقمية (CBDCs)؛ وهي عملات صادرة عنها وملتزمة بها قانونياً، وتُعد نسخاً رقمية عن النقود الأساسية الورقية والمعدنية التي تصدرها تلك البنوك، وتنظم العمل بها، وبالتالي فهي تتيح درجة أعلى من الأمان وليست متقلبة بطبيعتها، على عكس العملات المُشفَّرة، وهذا النوع يعد وسيلة لتعزيز الشمول المالي، وتوسيع نطاق السياسة النقدية لهذه البنوك، وتهدف أيضاً إلى حوكمة حركة الأموال والسيطرة على أنظمة المدفوعات الرقمية المتزايدة ورفع كفاءتها وسـرعتها وتنافسيتها، وتتبع السجلات الإلكترونية، وتدفقات العملات… إلخ، كما أنها تجعل عمليات الدفع المحلية أكثر صلابة وتدعم المنافسة، مما قد يؤدي إلى تحسين فرص الحصول على القروض، وزيادة كفاءة المدفوعات، وتخفيض تكاليف المعاملات، ومن شأن هذه العملات أيضاً أن ترفع من مستوى الشفافية في تدفقات الأموال ويمكن أن تساعد على خفض عمليات استبدال العملة.
ويُمكن تصنيفها إلى عملاتٍ رقمية مخصصة لمعاملات التجزئة اليومية للأفراد والأعمال التجارية، وإلى عملاتٍ رقمية مخصصة لمعاملات الجملة ذات التردد المنخفض والمبالغ الكبيرة أو العابرة للحدود التي تجريها المؤسسات المالية، وهناك خطوات جريئة وملموسة نفذتها بعض البنوك المركزية العالمية، وأبرزها: عملة (ليب كوين) أي عملة ليتوانيا الرقمية، وهي أول عملة مدعومة من الحكومة في منطقة اليورو في قارة أوروبا، والتي أعلن عنها في العام 2018، وفي ذاك العام عينه أطلقت فنزويلا عملةً رقمية باسم (البترو)، كما أطلقت سنغافورة عملتها الرقمية والتي تستخدمها البنوك المحلية لتداول وتحويل الأموال مع بعضها البعض بدلاً من تصفية المدفوعات من خلال البنك المركزي السنغافوري.
كما صدر (الدولار الرملي أو ساند دولار SAND DOLLAR) كعملة رقمية في جزر البهاما، والذي ظهر للمرة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول 2020، وبعد عامٍ واحد؛ أي في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أطلقت نيجيريا عملتها الرقمية (E-NAIRA)، ومن ثم تمَّ تطوير اليوان الرقمي الصادر عن بنك الشعب الصيني – المصـرف المركزي للصين –، وعرضه خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بيجينغ في العام 2022، بينما لا يزال مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأميركي يناقش إطلاق الدولار الرقمي.
وللعلم هناك ما يُقارب من (100) عملةً رقمية صادرة عن بنوكٍ مركزية تـمرّ بمرحلة البحث أو التطوير، أبرزها (الين الياباني الرقمي، الفرنك السويسـري الرقمي، اليورو الرقمي (DIGITAL EURO))؛ لينشئ المنتدى الاقتصادي العالمي مجلساً عالمياً لحوكمة العملات الرقمية، يضم أكثر من (40) بنكاً مركزياً ومنظماتٍ دولية، وباحثين أكاديميين ومؤسسات مالية، ويهدف هذا المجلس إلى تطوير إطارٍ عمليّ لاعتماد العملات الرقمية.
المبادرات العربية «الرقمية»
هناك العديد من المبادرات في مجال إصدار عملاتٍ رقمية، قُطرية أو غيرها؛ ولكن لا تزال في طور الإصدار التجريبي فقط، ولم تتحوّل إلى عملة قانونية (100 %)، كما أن إستخدامها في هذه المنطقة لا يزال محدوداً جداً، فمثلاً في يناير/ كانون الثاني 2019 نفَّذ البنك المركزي السعودي ومصـرف الإمارات العربية المتحدة المركزي مشـروع (عابر)، وهو أول عملة رقمية عربية، لا تنتمي للعملات الافتراضية المُشفَّرة، وذلك إختباراً لقابلية التشغيل البيني، ومنذ ذلك الوقت ولا تزال هذه العملة قيد التجريب، أو بالأحرى في مراحل التجربة الأولى؛ أي أنها لم تصدر بعد.. أما بقية الدول العربية فلا يزال العديد منها في طور البحث والدراسة لإصدار بنوكها المركزية لعملةٍ رقميةٍ خاصةٍ بها.
وقد يعود ذلك، نتيجة عدم توافر الدعم لتلك العملات من قبل البنوك المركزية والسلطات النقدية في هذه المنطقة؛ ولكن لا يزال هناك إمكانية لنموها في المستقبل القريب؛ مما يتطلّب من تلك البنوك السعي نحو مراقبة التطورات الحاصلة في هذه العملات من خلال عدسات متعددة التخصصات، والجمع بين تكنولوجيا المعلومات، وتحليل السياسات لدراسة آثارها المحتملة على سياسة المدفوعات والإشـراف والتنظيم، والسياسة النقدية، وتوفير الخدمات المالية، والاستقرار المالي، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع هذه العملات وآثارها.
العرب كوين.. عملة رقمية عربية
يراهن العديد من الخبراء والإقتصاديين العالميين على أن العملات الرقمية هي عملة المستقبل، والعالم العربي أمام تحدياتٍ كبيرة في هذا المجال، والخيار أمامه هو أن يذهب العالم العربي إلى إصدار عملةٍ رقميةٍ عربية، مما قد يكون ممكناً لتحقيق التكامل الإقتصادي، الذي طالما كان يطمح إليه، ولعلّ إصدار عملةٍ رقمية تُسمَّى (العرب كوين) على غرار تلك العملات الرقمية العالمية، لما فيه تسهيل المدفوعات بين دول الوطن العربي وتوحيدها، ويتضمن ذلك أيضاً إطلاق تكتلٍ اقتصاديٍّ عربي يقوم على إنشاء هيئة نقدٍ عربيةٍ موحدة، تصدر عملةً نقديةً عربية؛ سواءً أكانت نقديةً ملموسة (ورقية ومعدنية)، أو رقميةً (مستقرة أو افتراضية مُشفَّرة)، فإذا لم نتحد في اتحادٍ عربي واحد على أرض الواقع فيجب علينا على أقل تقدير أن نتحد رقمياً، وهذا هو أدنى مراتب الإتحاد رغم إلتقائنا كثيراً في العديد من العناصـر الرئيسية كالموقع والتاريخ والدين واللُّغة، بل والمصير المشترك.
تٌعتبر المصارف الإسلامية نموذجاً مصرفياً فريداً ومميِّزاً، يعتمد على مبادئ الشريعة الإسلامية في إدارة العمليات المالية، مما يميّزها عن النظام التجاري التقليدي. وتبرز في عصر الذكاء الإصطناعي العديد من الفرص لتحسين الخدمات المصرفية الإسلامية، لكنها تواجه تحدّيات تتعلق بالابتكار والتوافق والمرونة مع المبادئ الشرعية.
من المبادئ الأساسية للمصارف الإسلامية، التالي:
1 – عدم الفائدة (الربا): جميع التعاملات خالية من الفائدة.
2 – المشاركة في الربح والخسارة: العقود تعتمد على شراكات، مثل المضاربة والمشاركة.
3 – الأنشطة الحلال: تجنُّب الإستثمار في الأنشطة المحرّمة، مثل الكحول والمقامرة واليانصيب.
4 – أهمية العقود الشرعية: كالمُرابحة، الإجارة والسَلَم.
ومن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المصارف الإسلامية:
1 – إدارة وتحليل المخاطر: إستخدام الذكاء الإصطناعي لتقييم المخاطر المالية، بما يتماشى مع المعايير الشرعية.
2 – تحسين خدمة الزبائن: توفر الروبوتات الذكية خدمات إستشارية وفق الفتاوى الشرعية.
3 -الإمتثال الشرعي الآلي: تطبّق أدوات الذكاء الإصطناعي للتحقُّق من توافق المنتجات والخدمات مع الشريعة.
4 – التمويل الرقمي الإسلامي: تسهيل العمليات، مثل التمويل الجماعي الشرعي عبر المنصّات الرقمية.
ومن أبرز التحدّيات في تبنّي الذكاء الإصطناعي في مجال العمل المصرفي الاسلامي:
2 – البنية التحتية التكنولوجية: الحاجة إلى إستثمارات كبيرة لتطوير أنظمة ذكاء إصطناعي متوافقة مع الشريعة.
3 – نقص الكفاءات: قلّة الخبراء الذين يجمعون بين المعرفة الشرعية والخبرة التقنية.
4 – الأمن السيبراني: حماية البيانات المالية والحفاظ على خصوصية الزبائن وعدم إنتهاك بياناتهم.
أما الفرص المستقبلية للمصارف الإسلامية، فهي:
1 -الابتكار في المنتجات المالية: تطوير منتجات جديدة، تواكب احتياجات العصر الرقمي مع الإلتزام بالشريعة.
2 – التوسُّع في الأسواق العالمية: إستخدام الذكاء الإصطناعي للوصول إلى جمهور أوسع في الأسواق غير الإسلامية.
3 – تعزيز الكفاءة التشغيلية: تقليل الكلف، وتحسين سرعة وكفاءة العمليات المصرفية.
4 – التعلُّم العميق والبيانات الضخمة: تحليل البيانات لفهم سلوكيات الزبائن، وتصميم حلول مبتكرة.
وأخيراً، المصارف الإسلامية أمام فرصة فريدة لتبنّي الذكاء الإصطناعي، مما يعزّز من قدرتها على المنافسة في السوق العالمية. ولتحقيق ذلك، يجب العمل على تجاوز التحدّيات المرتبطة بالتوافق الشرعي والبنية التحتية، والإستثمار في البحث والتطوير، مع التمسك بالمبادئ الإسلامية، مما يُمكن أن يُحدث نقلة نوعية في هذا القطاع.
أ.د. سعد العنزي
أستاذ إدارة الاعمال في جامعة بغداد- كلية الادارة والإقتصاد
مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي
يُذكر العام 2025 كعام حافل بالصدمات والصمود، عام إتسم بعدم اليقين، ولكنه أيضاً عام إزدهار التكنولوجيا والأداء القياسي. فعلى رغم إرتفاع الرسوم الجمركية، والتشرذم الجيوسياسي، وتزايد حالة عدم اليقين في السياسات، حافظت التجارة العالمية والنشاط الإقتصادي على إستقرارهما في الإقتصادات المتقدمة والناشئة. ولم تتحقق الضغوط التضخُّمية التي كان يخشى منها كثيرون، وظلّت الأسواق المالية مستقرّة إلى حدٍ كبير، بينما ساهم إزدهار التكنولوجيا في تحقيق أداء قياسي للأسواق.
لقد كانت قدرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الصمود لافتة للنظر بشكل خاص. فبالإضافة إلى الرياح المعاكسة العالمية، واجه العديد من إقتصادات المنطقة صدمات داخلية حادة، تمثّلت في تصاعد الصراعات في الصيف الماضي، وعام آخر من الأحداث المناخية المتطرّفة، مثل الجفاف في شمال أفريقيا، وإستمرار التراجع عن حزم التحفيز المالي التي تم إعتمادها خلال فترة جائحة «كورونا». ومع ذلك، حافظ النمو على مستواه.
وتساعد عوامل عدة في تفسير هذه النتيجة، فقد قلّلت محدودية التبادل التجاري مع الولايات المتحدة من التأثير المباشر للرسوم الجمركية المرتفعة. كما ساهم ارتفاع إنتاج النفط، عقب قرارات منظمة «أوبك+»، بإلغاء تخفيضات الإنتاج الطوعية التي بلغت 2.2 مليون برميل يومياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، في دعم المصدّرين، في حين إستفاد المستوردون من إنخفاض أسعار الطاقة.
وبالإضافة إلى ذلك، خفّفت التحويلات المالية المرتفعة، وتدفقات السياحة القوية، ومرونة الطلب المحلي من الأثر السلبي لهذه التحدّيات.
لكن هل سيستمر هذا الوضع؟ مع بداية العام 2026، يبقى السؤال الرئيس: هل كان من الممكن الحفاظ على هذه المرونة؟
ويبقى صندوق النقد الدولي متفائلاً بحذر، إذ يُتوقع أن يرتفع النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليصل إلى نحو 3.7 % في العام 2026 مقارنة بـ3.2 % في العام 2025، مدعوماً بزيادة إنتاج النفط، والطلب المحلي القوي، والإصلاحات المستمرة. لكن يجب التريّث في هذا التفاؤل، إذ إن هناك 5 مخاطر على الأقل تستدعي الإنتباه.
أولاً: آثار عدم اليقين نادراً ما تظهر في السياسات بشكل فوري، إذ يشير العديد من الأدلة التجريبية، بما في ذلك أبحاث صندوق النقد الدولي، إلى أن آثار عدم اليقين على الإستثمار، والتوظيف، والإستهلاك، غالباً ما تظهر بعد فترة طويلة. وإذا إستمر عدم اليقين العالمي، فإنه قد يؤدي إلى تقليص الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 5 % في حلول العام 2027.
وقد تكون بعض العوامل المؤقتة، مثل زيادة الواردات وتراكم المخزونات، قد أخفت التأثير الحقيقي في العام 2025، لكن مع تلاشي هذه التأثيرات قد يصبح تأثيرها السلبي على النشاط الإقتصادي العالمي وعلى إقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر وضوحاً.
ثانياً: لقد شكّل ازدهار الذكاء الإصطناعي عاملاً موازناً قوياً لصدمات هذا العام، فقد أدّت التقييمات المرتفعة للأسهم وتدفقات الإستثمارات الكبيرة إلى القطاعات المرتبطة بالذكاء الإصطناعي إلى دعم الثقة العالمية.
وقد إستثمر العديد من اقتصادات المنطقة، ولا سيما دول الخليج، بكثافة في تبنّي الذكاء الإصطناعي والبنية التحتية للبيانات، مستفيدة من وفرة الأراضي، ورأس المال، والطاقة المتجدّدة الرخيصة نسبياً. ولكن تزايد المخاوف حيال الإفراط في التفاؤل يثير تساؤلات حول كيفية تأثير تصحيح السوق على المنطقة.
وثالثاً: في حين يُتوقع أن تظل معدلات التضخم منخفضة، وأن تنخفض أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة الكبرى، فإن الأوضاع المالية العالمية قد تشهد تشديداً غير متوقّع.
فمن المتوقع أن تظل إحتياجات التمويل الإجمالية لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عند مستويات مرتفعة للغاية في العام 2026. ومع وصول الديون العامة في الإقتصادات المتقدّمة إلى مستويات قياسية جديدة، فإن العلاوات المرتفعة على الأجل الطويل قد تؤدي إلى زيادة أسعار الفائدة العالمية، وسيمثل تراجع تدفقات رأس المال اختباراً صعباً للدول التي لديها إحتياجات كبيرة لإعادة التمويل واحتياطيات محدودة.
رابعاً: تظل أسواق النفط سلاحاً ذا حدين، ففي العام 2025، دعمت ديناميكيات النفط كلاً من المصدّرين والمستوردين. وبالتطلُّع إلى المستقبل، فإن الأسعار قد ترتفع إذا كانت الطلبات على الوقود الأحفوري أقوى من المتوقع، أو إذا تسبّبت التوترات الجيوسياسية في تعطيل الإمدادات.
وفي المقابل، سيؤدي أي إنخفاض حاد في الأسعار إلى الضغط على المصدرين، حتى مع توقعات بإنخفاض فوائض الحساب الجاري في دول مجلس التعاون الخليجي على المدى المتوسط. لذا، فإن إدارة التقلبات ستظل أمراً بالغ الأهمية.
وخامساً: تظل الجغرافيا السياسية تلقي بظلالها. ففي نهاية العام 2025، ظهرت علامات أولية على التقدُّم نحو السلام وإعادة الإعمار في بعض أجزاء المنطقة، بما في ذلك سوريا. لكن التعافي من النزاع يظل هشّاً ومعقّداً، وسيكون تعزيز السلام، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان الدعم الخارجي المستمر، عوامل حاسمة لتحقيق تعافٍ مستدام.
وفي هذا السياق، ليس لدى صانعي السياسات خيار سوى إتباع نهج اقتصادي كلي حذر في العام 2026، إذ يُوفر الزخم الحالي نافذة لإعادة بناء الإحتياطات المالية والخارجية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد المتاحة. ويُعدّ تعزيز الأطر المالية ودعم مصداقية السياسات النقدية من أهم وسائل الحماية من الصدمات المستقبلية.
وعلى المدى المتوسط، تظل الإصلاحات الهيكلية أمراً لا غِنى عنه، وسيكون تسريع تنمية القطاع الخاص، والحدّ من هيمنة الشركات المملوكة للدولة، وتعزيز الشمول المالي، وتنويع أنماط التجارة، عوامل أساسية لخلق فرص العمل وتحقيق نمو شامل.
وسيتطلّب الإستعداد لعصر الذكاء الإصطناعي الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، واللوائح التنظيمية، ورأس المال البشري. كما أن الإصلاحات في سوق العمل، ولا سيما تلك التي تعالج البطالة بين الشباب، هي أمر عاجل بالقدر عينه.
لقد أظهرت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرونة إستثنائية، والتحدي الآن يكمن في تحويل الإستقرار قصير المدى إلى قوة دائمة. وإذا نجح صانعو السياسات في بناء الإحتياطات وتحديث الأطر السياسية، فقد يُذكر العام 2026 ليس بإعتباره عاماً آخر من المرونة فحسب، ولكن كنقطة تحوُّل.
إحتياطات المصارف المركزية من الذهب تشهد تحوُّلاً بنيوياً يُعيد المعدن الأصفر إلى موقع متقدّم
الذهب ومساراته المستقبلية في ظل إقتصاد عالمي متعدّد المخاطر
سيبقى مرتبطاً بعمق التحوُّلات في النظام النقدي الدولي
مع نهاية العام 2025، لم يعد صعود الذهب حدثاً عابراً في منظومة الأصول التحوُّطية، بل تحوّل إلى إشارة مالية عالمية تعكس عمق التحوُّلات التي يشهدها النظام النقدي الدولي، فتجاوز سعر الأونصة حاجز 4,000 دولار لم يكن مجرّد رقم قياسي جديد، بل محطة مفصلية أعادت الذهب إلى صدارة النقاشات الإقتصادية بوصفه أصلاً سيادياً يعكس تراجع اليقين في العملات الورقية، وتنامي الحاجة إلى ملاذات آمنة في بيئة عالمية تتسم بتراكم الديون، وتعدُّد بؤر التوتر الجيوسياسي، وضبابية مسارات السياسة النقدية وأسعار الفائدة الحقيقية. ويكتسب هذا الصعود دلالته الإستثنائية من كونه جاء في مرحلة يفترض فيها نظرياً أن تُشكل أسعار الفائدة المرتفعة عامل ضغط على الذهب، غير أن الواقع عكس ذلك تماماً، فقد أثبت المعدن النفيس قدرته على إعادة تعريف دوره، متجاوزاً كونه أداة تحوّط تقليدية إلى مرآة للإختلالات البنيوية في النظام المالي العالمي. ففي عالم تتزايد فيه الشكوك حول إستدامة الدين العام، وتتراجع فيه الثقة النسبية ببعض العملات الرئيسة، عاد الذهب ليُنظر إليه كأصل يحتفظ بقيمته خارج الحسابات السياسية والنقدية قصيرة الأجل.
وتعكس الأرقام المتوافرة هذا التحوّل بوضوح، فقد بلغ إجمالي الذهب المستخرج عالمياً أكثر من 212 ألف طن، فيما تحتفظ البنوك المركزية بما يقارب 18 % من هذا المخزون ضمن إحتياطاتها الرسمية، في دلالة على عودة الذهب إلى قلب إستراتيجيات إدارة الإحتياطات. كما سجّلت مشتريات البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة مستويات تاريخية، تجاوزت في بعض الأعوام 1,000 طن سنوياً، بالتوازي مع تدفقات استثمارية قوية نحو الأدوات المالية المدعومة بالذهب، ما أضفى على موجة الصعود طابعاً بنيوياً لا ظرفياً.
التطور التاريخي لأسعار الذهب
لم يكن الصعود القياسي الذي شهده الذهب مع نهاية العام 2025 حدثاً منفصلاً عن مساره التاريخي، بل يُمثل تتويجاً لمسار طويل من التحوّلات النقدية والإقتصادية التي أعادت تشكيل دور الذهب في النظام المالي العالمي. فمنذ إنهيار نظام بريتون وودز مطلع سبعينيات القرن الماضي وفكّ الإرتباط الرسمي بين الذهب والدولار في العام 1971، إنتقل الذهب من كونه غطاءً نقدياً مباشراً للعملات إلى أصلٍ حرّ التسعير، يخضع لقوى السوق ويتفاعل مع دورات التضخُّم وأسعار الفائدة ومستويات المخاطر العالمية. وخلال سبعينيات القرن العشرين، شكّل الذهب ملاذاً رئيسياً في مواجهة موجات التضخُّم الحاد وصدمات أسعار الطاقة، مسجّلاً أولى موجات الصعود الكبرى في تاريخه الحديث. إلاّ أن مرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي شهدت تراجعاً نسبياً في جاذبيته، مع صعود الدولار وتراجع معدلات التضخُّم وتزايد الثقة بالسياسات النقدية التقليدية، ما دفع العديد من البنوك المركزية آنذاك إلى تقليص حيازاتها من الذهب.
غير أن هذا الإتجاه بدأ بالإنعكاس تدريجياً مع مطلع الألفية الجديدة، وبلغ نقطة تحوّل حاسمة عقب الأزمة المالية العالمية في عامي 2008-2009، حين أعادت البنوك المركزية والمستثمرون تقييم مخاطر النظام المالي القائم على الديون، فقد أدت السياسات النقدية غير التقليدية، ولا سيما التيسير الكمي وأسعار الفائدة شبه الصفرية، إلى إحياء دور الذهب كأداة تحوّط من تآكل القيمة الحقيقية للعملات، ما دفع أسعاره إلى مستويات تاريخية جديدة آنذاك. وتعمّق هذا التحوُّل البنيوي بصورة أوضح منذ العام 2020 مع جائحة «كوفيد-19»، حيث ترافقت الصدمة الصحية مع توسّع نقدي ومالي غير مسبوق عالمياً، أعقبه تسارع في معدّلات التضخُّم وتشديد نقدي حاد في عاميّ 2022 و2023. وفي هذا السياق، لم يعد الذهب مجرّد أداة تحوّط ظرفية، بل تحوّل إلى مؤشّر على هشاشة التوازنات النقدية والمالية العالمية، مدعوماً بعودة قوية للبنوك المركزية كمشتر صاف للذهب، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة.
وعليه، فإن صعود الذهب إلى مستويات تفوق 4,000 دولار للأونصة في نهاية العام 2025 يُمكن قراءته بوصفه نتيجة تراكمية لمسار تاريخي طويل، تداخلت فيه الأزمات المالية، والتحوُّلات النقدية، وتغيّر سلوك البنوك المركزية، وصولاً إلى مرحلة بات فيها الذهب عنصراً محورياً في إعادة تشكيل الاحتياطات والسياسات التحوطية العالمية، وهو ما يمهّد للإنتقال إلى تحليل دور البنوك المركزية كأحد المحركات الأساسية لصعود الذهب في المرحلة الراهنة.
العوامل المحرّكة لأسعار الذهب في المرحلة الراهنة
تتحدّد حركة أسعار الذهب في المرحلة الراهنة عبر مزيجٍ متداخل من العوامل النقدية والإستثمارية والجيوسياسية، مع بروز مؤشرات كمية تؤكد تحوُّل جزء مهم من الطلب إلى طابع هيكلي لا دوري. فعلى مستوى التسعير، سجّل الذهب قمماً تاريخية متتالية، إذ أشار تتبع الأسواق إلى بلوغه 4,630 دولاراً للأونصة في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، بعد مكاسب قوية خلال 2025 قدرت بنحو أكثر من 64 %، وبداية العام 2026 على إرتفاع يتجاوز 6 % خلال أيامه الأولى، في إنعكاس مباشر لطلب الملاذات الآمنة وتوقعات تيسير نقدي لاحقاً.
وفي قلب هذا المسار، يبرز الطلب الرسمي من البنوك المركزية كمحرّك رئيسي، فقد أضافت البنوك المركزية 1,045 طناً إلى إحتياطاتها في العام 2024، بعد 1,037 طناً في العام 2023، و1,082 طناً في العام 2022 وهو يُعتبر مستوى قياسياً، وهو نمط شراء يتجاوز 1,000 طن سنوياً لثلاث سنوات متتالية ويعزّز أرضية سعرية أعلى للذهب مقارنة بدورات سابقة. وعلى صعيد الطلب الكلي، بلغ إجمالي الطلب العالمي على الذهب في العام 2024 متضمّناً الإستثمار خارج البورصة 4,974 طناً بقيمة تقارب 382 مليار دولار، مع تسارع مشتريات البنوك المركزية في الربع الرابع إلى 333 طناً، ما يوضح أن الزخم كان واسع النطاق.
وضمن الإطار نفسه، عاد الطلب الإستثماري عبر الصناديق المدعومة بالذهب ليشكّل داعماً مهماً، حيث سُجلت في العام 2025 تدفقات قياسية إلى صناديق الذهب بلغت نحو 89 مليار دولار بحسب التقديرات، ما يعكس إنتقال جزء من المحافظ نحو التحوّط في بيئة تقلبات مرتفعة. أما من زاوية السياسة النقدية، فما زالت الفائدة الحقيقية ولا سيما عوائد السندات الأميركية «المحمية من التضخم» متغيّراً مفصلياً في تفسير جاذبية الذهب، إذ تُظهر البيانات التاريخية للعوائد الحقيقية أن تغيّر هذا المتغيّر يؤثر مباشرة في كلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، حتى وإن بات تأثيره اليوم أقل حتمية بسبب صعود وزن العامل الجيوسياسي والطلب الرسمي. وأخيراً، تؤكد أرقام سوق لندن أن مسار القيَم القياسية ليس مقتصراً على عاميّ 2025 و2026، إذ سُجل في العام 2024 مستوى قياسي لسعر الذهب في مزاد جمعية سوق السبائك في لندن (LBMA) بلغ 2,788.54 دولاراً للأونصة بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2024، في حين بلغ متوسط سعر الذهب خلال العام نفسه نحو 2,386 دولاراً للأونصة. ويُظهر هذا الفارق بين الذروة السعرية والمتوسط السنوي أن مسار الإرتفاع لم يكن لحظياً أو مرتبطاً بحدث منفرد، بل نتج عن تراكم عوامل هيكلية متداخلة تجاوزت تأثير دورة أسعار الفائدة وحدها.
ورغم الأهمية التقليدية لأسعار الفائدة في تفسير تحركات الذهب، فإن المسار الصعودي الراهن يعكس تفاعل مجموعة أوسع من العوامل غير النقدية المباشرة، فقد تحوّل الطلب الرسمي من البنوك المركزية إلى محرك هيكلي للأسعار، مع تجاوز مشترياتها حاجز 1,000 طن سنوياً خلال الفترة 2022-2024، مقارنة بمتوسطات تاريخية أدنى بكثير، ما وفّر دعماً مستداماً للأسعار حتى في فترات تشديد الأوضاع النقدية. كما أسهم تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتنامي تسييس النظام المالي الدولي في تعزيز جاذبية الذهب كأصل محايد وغير مرتبط بمخاطر الطرف المقابل، لا سيما في ظل إتساع نطاق العقوبات المالية وإستخدام أدوات الدفع والإحتياطات لأغراض غير إقتصادية. وفي موازاة ذلك، أدّت الإختلالات المالية المتراكمة في الإقتصادات المتقدّمة وإرتفاع مستويات الدين العام إلى تآكل نسبي في الثقة طويلة الأجل بالعملات الإحتياطية التقليدية، ما دفع عدداً متزايداً من البنوك المركزية والمستثمرين إلى تعزيز حيازاتهم من الذهب كأداة حفظ للقيمة. وإلى جانب الطلب الرسمي، ساهم الطلب الاستثماري عبر الأدوات المالية المدعومة بالذهب في رفع سيولة السوق وربط حركة الذهب بتقلبات المحافظ الإستثمارية العالمية، بينما عزّزت تقلُّبات أسعار الصرف في الإقتصادات الناشئة الطلب الفيزيائي على الذهب كوسيلة تحوّط من تراجع العملات المحلية.
ويؤكد هذا التداخل بين العوامل النقدية وغير النقدية أن موجة الصعود الحالية لا تمثّل إستجابة ظرفية لدورة فائدة بعينها، بل تعكس تحوُّلاً بنيوياً في موقع الذهب ضمن النظام المالي العالمي.
إحتياطات المصارف المركزية من الذهب
شهدت إحتياطات المصارف المركزية من الذهب خلال السنوات الأخيرة تحوُّلاً بنيوياً أعاد الذهب إلى موقع متقدّم ضمن أدوات إدارة الإحتياطات الرسمية، بعد مرحلة طويلة من الإستقرار النسبي، فقد بلغت الحيازات الرسمية عالمياً نحو 35 ألف طن، أي ما يقارب 18 % من إجمالي الذهب المستخرج عالمياً، في دلالة واضحة على تنامي إدراك البنوك المركزية لأهمية الذهب كأصل سيادي يتمتع بخصائص فريدة، أبرزها انعدام مخاطر الطرف المقابل، والإستقلال عن السياسات النقدية للدول المُصدِرة للعملات الإحتياطية. ويعكس هذا التوجه العالمي تحوُّلاً في فلسفة إدارة الإحتياطات، حيث لم يعد الهدف محصوراً في تحقيق عائد مالي قصير الأجل، بل في تعزيز متانة الميزانيات العمومية للبنوك المركزية ورفع قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية. ويتم تنفيذ مشتريات الذهب عادة عبر السوق الفوري أو إتفاقيات مباشرة مع المنتجين، وبوتيرة مدروسة لتفادي التأثير الحاد على الأسعار، ما يعكس طابعاً إستراتيجياً طويل الأجل لهذه القرارات.
وعلى الصعيد العربي، تتسم إحتياطات المصارف المركزية من الذهب بتباين ملحوظ يعكس إختلاف الهياكل الإقتصادية والأنظمة النقدية بين الدول العربية. ففي الإقتصادات النفطية ذات الفوائض الخارجية المرتفعة، تميل البنوك المركزية إلى الإحتفاظ بجزء معتبر من إحتياطاتها على شكل أصول مالية سائلة، مع المحافظة على مستوى مستقر من الذهب كعنصر داعم للثقة والإستقرار طويل الأجل. وفي المقابل، تعتمد بعض الدول العربية ذات الموارد المحدودة أو المعرضة لتقلُّبات مالية ونقدية أكبر على الذهب كأداة تحوُّط سيادي لتعزيز مصداقية العملة الوطنية وتقليص الإنكشاف على العملات الأجنبية. وتبرز أهمية الذهب في السياق العربي بوصفه أداة توازن نقدي أكثر من كونه أداة إستثمارية، إذ يُسهم في دعم الثقة بالسياسات النقدية، وتحسين صورة الملاءة الخارجية، وتوفير هامش أمان إضافي في فترات الضغوط على أسعار الصرف أو الإحتياطات الأجنبية.
كما أن الإحتفاظ بالذهب يمنح المصارف المركزية العربية مرونة أكبر في إدارة الأزمات، ويحدّ من المخاطر المرتبطة بتقلُّبات الأسواق المالية العالمية أو بتسييس النظام المالي الدولي. ويشير هذا الواقع إلى أن مستقبل إحتياطات الذهب في المصارف المركزية العربية مرشح لأن يتأثر بدرجة كبيرة بالتطورات العالمية في إدارة الإحتياطيات، وبمدى تعمُّق إدراك صانعي السياسات النقدية لأهمية التنويع الحقيقي للأصول. وفي ظل تصاعد عدم اليقين العالمي، يُتوقع أن يحتفظ الذهب بدور داعم وإن بدرجات متفاوتة في إستراتيجيات الإحتياطات العربية خلال المرحلة المقبلة.
وتُظهر بيانات إحتياطات الذهب الرسمية في الرسم البياني رقم 3، أن التركز العالمي لا يزال مرتفعاً لدى الإقتصادات المتقدمة، حيث تتصدر الولايات المتحدة القائمة بحوالي 8,133 طناً، أي أكثر من ضعفي مجموع حيازة أي دولة منفردة تليها، ثم ألمانيا (نحو 3,350 طناً)، تليها إيطاليا (نحو 2,452 طناً) ففرنسا (نحو 2,437 طناً)، ثم روسيا (نحو 2,333 طناً) والصين (نحو 2,290 طناً). ويستكمل نادي الكبار كلاً من سويسرا (نحو 1,040 طناً) والهند (نحو 878 طناً) واليابان (نحو 846 طناً)، وتركيا (نحو 641 طناً). وهكذا، فإن القسم الأكبر من الذهب الرسمي لا يزال متركّزاً في الولايات المتحدة وأوروبا، بما يعكس دور الذهب كأصل ثقة تاريخي في ميزانيات البنوك المركزية، وليس كأداة إستثمارية قصيرة الأجل.
وعلى المستوى العربي، تُظهر بيانات المجلس العالمي للذهب تركزاً نسبياً في عدد محدود من الدول، حيث تتصدّر السعودية بنحو 323 طناً، يليها لبنان بنحو 287 طناً، ثم الجزائر بحوالي 174 طناً، ثم العراق (حوالي 163 طناً) فليبيا (حوالي 147 طناً). ويعكس هذا التوزيع إختلاف نماذج إدارة الإحتياطات، فبعض الدول تعتمد الذهب كـدعامة للثقة والسيادة النقدية خصوصاً في الإقتصادات الأكثر تعرُّضاً للصدمات، بينما تميل دول أخرى لا سيما ذات الإحتياطات الأجنبية الكبيرة الى تفضيل الأصول السائلة بالعملات الأجنبية مع الإبقاء على الذهب كركيزة إستقرار طويلة الأجل. كما تُظهر مؤشّرات حديثة أن الدول العربية الخمس الأولى مجتمعةً (السعودية، لبنان، الجزائر، العراق، ليبيا) تمتلك قرابة 1,101 طن، ما يوضح أن الثقل العربي في الذهب الرسمي موجود لكنه أقل بكثير مقارنةً بالكتل الكبرى عالمياً، مما يجعل أي زيادة عربية في الذهب ذات أثر تحوّطي استراتيجي أكثر من كونها قادرة وحدها على إعادة تشكيل السوق العالمية.
آفاق أسعار الذهب ومساراتها المحتملة
تدلّ المؤشرات الراهنة على أن أسعار الذهب مقبلة على مرحلة تتسم بتعدّد المسارات أكثر من وضوح الإتجاه الأحادي، حيث بات تسعير الذهب إنعكاساً لتوازن دقيق بين عوامل دورية قصيرة الأجل وأخرى هيكلية طويلة الأمد. ففي المدى القريب، سيظل مسار أسعار الفائدة الحقيقية وتوجُّهات السياسة النقدية العالمية عاملاً مؤثّراً في تحديد وتيرة التقلبات السعرية، إلاّ أن تأثيره مرجّح أن يبقى محكوماً بسقف محدود مقارنة بدورات سابقة، في ظل تغيُّر بنية الطلب العالمي على الذهب. وفي هذا الإطار، قد تشهد الأسعار فترات من التذبذب أو التصحيح المرحلي كلّما تحسّنت شهية المخاطرة أو ارتفعت العوائد الحقيقية، غير أن هذه الحركات يُحتمل أن تكون مؤقتة ولا تُغيُّر من الإتجاه العام طويل الأجل.
وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن يستمر الطلب الرسمي من المصارف المركزية في لعب دور داعم للأسعار، مدفوعاً بإعتبارات تتجاوز الحسابات الإستثمارية البحتة نحو إعتبارات السيادة النقدية وإدارة المخاطر النظامية. كما أن إستمرار التوترات الجيوسياسية، وتزايد إستخدام الأدوات المالية في سياقات غير إقتصادية، يُعزّزان موقع الذهب كأصل «محايد» وغير مرتبط بمخاطر الطرف المقابل، ما يُوفر قاعدة دعم إضافية للأسعار حتى في بيئات نقدية أقل تيسيراً.
أما على المدى الأبعد، فإن مستقبل أسعار الذهب سيبقى مرتبطاً بعمق التحوُّلات في النظام النقدي الدولي ذاته، ولا سيما مدى قدرة العملات الإحتياطية التقليدية على الحفاظ على دورها الحالي في ظل تفاقم إختلالات الدين والعجوزات المالية. وفي حال إستمر هذا المسار، يُرجّح أن يتكرّس الذهب كمكوّن شبه دائم في إستراتيجيات إدارة الإحتياطات والمحافظ الإستثمارية، مع إنتقاله من أصل ملاذي ظرفي إلى عنصر هيكلي في منظومة الإستقرار المالي العالمي.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
الأسباب تعود إلى التوترات الجيوسياسية والتضخُّم وإنخفاض الفوائد على الدولار
الذهب إلى إرتفاع في العام 2026
لم يعد السعي لإقتناء الذهب حكراً على السيدات، بإعتباره مصدراً للزينة والتباهي، ووسيلة «لتخبئة القرش الأبيض لليوم الأسود»، بل أيضاً أداة للإستثمار والربح لدى شريحة من المستثمرين حول العالم، خصوصاً مع عدم الإستقرار السياسي الحاصل في أكثر من منطقة، وبين العديد من البلدان، مما ينعكس تضخماً في الأسعار وتراجعاً في قيمة عملات أساسية وأولها الدولار.
في تفصيل سوق الذهب العالمي يبرز معطيان، الأول، إقبال كثيف على شراء الذهب من قبل مَن يملك الدولار من الأفراد والمستثمرين، والثاني تحوُّله إلى أداة أمان للمصارف المركزية، إذ شهد الذهب في العام 2025 أداءً إستثنائياً، وصفه تقرير توقعات الذهب لعام 2026، الصادر عن مجلس الذهب العالمي في ديسمبر/كانون الأول 2025 بـ «الطفرة المدهشة». وقد حقَّق المعدن الأصفر عوائد تجاوزت 60 %، مسجّلاً ما يزيد على 50 رقماً قياسياً جديداً على الإطلاق.
هذا الأداء القوي جاء مدعوماً بمزيج من العوامل التي رسّخت مكانة الذهب ملاذاً آمناً، أبرزها: تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والإقتصادي، وضعف مستويات الدولار، بالإضافة إلى الزخم الإيجابي في الأسعار، وفق ما جاء في تقرير مجلس الذهب العالمي. وشهد العام 2025 زيادةً ملحوظةً في مخصّصات الذهب، حيث كثّف كل من المستثمرين والبنوك المركزية عمليات الشراء؛ بحثاً عن التنويع والإستقرار.
طفرة العام 2025
بحسب الخبراء لم يكن الأداء القياسي للذهب في العام 2025 مجرّد صدفة، بل كان إنعكاساً لتوجُّهات إستثمارية عالمية، إذ دعمت حالة عدم اليقين الجيوسياسي والإقتصادي المتزايدة أداء الذهب بشكل قوي، كما أسهم تراجع الدولار في جعل الذهب أكثر جاذبيةً للمشترين من العملات الأخرى. وأظهر كل من المستثمرين والبنوك المركزية زيادةً واضحةً في مخصّصاتهم للذهب، حيث سعوا للحصول على التنويع والإستقرار في محافظهم الإستثمارية ضد تقلُّبات السوق.
ويشير تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أن طلب القطاع الرسمي (البنوك المركزية) كان ولا يزال مساهماً كبيراً في أداء الذهب العالمي. ورغم أن البنوك المركزية تراجعت قليلاً عن مستويات الشراء القياسية التي سجَّلتها في السنوات الـ3 السابقة، فقد إستمرّت في العام 2025 بـ «موجة الشراء»، حيث بقي الطلب أعلى بكثير من المتوسط التاريخي.
ويُظهر التحليل الذي أجراء مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية تشتري بمستويات مرتفعة بشكل هيكلي :متوسط ما قبل «كوفيد» (2010 – 2019): كان الشراء الصافي في حدود 500 طن سنوياً. أما متوسط ما بعد «كوفيد» (2020 – 2024): فقد إرتفع بشكل حاد إلى نحو 800 طن سنوياً. وفي العام 2025 تُراوح التقديرات بين 750 و 900 طن، مما يمثل إستمراراً للزخم القوي.
سيناريوهات ثلاثة في العام 2026
يشير تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أن النظرة المستقبلية للذهب في العام 2026، تتشكَّل بفعل إستمرار حالة عدم اليقين الجيوإقتصادي، ويُحدّد 3 سيناريوهات رئيسية محتملة يُمكن أن يتبعها سعر الذهب:
1 – الإنزلاق الضحل: مكاسب معتدلة
هذا السيناريو يُمثل توقعات أكثر إعتدالاً، حيث يُتوقع أن يشهد الذهب مكاسب متوسطة. علماً أنه يحدث ذلك إذا تباطأ النمو الإقتصادي العالمي وإستمرت معدّلات الفائدة في الانخفاض. في هذه البيئة، سيعمل إنخفاض الفوائد على تقليل جاذبية الأصول المدرة للعائد (مثل السندات)، مما يقلّل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب ويزيد من الطلب عليه بوصفه تحوطاً، دافعاً الأسعار للأعلى بشكل معتدل.
2 – الحلقة الكارثية: إندفاع قوي للأسعار
هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً لمشتري الذهب، ويتمثل في حدوث تراجع إقتصادي أكثر حدّة في العام 2026، يترافق مع تصاعد في المخاطر العالمية (سواء جيوسياسية أو مالية). في هذه الحالة، سيشهد الذهب أداءً قوياً جداً، حيث يتّجه المستثمرون والبنوك المركزية بتركيز أكبر نحو المعدن الأصفر ملاذاً أخيراً.
3 – العودة إلى التضخُّم: خطر التراجع
يُمثل هذا السيناريو الخطر الأكبر على أداء الذهب، ويتحقَّق إذا أدت السياسات الإقتصادية التي تنفذها إدارة ترمب إلى نتائج ناجحة بشكل غير متوقع. هذا النجاح سيعمل على تسريع النمو الإقتصادي وتقليل المخاطر الجيوسياسية. ستؤدي هذه البيئة إلى رفع معدّلات الفائدة وزيادة قوة الدولار، وهما عاملان تاريخيان يؤديان إلى تراجع أسعار الذهب. ويُظهر إستطلاع لـ «غولدمان ساكس» أن العديد من المستثمرين يعتقدون بأن المعدن النفيس سيصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 5000 دولار في حلول نهاية العام 2026.
صورة إيجابية
في سياق متصل، رفع دويتشه بنك توقعاته لسعر الذهب في العام 2026 إلى 4450 دولاراً للأونصة في المتوسط من 4000 دولار، وفق وكالة «رويترز». ويشير البنك إلى إستقرار تدفقات المستثمرين والطلب المستمر من البنوك المركزية. وقد أبقى البنك على توقعاته لسعر الذهب في العام 2027 عند 5150 دولاراً، قائلاً: إنه «يتأرجح بين عدم اليقين» بين سيناريوهات العمل المعتادة وإرتفاع الطلب الرسمي.
بينما حذر دويتشه بنك من أن المخاطر الرئيسية تشمل الإرتباط الإيجابي للذهب بالأصول الخطرة، وإحتمال تخفيف سياسة مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأميركي بشكل أقل مما تتوقّعه الأسواق في العام 2026، وإحتمال أن يبطئ مديرو الإحتياطي مشترياتهم.
في ميزان الخبراء، فإن الذهب شهد خلال العام 2025 موجة صعود لافتة، أعادت تسليط الضوء على إحتمالات بلوغه مستويات تاريخية في العام 2026، بدعم من مجموعة واسعة من المحرّكات الأساسية.
ويأتي في مقدّم هذه العوامل، تزايد إقبال البنوك المركزية حول العالم على شراء الذهب بهدف تنويع الإحتياطات بعيداً عن الدولار، ما يُعزّز الطلب الهيكلي على المعدن النفيس. كما تُسهم صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب في رفع الطلب وتقليص المعروض القابل للتداول، مما ضاعف الضغوط الصعودية، كما أن تراجع الدولار وتنامي توقّعات خفض أسعار الفائدة الأميركية يزيدان من جاذبية الذهب كأداة تحوّط ضد التضخُّم وتقلُّبات العملات، في حين تدفع حالة عدم اليقين الإقتصادي والجيوسياسي، من الحروب وإرتفاع الديون السيادية إلى مخاطر الركود، المستثمرين نحو الأصول الآمنة وعلى رأسها الذهب، الذي بات يُنظر إليه كأصل إستراتيجي طويل الأجل لا مجرّد ملاذ تقليدي.
الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان
إستمرار خفض الفوائد على الدولار سيرفع أسعار الذهب
يتوقع الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان على أن «يبقى المسار في العام 2026 تصاعدياً للذهب، لأسباب عدة، أولها أن المصارف المركزية في العالم لا تزال تشتري الذهب، بالوتيرة عينها التي إتبعتها في العام 2025 وتزيد في محافظها المعدن الأصفر، مما يؤدي إلى زيادة أسعاره»، لافتاً إلى أن «البنك الفدرالي في الولايات المتحدة يخفّض فوائده تباعاً، وهذا مؤشر على زيادة الطلب على شراء الذهب، لأن كلفة شرائه وتخزينه تصبح أقل، بالإضافة إلى أنه لم تحصل سيطرة كاملة على التضخُّم عالمياً، ونحن نعلم أن أهم وسيلة إحتياطية للتضخُّم هو اللجوء إلى شراء الذهب، وهذا يعني أن المعدن الأصفر سيكون الطلب عليه أكثر بكثير من العرض».
ويختم أبو سليمان قائلاً: «التوترات الجيوسياسية لا تزال موجودة، والحرب التجارية والرسوم الجمركية التي تنتهجها إدارة ترامب لم تنته، وهي موجودة، بدليل أن الصين تقوم بإرسال مؤشّرات الى الولايات المتحدة، بأنها تتخلى عن الدولار من خلال تحويلها العملات الصعبة التي تمتلكها الى شراء الذهب، ما يعني أن أسعار الذهب ستبقى في مسار تصاعدي».
الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة
التوترات الجيوسياسية سترفع أسعار الذهب
من جهته، يشدّد الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة أن «التوقعات صعبة، لكن في حال بقيت سياسات الولايات المتحدة على حالها تجاه أوكرانيا والشرق الأوسط، والتصعيد الحاصل سياسياً وعسكرياً، فهذا يعني أن المعدن الاصفر سيبقى الملاذ الآمن»، معتبراً «أن الذهب سعره عالمي ويتأثر بالأحداث السياسية التي تجري، والجميع يعلم أن هناك مشكلة أساسية بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تجاه نظرتها إلى أوكرانيا، وهذا الإختلاف سيؤدي إلى تطوُّرات وتحدّيات، وتغيُّر في موازنات الدول، وتخبُّط وإرتفاع مستمر في أسعار الذهب».
ويختم د. حبيقة قائلاً: «إن إنخفاض سعر المعدن الأصفر غير متوقع، وبقاءه على حاله ممكن، لكن صعود أسعاره ممكن أكثر».
الخبير الإقتصادي زياد ناصر الدين
7 أسباب لإرتفاع أسعار الذهب 2026
يجيب الخبير الإقتصادي زياد ناصر الدين، على سؤال: لماذا يُتوقع إرتفاع أسعار الذهب في العام 2026 قائلاً:
«ثمّة سيناريوهات دولية عدة ترسم هذا المسار، أولُها خفض الفائدة بشكل كبير، ما يُضعف الدولار ويزيد الإقبال على الذهب كملاذ آمن، ثانيها عودة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة رغم التجميد المؤقت، فيما التوقعات تشير إلى جولة جديدة من الحرب التجارية في العام 2026، وثالثها تجدُّد الأزمات الإقتصادية في أوروبا، إذ تعاني بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا ركوداً حاداً يُضعف الثقة بالإقتصاد الأوروبي، ورابعها تباطؤ النمو العالمي، فالنمو المتوقع لا يتجاوز 3 % في العام 2026، ما يضغط على الأسواق ويُعزّز اللجوء إلى الذهب، وخامسها أزمة الديون والفوائد في الولايات المتحدة، فالدين العام المتصاعد وكلفة الفوائد المرتفعة يخلّفان مخاطر مالية واسعة، وسادسها الأزمة العقارية في الصين، إذ إن إستمرار الإنكماش العقاري وتباطؤ النمو إلى 5.8 % يضغط على الأسواق الآسيوية، وسابعها زيادة الطلب على الذهب من دول البريكس، المصارف المركزية، وصناديق الإستثمار الكبرى في ظل التحوُّط من المخاطر».
الخبير الإقتصادي ميشال قزح
التضخُّم من أسباب رفع أسعار الذهب في العام 2026
يشرح الخبير الإقتصادي ميشال قزح أن «إستمرار معدّلات التضخُّم في الولايات المتحدة بالإرتفاع، وتغطية العجز بطباعة الدولارات، وفي ظل إزدياد الكتل النقدية من 4 تريليونات دولار في العام 2020، إلى 22 تريليوناً في العام 2025، فإن هذا التضخُّم سيُترجم بإرتفاع أسعار الذهب عالمياً، لأنه إنعكاس لزيادة طباعة الدولارات»، موضحاً أن «إنخفاض أسعار النفط ليست مؤشّراً على إنخفاض أسعار الذهب في العام 2026، لأن المستثمرين والمصارف المركزية مستمرون في شراء الذهب، لأنهم يعرفون حجم عمليات طباعة الدولار، وهذا الإتجاه سيبقى مستمراً في العام 2026. ويُرجّح أن يُلامس سعر الأونصة 5000 آلاف دولار، في حين أن أسعار الفضة ستتجه صعوداً أيضا، إلى ما يزيد عن 75 دولاراً، لأن العرض أقل من الطلب، والذي تحتاجه الصناعات في العالم».
الدور المتنامي للإعلام الاجتماعي في تشكيل القناعات والسلوكيات
يُؤثر في الإنتقال من المقاربات العلاجية اللاحقة إلى إستراتيجيات وقائية إستباقية
أصبحت الجرائم في مختلف أشكالها، ولا سيما الجرائم ذات الطابع الإقتصادي والرقمي، نتاجاً معقداً لتفاعل عوامل نفسية وسلوكية مع بيئة معلوماتية متسارعة، لم يعد فيها السلوك الإجرامي فعلاً معزولاً بقدر ما هو نتيجة سياق إجتماعي إعلامي يُسهل التبرير، ويُخفّض كلفة المخاطرة، ويُعيد تشكيل إدراك الأفراد لمفاهيم الخطأ والمسؤولية. ففي ظل التحوّل الرقمي وإنتشار منصّات الإعلام الإجتماعي، لم يعد مصدر المعرفة أو التأثير مقتصراً على المؤسسات التعليمية أو القنوات الرسمية، بل باتت المعلومات بما فيها المضلّلة أو غير المكتملة تنتج وتُتداول بسرعة تفوق قدرة الأطر التقليدية على الضبط والتصحيح.
وفي هذا الإطار، يبرز التثقيف كعنصر حاسم في فهم السلوك الإجرامي والحدّ من مخاطره، ليس بوصفه نشاطاً توعوياً عاماً، بل كأداة وقائية تُسهم في تعزيز المناعة النفسية والسلوكية لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء. فضعفُ الوعي، وسوءُ تقدير المخاطر، وتأثيرُ الخطاب الإعلامي غير المنضبط، عوامل تفتح المجال أمام أنماط جديدة من الإستغلال والتلاعب، وتُعيد إنتاج السلوك الإجرامي بصيغ أكثر تعقيداً وأقل قابلية للإكتشاف المبكر.
العوامل النفسية المؤثرة في تشكّل السلوك الإجرامي
يتأثر السلوك الإجرامي بجملة من العوامل النفسية التي تُسهم في الإنتقال التدريجي من الإلتزام بالقواعد إلى خرقها، حيث تلعب آليات التبرير الذاتي دوراً محورياً في خفض الحواجز الأخلاقية لدى الأفراد، ولا سيما في البيئات التي تتسم بضعف الرقابة أو غموض المسؤوليات. فالإحساس بضعف إحتمالات الإكتشاف، إلى جانب النزعة إلى تعظيم المنفعة قصيرة الأجل، يدفع بعض الأفراد إلى إعادة تعريف السلوك المخالف بوصفه تصرفاً مقبولاً أو أقل ضرراً، خصوصاً عندما يكون الضرر غير مباشر أو مؤجّل الظهور. كما يُسهم الضغط المهني والإجتماعي، والرغبة في تحقيق مكانة أو مكاسب سريعة، في تعزيز قابلية الإنخراط في سلوكيات إجرامية، لا سيما عندما تغيب الثقافة المؤسسية الرادعة أو تُرسخ نماذج سلوكية تضفي طابعاً اعتيادياً على المخالفات الصغيرة. ويزداد هذا التأثير في السياقات الرقمية، حيث يُؤدي البُعد النفسي الناتج عن التفاعل غير المباشر إلى إضعاف الشعور بالمسؤولية، ويُسهل ممارسة الخداع أو التلاعب دون إدراك فوري لعواقبه القانونية أو الاجتماعية، ما يجعل العوامل النفسية عنصراً أساسياً في فهم أنماط الجريمة الحديثة وسبل الوقاية منها.
دور الإعلام الإجتماعي في نشر المعلومات وتشكيل السلوك الإجرامي
أدّى التوسُّع المتسارع في إستخدام منصّات الإعلام الإجتماعي إلى إعادة تشكيل بيئة تداول المعلومات، بحيث لم تعد هذه المنصّات مجرّد وسيلة تواصل، بل تحوّلت إلى فضاء مؤثر في تشكيل القناعات والسلوكيات، بما في ذلك السلوك الإجرامي. فسهولة إنتاج المحتوى وسرعة إنتشاره، مقرونتان بضعف آليات التحقُّق، أوجدتا بيئة خصبة لإنتشار المعلومات المضلّلة والخطابات التي تُطبع المخالفات أو تبرّرها، سواء بصورة مباشرة عبر الترويج لأساليب الإحتيال والإستغلال، أو بصورة غير مباشرة من خلال سرديات تمجّد التحايل وتُقلّل من خطورة العواقب القانونية. كما تُسهم خوارزميات تعزيز التفاعل في إبراز المحتوى الصادم أو الجاذب على حساب الدقة والموثوقية، ما يُؤدي إلى تضخيم أنماط سلوكية منحرفة وتوسيع دائرة تقبّلها إجتماعياً. وفي السياق ذاته، أصبحت هذه المنصّات أداة فعّالة في إستهداف الأفراد ذوي الوعي المحدود أو القابلية النفسية العالية للتأثر، عبر أساليب الهندسة الإجتماعية التي تستثمر في الثقة، وفي العاطفة، وفي ضغط الجماعة، مما يُعزّز إحتمالات الوقوع في الجريمة أو التحوُّل إلى ضحية لها. وبذلك، يغدو الإعلام الإجتماعي عاملاً مضاعفاً للمخاطر، يُسرّع إنتشار السلوك الإجرامي ويعقّد جهود المكافحة، ما لم يُقابل بإدارة معلوماتية رشيدة وتثقيف منهجي قادر على تحصين الأفراد والمؤسسات من تأثيراته السلبية.
دور التثقيف والوعي في الوقاية من السلوك الإجرامي
يُشكّل التثقيف والوعي أحد المرتكزات الأساسية للوقاية من السلوك الإجرامي، بوصفهما أدوات إستباقية تعالج جذور المشكلة قبل تحوّلها إلى ممارسات مخالفة أو جرائم مكتملة الأركان. فرفع مستوى الوعي بالمخاطر القانونية والإقتصادية والإجتماعية، وتعزيز الفهم النقدي للمعلومات المتداولة، يُسهمان في إعادة ضبط السلوك الفردي والجماعي ويُحدّان من قابلية الإنخراط في أنماط منحرفة أو الوقوع ضحية لها. كما يؤدي التثقيف المنهجي إلى تقوية ما يُمكن تسميته بالمناعة السلوكية، من خلال تمكين الأفراد من التعرف المبكّر على أساليب الخداع والتلاعب، وفهم آليات التأثير النفسي التي تستغلها الجرائم الحديثة، ولا سيما في البيئات الرقمية. وعلى المستوى المؤسسي، يُعد دمج برامج التوعية ضمن السياسات التنظيمية والحوكمة أداة فاعلة لتقليص مناطق الرمادية السلوكية وتعزيز ثقافة الإمتثال والمسؤولية، بما يحد من إحتمالات التواطؤ أو التساهل مع المخالفات. وفي ظل الدور المتنامي للإعلام الإجتماعي، تكتسب مبادرات التثقيف أهمية مضاعفة بإعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة المعلومات المضللة وتطبيع السلوك الإجرامي، حيث يُساهم الوعي في تحويل الأفراد من متلقين سلبيين إلى فاعلين قادرين على التمييز والتحقق، بما يُعزّز الوقاية المستدامة ويخفف الأعباء اللاحقة على منظومات العدالة والرقابة.
في الخلاصة، تُظهر هذه الدراسة أن السلوك الإجرامي لم يعد نتاج عامل منفرد أو إنحراف فردي معزول، بل هو حصيلة تفاعل معقّد بين دوافع نفسية، وبيئة معلوماتية متسارعة، ومستويات متفاوتة من الوعي والتثقيف. وفي ظل الدور المتنامي للإعلام الإجتماعي في تشكيل القناعات والسلوكيات، تتزايد أهمية الإنتقال من المقاربات العلاجية اللاحقة إلى إستراتيجيات وقائية إستباقية تُعلي من شأن التثقيف المنهجي وتعزيز الوعي النقدي. فكلّما إرتفعت قدرة الأفراد والمؤسسات على فهم آليات التأثير والتلاعب، تقلّصت المساحات التي ينفذ منها السلوك الإجرامي، وتراجعت فرص إنتشاره وتطبيعه إجتماعياً. وعليه، يصبح الإستثمار في التثقيف والوعي خياراً إستراتيجياً لا يقل أهمية عن الأطر القانونية أو الأدوات التقنية، بإعتباره مساراً مستداماً للحد من الجريمة وتعزيز السلوك المسؤول وترسيخ بيئة أكثر أمناً وإستقراراً على المستويين المجتمعي والمؤسسي.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
تشكل أحد المرتكزات الإستراتيجية لإدارة المخاطر وحوكمة الشركات الكبيرة
أنظمة الإمتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال لم تعد وظيفة رقابية مساندة
بل منظومة إستباقية متكاملة تجمع بين إدارة المخاطر وتحليل البيانات
تُواجه الشركات الكبيرة في المرحلة الراهنة تصاعداً ملحوظاً في مخاطر الإحتيال نتيجة تعقّد الهياكل التشغيلية، وتوسُّع الأعمال العابرة للحدود، وتسارع التحوُّل الرقمي وتكامل الأنظمة. ولم يعد الإحتيال يقتصر على ممارسات فردية معزولة، بل أصبح يستند إلى أساليب منظمة تستغل حجم العمليات، وتعدد الأطراف المتعاملة، والثغرات التقنية والإجرائية في بيئات الأعمال المعقدة. وقد برزت أنظمة الامتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال كأحد المحاور الأساسية لحوكمة الشركات الكبيرة، إذ إنتقلت من دور رقابي تقليدي إلى منظومة إستباقية متكاملة، تجمع بين إدارة المخاطر، وتحليل البيانات، والتقنيات الذكية، بهدف الحدّ من الخسائر وتعزيز النزاهة التشغيلية وحماية السمعة المؤسسية.
أنظمة الإمتثال الحديثة ودوافع تبنّيها
تُعدُّ أنظمة الامتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال جزءاً أساسياً من البنية المؤسسية التي تهدف إلى الوقاية والإستباق بدلاً من الإكتفاء بالكشف بعد وقوع الخسائر، وهي ترتكز على فهم شامل لمخاطر الإحتيال في الشركات الكبيرة، وإعادة تصميم الضوابط التشغيلية والتقنية لتقليل التعرُّض للمخاطر المالية والتشغيلية والسمعة المؤسساتية. وتشير الإحصاءات العالمية إلى إتساع حجم مشكلة الإحتيال على مستوى الشركات والصناعات المختلفة، ما يُعزّز الحاجة إلى أنظمة إمتثال أكثر فاعلية. فبحسب أحدث التقديرات، تقدّر خسائر الشركات حول العالم من الإحتيال بنحو 7.7 % من إيراداتها السنوية في المتوسط، وهو ما يُترجم إلى مئات مليارات الدولارات من الخسائر سنوياً على مستوى الإقتصاد العالمي. كما أظهرت دراسات عالمية أن 41 % من الشركات العالمية تعرّضت للإحتيال خلال العامين الماضيين، مما يعكس إنتشار هذا التهديد في بيئات الأعمال المختلفة.
من ناحية أخرى، أشارت مؤسسات بحثية إلى أن شركات كبرى متعدّدة الجنسيات، خصوصاً تلك التي يزيد دخلها على 10 مليار دولار، تواجه مخاطر إحتيال عالية، حيث أبلغ 52 % منها عن تجربة إحتيال في آخر 24 شهراً. وفي سياق الإنفاق على أدوات وتقنيات مكافحة الاحتيال، يُتوقع أن يشهد سوق حلول كشف ومنع الإحتيال نمواً قوياً على مدى السنوات المقبلة، مع إرتفاع إستثمارات الشركات في أدوات تحليل البيانات والذكاء الإصطناعي لمواجهة التهديدات المتغيّرة.
كل هذه المؤشرات تسلّط الضوء على العبء المتزايد للإحتيال وتزايد تعقيده، وهي دوافع مركزية تجعل أنظمة الإمتثال الحديثة عنصراً لا غنى عنه في حماية الشركات الكبيرة. فالنهجُ التقليدي الذي يعتمد على المراجعة اللاحقة وحده لم يعد كافياً للتعامل مع سيناريوهات الإحتيال المعقّدة والمتشابكة، مما يستدعي تبنّي آليات متكاملة للوقاية والكشف والإستجابة تعتمد على البيانات والتحليلات الذكية والحوكمة المؤسسية المتقدّمة.
المكوّنات الأساسية لأنظمة الإمتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال
في الشركات الكبيرة، يقوم الإمتثال الحديث لمكافحة الإحتيال على منظومة متكاملة من العناصر التقنية والتنظيمية التي تعمل بتناسق لتعظيم الكشف المبكر عن المخاطر وتقليل الخسائر، وتحسين جودة الإستجابة والتحقيق. يُمكن تلخيص المكوّنات الأساسية لهذه الأنظمة كالتالي:
حوكمة المخاطر والضوابط المؤسسية: إذ يبدأ الإمتثال من مستوى الحوكمة، حيث تحدّد سياسات واضحة للمخاطر، وصلاحيات محدّدة، وأدوار ومسؤوليات لكل مستوى إداري، ويتضمّن ذلك فصل المهام وتحديث سياسات مكافحة الإحتيال بإنتظام لضمان إلتزام الوحدات التشغيلية بالقواعد المؤسسية والإجراءات الرقابية.
تحليل البيانات الضخمة والتحليلات المتقدّمة: تشكل البيانات جزءاً جوهرياً في أنظمة الإمتثال الحديثة، إذ تسمح بتحليل كميات ضخمة من المعاملات والسلوكيات لتحديد الأنماط غير الطبيعية والمؤشرات المبكرة للإحتيال بإستخدام تقنيات مثل التحليلات الإحصائية، وإكتشاف الشذوذ، والتعلّم الآلي. هذه القدرات تُحسّن دقة الكشف وتقلّص معدّلات الإنذارات الكاذبة مقارنة بأساليب التدقيق التقليدية.
نماذج الكشف الذكية: تعمل الأنظمة الحديثة بمزيج من القواعد المعرفة مسبقاً ونماذج الذكاء الإصطناعي والتعلُّم الآلي، ما يُمكنها من التعرّف على سلوكيات إحتيالية معقّدة تتجاوز قدرات القواعد الثابتة وحدها. التعلُّم الآلي يُمكن أن يتكيّف مع تغيُّرات الأنماط الإحتيالية ويكون قاعدة معرفية تتوسّع بإستمرار مع زيادة البيانات المتاحة.
مراقبة المعاملات في الوقت الحقيقي: تقوم أنظمة إمتثال متقدّمة بمراقبة المعاملات عند تنفيذها لتحليلها فوراً مقابل نماذج السلوكيات المتوقعة. هذا يتيح إكتشاف العمليات المشبوهة قبل إتمامها وإيقافها في الوقت الفعلي، بدلاً من الإعتماد على مراجعات لاحقة فقط.
إدارة القضايا والتحقيق: عند إكتشاف نشاط مشبوه، تنتقل الحالة إلى طبقة إدارة القضايا التي تتيح توثيق التحقيقات، تسجيل الأدلة، تتبع الإجراءات، والتنسيق بين الفارق (الإمتثال، التدقيق الداخلي، القانوني). تُعد هذه المكونات ضرورية لإتمام التحقيقات بفاعلية وتقديم تقارير إمتثال دقيقة للجهات الرقابية.
التحليل الشبكي وتحديد العلاقات المخفية: تعتمد بعض الحلول المتقدّمة على تحليل الشبكات لتحديد العلاقات بين كيانات متعددة (حسابات، موردين، معاملات) لكشف عمليات تواطؤ إحتيالية أو أنماط معقّدة لا تظهر في التحليل التقليدي.
إمتثال تنظيمي وتكامل مع معايير: تتكامل أنظمة الامتثال الحديثة مع متطلّبات «إعرف عميلك» (KYC) ومكافحة غسيل الأموال (AML) لضمان الإمتثال التشريعي الشامل وتقليل مخاطر الإحتيال عبر الحدود، وهو أمر مهم بشكل خاص في الشركات متعدّدة الجنسيات.
في الخلاصة، تُظهر المعطيات والتحليلات أن أنظمة الإمتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال لم تعد وظيفة رقابية مساندة، بل أصبحت أحد المرتكزات الإستراتيجية لإدارة المخاطر وحوكمة الشركات الكبيرة. فمع تصاعد تعقيد أنماط الإحتيال وتسارع الإبتكار الرقمي، باتت فعّالية الإمتثال تُقاس بقدرته على الإستباق والكشف المبكر، وجودة القرارات، وليس فقط بعدد المخالفات المكتشفة بعد وقوعها. وعلى المدى الإستشرافي، يُتوقع أن تتّجه الشركات الكبيرة نحو نماذج إمتثال أكثر تكاملاً وذكاءً، تعتمد على توحيد البيانات، والتحليلات المتقدمة، والذكاء الإصطناعي القابل للتفسير، إلى جانب تعزيز دور إدارة القضايا وتحليل الأسباب الجذرية في منع تكرار المخاطر. كما سيزداد التركيز على الإمتثال الوقائي المدمج في العمليات التشغيلية اليومية، بدل عزله ضمن وحدات رقابية منفصلة. وفي هذا السياق، تمثل قدرة الشركات على الإستثمار في أنظمة إمتثال مرنة وقابلة للتطور عاملاً حاسماً في حماية الإستدامة المالية، وتعزيز الثقة المؤسسية، والحفاظ على القدرة التنافسية في بيئة أعمال تتسم بإرتفاع المخاطر وتسارع التغيُّرات.
المصارف العربية تحتاج إلى تبنّي مقاربة إستراتيجية متدرّجة لتوظيف التقنيات المستجدة
الذكاء الإصطناعي يُعزز فعّالية أنظمة مكافحة الإحتيال المالي
أدّى التوسُّع المتسارع في التحوُّل الرقمي داخل القطاع المالي والمصرفي إلى تعقيد بيئة المخاطر المالية، حيث ترافقت زيادة الإعتماد على القنوات الرقمية والمعاملات «غير الحضورية» مع تصاعد ملحوظ في حجم وتنوُّع عمليات الإحتيال المالي. ويشير تقرير Global State of Scams Report 2025 إلى أن الخسائر المالية التي تكبّدها المستهلكون عالمياً نتيجة عمليات الإحتيال بلغت نحو 442 مليار دولار سنوياً، ما يعكس محدودية فعّالية الأساليب التقليدية في مواجهة أنماط إحتيال ديناميكية وسريعة التكيُّف. وفي هذا السياق، برز الذكاء الإصطناعي كأداة محورية لتعزيز فعّالية أنظمة مكافحة الاحتيال المالي، من خلال قدرته على تحليل البيانات الضخمة وفهم السلوك المالي ورصد المعاملات غير الإعتيادية في الزمن الحقيقي. وقد أسهم توظيف تقنيات التعلم الآلي والتحليل السلوكي في الإنتقال من نماذج رقابية قائمة على الإكتشاف اللاحق إلى مقاربات وقائية وإستباقية، بما يدعم كفاءة الرقابة المالية، ويحد من الخسائر، ويُعزّز متطلّبات الإمتثال في المؤسسات المالية والمصرفية.
محدودية أنظمة مكافحة الإحتيال التقليدية والحاجة إلى التحوّل نحو النماذج الذكية
تعتمد أنظمة مكافحة الإحتيال التقليدية في المؤسسات المالية على نماذج رقابية قائمة على القواعد الثابتة والمؤشرات التاريخية، ما يحدّ من فعّاليتها في بيئة مالية رقمية تتسم بالتعقيد وتسارع الإبتكار في الأساليب الاحتيالية. وقد أظهرت التطوُّرات الأخيرة أن هذا النمط من الأنظمة يعاني من قصور واضح في التعامل مع أنماط إحتيال ديناميكية وسريعة التكيُّف، مما ينعكس في إرتفاع معدّلات الكشف اللاحق وكثرة الإنذارات الخاطئة وزيادة الخسائر المالية.
وتؤكد المؤشرات الدولية حجم هذا التحدي، إذ تشير بيانات Global Anti-Scam Alliance إلى أن الخسائر المالية الناجمة عن عمليات الإحتيال بلغت نحو 442 مليار دولار سنوياً على مستوى المستهلكين عالمياً، في ظل توسّع القنوات الرقمية والمعاملات عبر الانترنت. كما أظهرت تلك البيانات أن 57 % من البالغين حول العالم قد تعرّضوا لعملية إحتيال واحدة على الأقل خلال عام واحد، رغم إعتقاد 73 % منهم بقدرتهم على التعرُّف على الإحتيال، ما يعكس فجوة جوهرية بين الوعي والقدرة الفعلية على الوقاية بإستخدام الأدوات التقليدية.
في المقابل، تدعم البيانات التحوُّل المتزايد نحو النماذج الذكية، حيث تشير تقارير متخصّصة في الجرائم المالية إلى أن نحو 90 % من المؤسسات المالية باتت تعتمد تقنيات الذكاء الإصطناعي في أنظمة مكافحة الإحتيال. وقد أسهم هذا التحوُّل في خفض الخسائر الناتجة عن الإحتيال بنسبة تراوحت ما بين 40 % و60 % لدى عدد كبير من المؤسسات، إضافة إلى تحسين الكفاءة التشغيلية بالوتيرة نفسها تقريباً من خلال تقليل الإنذارات الخاطئة وتسريع عملية إتخاذ القرار.
وبناءً عليه، لم يعد تعزيز فعّالية أنظمة مكافحة الإحتيال المالي ممكناً عبر تطوير القواعد الرقابية التقليدية فحسب، بل بات مرتبطاً بقدرة المؤسسات المالية على تبنّي نماذج ذكية قائمة على الذكاء الإصطناعي، وقادرة على تحليل السلوك المالي وفهم نيّة المعاملات، والعمل في الزمن الحقيقي، بما يتيح الإنتقال من الرقابة التفاعلية إلى المقاربة الإستباقية القائمة على المخاطر.
تطبيقات الذكاء الإصطناعي عملياً في تعزيز فعّالية أنظمة مكافحة الإحتيال المالي
أتاح توظيف الذكاء الإصطناعي في المؤسسات المالية نقلة عملية في آليات مكافحة الإحتيال المالي، من خلال الإنتقال من نماذج رقابية عامة إلى تطبيقات ذكية متخصّصة تعمل في الزمن الحقيقي (Real time). وتتمثّل أبرز هذه التطبيقات في التحليل السلوكي للمعاملات المالية، حيث تُستخدم خوارزميات التعلُّم الآلي لبناء ملفات سلوكية ديناميكية للعملاء، تُمكن من رصد الانحرافات غير الاعتيادية عن أنماط الاستخدام الطبيعية، حتى وإن بدت المعاملة صحيحة من الناحية الشكلية. ويُسهم هذا النهج في تحسين القدرة على التمييز بين السلوك المشروع والسلوك الإحتيالي بدقة أعلى من النماذج التقليدية.
كما تُستخدم تقنيات الذكاء الإصطناعي على نطاق واسع في مراقبة المعاملات والكشف الفوري عن الإحتيال، عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات المالية وغير المالية في الزمن الحقيقي، وربطها بعلاقات غير خطّية يصعب على الأنظمة القائمة على القواعد اكتشافها. وتشير تقارير متخصّصة إلى أن إعتماد هذه التطبيقات أدّى إلى تحسين معدّلات إكتشاف الإحتيال بنسب تُراوح بين 6 % و20 % لدى عدد من المؤسسات المالية العالمية، فضلاً عن تقليص زمن الإستجابة وإتخاذ القرار.
ومن التطبيقات العملية المهمة أيضاً تقليل معدّلات الإنذارات الخاطئة، التي تشكّل أحد أبرز التحديات التشغيلية في أنظمة مكافحة الإحتيال. فقد أسهمت النماذج الذكية في خفض الإنذارات غير الضرورية بشكل ملموس، مما إنعكس تحسّناً في الكفاءة التشغيلية بنسبة تراوحت بين 40 % و60 % لدى المؤسسات التي إعتمدت الذكاء الإصطناعي، من خلال توجيه موارد الإمتثال نحو الحالات الأعلى خطورة بدلاً من المعالجة اليدوية المكثّفة.
إلى جانب ذلك، يُستخدم الذكاء الإصطناعي في التنبؤ بالمخاطر الإحتيالية ودعم قرارات الإمتثال، عبر نماذج قادرة على التعلّم المستمر من الحالات السابقة وتكييف معايير التقييم تلقائياً مع تطور الأساليب الإحتيالية. ويُعزّز هذا الإستخدام الإنتقال من منطق المكافحة اللاحقة إلى نهج وقائي إستباقي، يُركّز على منع وقوع الإحتيال قبل تحقّقه، بما يدعم متانة الأنظمة الرقابية ويحدّ من الخسائر المالية في بيئة رقمية عالية المخاطر.
التحدّيات التنظيمية والأخلاقية لتطبيق الذكاء الإصطناعي في مكافحة الإحتيال المالي
رغم الفوائد التشغيلية الكبيرة التي يُوفّرها الذكاء الإصطناعي في مكافحة الإحتيال المالي، فإن تطبيقه يطرح مجموعة من التحديات التنظيمية والأخلاقية التي تؤثر بشكل مباشر على فعّالية هذه الأنظمة وإستدامتها. وتتمثّل أبرز هذه التحدّيات في حوكمة البيانات وجودتها، إذ تعتمد النماذج الذكية على كميات ضخمة من البيانات الحساسة، ما يفرض متطلّبات صارمة تتعلّق بحماية الخصوصية وأمن المعلومات والإمتثال للتشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة.
كما تبرز مخاطر «الإنحياز الخوارزمي» بوصفها أحد التحدّيات الجوهرية، حيث قد تؤدي نماذج التعلّم الآلي، في حال تدريبها على بيانات غير متوازنة أو تاريخية، إلى قرارات تمييزية أو غير دقيقة، ما ينعكس سلباً على العدالة المالية وتجربة العملاء. ويُضاف إلى ذلك تحدّي قابلية التفسير والشفافية، إذ تُواجه العديد من المؤسسات صعوبة في تفسير قرارات النماذج المعقدة أمام الجهات الرقابية، مما يحدّ من الثقة التنظيمية ويصعّب دمج الذكاء الإصطناعي ضمن أطر الإمتثال التقليدية. وفي هذا الإطار، يُصبح نجاح تطبيق الذكاء الإصطناعي في مكافحة الإحتيال مشروطاً بتطوير أطر حوكمة واضحة، تضمن الإستخدام المسؤول للتكنولوجيا وتوازن بين متطلّبات الإبتكار الرقمي وحماية الحقوق والإمتثال التنظيمي.
حاجة المصارف العربية في ضوء التقنيات المستجدة
في الخلاصة، وفي ضوء تصاعد مخاطر الإحتيال المالي في البيئة الرقمية، وما أظهرته التجارب الدولية من تحسُّن ملموس في فعّالية أنظمة المكافحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة أمام المصارف العربية إلى تبنّي مقاربة إستراتيجية متدرّجة لتوظيف هذه التقنيات. ويقتضي ذلك، بداية، إدماج الذكاء الإصطناعي ضمن أطر إدارة المخاطر والإمتثال القائمة بدل التعامل معه كحل تقني منفصل، بما يضمن تكامل أنظمة مكافحة الإحتيال مع سياسات الحوكمة والرقابة الداخلية.
كما يُوصى بإستثمار المصارف في تحسين جودة البيانات وبناء بُنى تحتية رقمية مرنة قادرة على دعم التحليل في الزمن الحقيقي، نظراً إلى كون فعّالية النماذج الذكية ترتبط مباشرة بدقة البيانات وتكاملها. وفي هذا السياق، يبرز دور التعاون بين المصارف والجهات الرقابية لتوحيد المعايير المتعلقة بحوكمة البيانات، وحماية الخصوصية، وقابلية تفسير النماذج الخوارزمية.
ومن المهم أيضاً إعتماد نهج تدريجي في تطبيق الذكاء الإصطناعي، يبدأ بالمجالات الأعلى خطورة وتأثيراً، مثل المدفوعات الرقمية والتحويلات السريعة، مع تطوير مؤشّرات أداء واضحة لقياس الأثر الفعلي على خفض الخسائر وتقليل الإنذارات الخاطئة.
كما يتعيّن الاستثمار في بناء القدرات البشرية عبر تدريب فرق الإمتثال والمخاطر على فهم مخرجات النماذج الذكية، وتعزيز التعاون بين الفرق التقنية والتنظيمية.
وأخيراً، يُستحسن أن تتّجه المصارف نحو نماذج شراكة مع مزوّدي الحلول المتخصّصة بدل الإعتماد الحصري على التطوير الداخلي، بما يتيح تسريع الإستفادة من الخبرات العالمية مع الحفاظ على متطلّبات السيادة التنظيمية. ويُسهم هذا التوجّه في دعم إنتقال المصارف من نماذج رقابية تفاعلية إلى منظومات ذكية إستباقية، قادرة على تعزيز متانة النظام المالي والحدّ من مخاطر الإحتيال في ظل التحوُّل الرقمي المتسارع.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
لإعادة بناء منظومات مكافحة الجرائم المالية على أسس أكثر ديناميكية وفعّالية
تُعرف الجرائم المالية والاقتصادية بأنها أفعال غير مشروعة تستهدف تحقيق منفعة مالية عبر الإحتيال، والإختلاس، والرشوة، والتلاعب المحاسبي، والتهرُّب الضريبي غير المشروع، والاتجار غير المشروع، وتمويل الإرهاب، وغسل الأموال وإخفاء العائدات الإجرامية داخل النظام المالي أو خارجه. وتكمن خطورة تلك الجرائم في أنها لا تُحدث خسائر مباشرة فحسب، بل تُضعف كفاءة تخصيص الموارد وتُشوّه المنافسة وترفع علاوات المخاطر والتمويل وتُقوّض نزاهة الأسواق.
لم تعد الجرائم المالية والاقتصادية ظاهرة هامشية تُعالج بأدوات إمتثال تقليدية، بل أصبحت مخاطر نظامية تتفاعل مع التحوُّل الرقمي وتدويل التدفقات المالية وإتساع الإقتصاد غير الرسمي، بما ينعكس مباشرة على سلامة القطاع المصرفي، وكلفة الإمتثال، وإستدامة علاقات البنوك المراسلة، وثقة المودعين والمستثمرين. وتزداد حدّة الإشكالية في الإقتصادات الناشئة بفعل تباين مستويات الحوكمة والشفافية، وإتساع المعاملات النقدية، وتفاوت نضج البنى الرقابية والتقنية، وإرتفاع قابلية إستغلال القنوات الرقمية العابرة للحدود.
حجم الجرائم المالية والاقتصادية حول العالم
تشير التقديرات الدولية إلى أن الجرائم المالية والإقتصادية باتت تمثل عبئاً عالمياً واسع النطاق يتجاوز الخسائر المباشرة إلى آثارٍ ممتدة على الثقة والإستقرار المالي. فبحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) يُقدَّر حجم الأموال التي تُغسل سنوياً بما يعادل 2 % الى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما بين 800 مليار و2 تريليون دولار تقريباً، مع صعوبة القياس بسبب الطابع الخفي لهذه الأنشطة.
ومن زاوية الإحتيال داخل المؤسسات، تُظهر جمعية فاحصي الإحتيال المعتمدين (Association of Certified Fraud Examiners) في تقريرها لعام 2024، والمبني على 1,921 قضية من 138 دولة، أن متوسّط الخسارة في قضايا الإحتيال المهني تبلغ 145 ألف دولار، وأن 22 % من القضايا تتجاوز خسائرها مليون دولار، بما يُبرز أثر الإحتيال كخطر تشغيلي ومالي متكرّر على الشركات والقطاع المالي. وعلى مستوى الإحتيالات التي تستهدف الأفراد عبر القنوات الرقمية، تشير معطيات (Global Anti-Scam Alliance) إلى أن المستهلكين حول العالم يخسرون نحو 442 مليار دولار سنوياً بسبب عمليات الإحتيال والـ Scams، ما يعكس تسارع الجريمة المالية في بيئة رقمية عابرة للحدود.
وعلى الصعيد الإقليمي، يبرز واقع مكافحة الجرائم المالية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كعامل مؤثر مباشر على بيئات العمل المالي والإستثماري، لا سيما من خلال تقييمات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) لمنظومات الدول في ما يتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتشمل القائمة الرمادية الدول التي تواجه نواقص استراتيجية في أطر الامتثال وفق معايير FATF وتخضع لمراقبة دولية مشددة لتحسين أنظمتها. ووفق تحديثات FATF حتى 24 أكتوبر/تشرين الاول 2025، تضم القائمة الرمادية ما يزيد على 20 دولة، من بينها عدد من الدول العربية كالجزائر ولبنان وسوريا واليمن، بسبب قصور في جوانب مثل التحقق من المستفيد الحقيقي ومراقبة المعاملات عالية المخاطر وتطبيق العقوبات الدولية.
وقد مثّل إدراج لبنان في القائمة الرمادية منذ أكتوبر/تشرين الاول 2024 مؤشّراً على وجود ثغرات تنظيمية هيكلية مرتبطة بالأزمة المالية المستمرة، مما يعزّز المخاطر على قطاعه المصرفي وقدرته على استعادة الثقة الدولية. ورغم أن إدراج لبنان في القائمة الرمادية لا يعني رفضها كلياً في النظام المالي الدولي، فإن ذلك يرفع تكلفة المعاملات عبر الحدود ويزيد إجراءات التدقيق والتشدُّد في العلاقات المصرفية من قبل البنوك المراسلة الدولية، ويُنظر إليه كمؤشّر خطر يعكس الحاجة إلى تعزيز أطر الشفافية وحوكمة المخاطر في القطاع المالي.
يُبرز الرسم البياني رقم 1 الحجم الواسع وغير المتكافئ للجرائم المالية والإقتصادية على المستوى العالمي، حيث تشكّل عمليات غسل الأموال المكوّن الأكبر من حيث القيمة التقديرية، بمبلغ سنوي قد يتجاوز تريليوني دولار بحسب بعض التقديرات، ما يعكس الطابع المنهجي والعابر للحدود لهذه الظاهرة. وفي المقابل، تُظهر خسائر الإحتيال المالي، رغم إنخفاضها النسبي مقارنة بعمليات غسل الأموال، أثراً مباشراً ومتكرّراً على الأفراد والمؤسسات، خصوصاً في ظل تصاعد الإحتيال الرقمي.
التداعيات على القطاع المصرفي ومسارات الإحتواء
في السياق المصرفي، تتجسّد أبرز التداعيات في إرتفاع تكاليف الامتثال وعبء الرقابة التشغيلية، حيث تنفق المصارف والمؤسسات المالية معاً ما يقدّر بنحو 206 مليارات دولار سنوياً على الإلتزام بالمعايير الخاصة بمكافحة الجرائم المالية فقط، مع تسجيل 98 % من المؤسسات زيادة في هذه التكاليف مقارنة بالعام السابق وذلك بحسب دراسةThe True Cost of Financial Crime Compliance الصادرة عن LexisNexis Risk Solutions. وتؤدي هذه التكاليف، التي تشمل توظيف فرق إمتثال مختصة، إستثمارات في التكنولوجيا، والأنظمة التحليلية، إلى تحويل موارد من وظائف إنتاجية أساسية إلى إدارة المخاطر والإمتثال، ما يؤثر بدوره في هوامش الربحية.
وإن أحد أبرز مظاهر التأثير على القطاع المصرفي العالمي هو تراجع بعض علاقات المصارف المراسلة التي تُعد شرياناً أساسياً لمعاملات التجارة والتمويل الدوليين نتيجة التخفيف من المخاطر الذي تتبنّاه بعض المصارف الكبرى لتقليل تعرُّضها لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصاً في البلدان ذات المخاطر العالية. يُمكن أن يؤدي هذا التراجع إلى إبطاء حركة المدفوعات عبر الحدود وارتفاع تكاليف التجارة الدولية وتقليص النفاذ إلى النظام المالي العالمي بالنسبة إلى بعض المصارف في الإقتصادات الناشئة، بما في ذلك المصارف العربية.
وعلى مستوى الأداء التشغيلي، تعرّضت مصارف عالمية لغرامات مالية كبيرة نتيجة ضعف نظم مكافحة الجرائم المالية، مما يسلّط الضوء على تكلفة الإهمال في هذا المجال. وفي ضوء ذلك، يُصبح واضحاً أن المصارف تُواجه بيئة معقّدة تتطلّب تعزيز الأطر التنظيمية والتكامل بين السياسات الرقابية والتشغيلية والإستخدام المتقدم للتقنيات التحليلية لتحسين فعّالية مكافحة الجرائم المالية وتقليل الأثر السلبي على الإستقرار المالي والنمو الإقتصادي.
دور الذكاء الإصطناعي والتحليلات المتقدّمة في تعزيز فعّالية مكافحة الجرائم المالية
أسفرت التحوُّلات الرقمية المتسارعة إلى إعادة تشكيل بيئة المخاطر المالية، بما جعل الإعتماد على المقاربات التقليدية لمكافحة الجرائم المالية غير كافٍ لمواجهة أنماط متزايدة التعقيد تتسم بالقدرة العالية على التكيّف. وفي هذا السياق، برز الذكاء الإصطناعي والتحليلات المتقدّمة كأدوات محورية لإعادة بناء منظومات مكافحة الجرائم المالية على أسس أكثر ديناميكية وفعّالية، عبر الإنتقال من الإمتثال القائم على رد الفعل إلى إدارة إستباقية للمخاطر.
وتتيح تقنيات التعلم الآلي والتعلُّم العميق تحليل أحجام ضخمة من البيانات التشغيلية والسلوكية في الزمن شبه الحقيقي، بما يشمل بيانات المدفوعات والحسابات والتجارة الخارجية والسلوك الرقمي للعملاء. ويُسهم هذا النهج في تحسين دقّة نماذج رصد المعاملات المشبوهة من خلال التعرُّف على الأنماط غير الإعتيادية والإنحرافات السلوكية، بدل الإكتفاء بتطبيق قواعد جامدة تؤدي غالباً إلى نسب مرتفعة من الإنذارات الكاذبة. ونتيجة ذلك، تتحسّن إنتاجية فرق الإمتثال وتنخفض الكلفة التشغيلية المرتبطة بالتحقيق اليدوي، مع تعزيز القدرة على الكشف المبكّر عن المخاطر الحقيقية. إلى جانب ذلك، تمكّن «تحليلات الشبكات» المصارف من فهم العلاقات المعقّدة بين الأطراف والمعاملات، وكشف البُنى الخفية لشبكات غسل الأموال والاحتيال، ولا سيما في الحالات المرتبطة بالشركات الوهمية، والمستفيد الحقيقي، وغسل الأموال القائم على التجارة. ويكتسب هذا البُعد أهمية خاصة للمصارف العربية في ظل الطبيعة العابرة للحدود للتدفقات المالية، وتعدّد الوسطاء، وتفاوت مستويات الشفافية بين الأسواق.
وعلى المستوى العملي، يفتح الذكاء الإصطناعي المجال أمام إعادة تصميم دورة الإمتثال بالكامل، من خلال دمج وظائف «إعرف عميلك» والعناية الواجبة المعزّزة ومراقبة المعاملات وإعداد التقارير الرقابية ضمن منصة تحليلية موحّدة. ويسمح هذا التكامل ببناء ملف مخاطر ديناميكي لكل عميل، يتطور بإستمرار وفق سلوكه المالي الفعلي، بدل الإعتماد على تصنيفات ثابتة تُحدّث على فترات متباعدة. غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلّب معالجة جملة من التحدّيات التنظيمية والمؤسسية. فإعتماد الذكاء الإصطناعي في مكافحة الجرائم المالية يستلزم حوكمة واضحة للنماذج تضمن قابلية التفسير وتوثيق منطق إتخاذ القرار والإمتثال لمتطلّبات الجهات الرقابية، ولا سيما في ما يتعلق بالشفافية وعدم التحيُّز وحماية البيانات. كما يتطلّب الأمر إستثمارات موازية في جودة البيانات وبناء القدرات البشرية وتعزيز التعاون بين إدارات الإمتثال، والمخاطر، وتكنولوجيا المعلومات.
في هذا الإطار، تتمثّل المسارات العملية المقترحة للمصارف العربية في تبنّي مقاربة تدريجية تقوم على التالي: أولاً، دمج التحليلات المتقدّمة كطبقة داعمة للأنظمة القائمة بدل إستبدالها دفعة واحدة. ثانياً، تركيز إستخدام الذكاء الإصطناعي على المجالات الأعلى مخاطر مثل المدفوعات العابرة للحدود والإحتيال الرقمي، ثالثاً، تطوير أطر حوكمة داخلية للنماذج التحليلية بالتنسيق مع السلطات الرقابية، رابعاً، الإستثمار في بناء مهارات تحليل البيانات والإمتثال الذكي. ومن شأن هذا المسار المتوازن أن يُعزّز فعّالية مكافحة الجرائم المالية، وأن يُخفّض كلفة الإمتثال على المدى المتوسط، وأن يدعم في الوقت نفسه متانة القطاع المصرفي العربي وثقته في النظام المالي العالمي.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
إتحاد المصارف العربية يوصي البنوك بإجراء عمليات تدقيق شفّافة وتقييمات
جدوى لتحديد حجم خسائرها وتحديد المؤسسات التي يُمكن إعادة هيكلتها
قانون الفجوة المالية هو مشروع قانون إصلاحي قدّمه رئيس الوزراء اللبناني القاضي نواف سلام في العام 2025 لمعالجة الخسائر المالية الهائلة التي تكبّدها لبنان، والتي تُقدر بنحو 70 مليار دولار، وذلك بتوزيعها بين الدولة والبنك المركزي والبنوك التجارية والمودعين.
ويُعتبر هذا القانون أساسياً للحصول على دعم صندوق النقد الدولي والمساعدات الدولية، حيث يضع إطاراً للتعافي، بما في ذلك تعهد بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات. وقد أثار القانون جدلاً واسعاً، حيث حذّرت البنوك من أن الخطة قد تُزعزع إستقرار النظام المالي، بينما يخشى المودعون من تكبّدهم خسائر فادحة، مما يجعل إقرار القانون في البرلمان إختباراً حاسماً لمستقبل لبنان الإقتصادي.
ونعرض هنا أبرز بنود قانون الفجوة المالية والإطار الزمني والمراحل الرئيسية، والتحدّيات والفرص، والتأثير على المستويين المحلي والعالمي، وآلية الإنفاذ، والجهات المعنية، والتقنيات اللازمة، ودور المصارف، مختتمين بالتوصيات لتمكين المصارف من الإمتثال للقانون، والتوقعات المستقبلية، وأفضل الممارسات التي يمكن الاستفادة منها.
الجدول الزمني والمعالم الرئيسية
أقرّ مجلس الوزراء قانون الفجوة المالية في لبنان في ديسمبر/كانون الأول 2025، وأحاله إلى البرلمان للمناقشة، وتعهدت الحكومة بأنه بمجرّد إقرار القانون، سيُمكّن من إسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات (2026-2030). ويتضمّن الجدول الزمني إقرار مجلس الوزراء، ومناقشة القانون في البرلمان، وإدخال تعديلات عليه في مطلع العام 2026، وإجراء مفاوضات مع صندوق النقد الدولي مرتبطة بإقرار القانون، بالإضافة إلى مراحل مرحلية لاسترداد الودائع حتى العام 2030.
يبدأ الجدول الزمني الرسمي لقانون الفجوة المالية بموافقة مجلس الوزراء في أواخر العام 2025، وينتقل إلى المناقشة البرلمانية في العام 2026، ويُحدّد أربع سنوات لإسترداد أموال المودعين حتى العام 2030. ويتوقف نجاحه على التوافق السياسي، ودعم صندوق النقد الدولي، وقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات.
الجدول الزمني والمعالم الرئيسية
الأزمة المالية في لبنان
إتسمت الأزمة المالية في لبنان بانهيار القطاع المصرفي، وإنخفاض قيمة العملة بأكثر من 98 %، وتضخم تجاوز 220 % في العام 2023. وقد كانت الأزمة نتيجة سنوات من الهندسة المالية غير المستدامة التي مارسها البنك المركزي، وتفاقمت بسبب الفساد السياسي، وجائحة كوفيد-19، وإنفجار مرفأ بيروت في العام 2020، والصدمات العالمية كالحرب في أوكرانيا. ونتيجة ذلك، مُنع المودعون من الوصول إلى مدّخراتهم، وإنهارت الخدمات العامة لدرجة أن الأسر لا تحصل في كثير من الأحيان إلاّ على ساعة واحدة من الكهرباء يومياً دون مولدات كهربائية، وإرتفعت مستويات الفقر بشكل حاد، مما جعل شريحة كبيرة من السكان تعتمد على التحويلات المالية والمساعدات الإنسانية.
منظومة القانون
تضم منظومة قانون الفجوة المالية في لبنان الحكومة والبرلمان والبنك المركزي والبنوك التجارية والمودعين والمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، وكلهم يلعبون أدواراً مترابطة في صوغ القانون وتنفيذه.
منظومة قانون الفجوة المالية في لبنان
التحدّيات
يُواجه قانون سدّ الفجوة المالية في لبنان تحدّيات جمة، تبدأ بالإنقسامات السياسية العميقة في البرلمان مما يُهدّد بتأخير أو إضعاف إقرار القانون، في حين تُقاوم البنوك التجارية بشدّة تقديرات الحكومة للخسائر البالغة 70 مليار دولار، بحجّة أن الأرقام مُبالغ فيها، مُحذرةً من إنهيار النظام المالي إذا ما أُجبرت على استيعاب هذا القدر الكبير من الخسائر. ولا يثق المودعون، الذين مُنعوا بالفعل من الوصول إلى مدخراتهم منذ العام 2019، بتعهد الحكومة بإسترداد 85 % من الودائع خلال أربع سنوات. ويعتبر صندوق النقد الدولي إنفاذ القانون شرطاً أساسياً لحصول لبنان على المساعدات، مما يعني أن لبنان قد يتعرّض لمخاطر فقدان الدعم الدولي إذا تعثّر تنفيذ القانون. كما وأن ضعف المؤسسات المالية، وإنعدام الشفافية، وغياب تقييمات جدوى كل بنك، قد تُعرقل تنفيذ القانون.
التحديات الرئيسية
الفرص
يحمل قانون سدّ الفجوة المالية في طياته فرصاً هامة، إذ يُعدّ أول إعتراف رسمي بالخسائر المالية الفادحة التي تكبّدها لبنان، ويُقدّم إطاراً للتعافي بغية إستعادة مصداقية النظام المصرفي. وبتعهده بإسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، ويُعيد القانون الأمل للمودعين، كما يُمهّد الطريق لإعادة هيكلة البنوك وتعزيز الحوكمة المالية. والأهم من ذلك، أن إقرار القانون شرط أساسي للحصول على دعم صندوق النقد الدولي وتسهيل الحصول على المساعدات الدولية، يُساهم في إستقرار الإقتصاد، وجذب الإستثمارات، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات المالية اللبنانية، ما يجعل القانون نقطة تحوّل في الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات طويلة.
إنفاذ القانون
يتطلب تطبيق قانون الفجوة المالية في لبنان جهوداً منسّقة بين الجهات السياسية والمالية والمؤسسية، بدءاً بموافقة البرلمان، ثم وضع آليات لتوزيع الخسائر بين الدولة والبنك المركزي والبنوك التجارية والمودعين. ويعتمد التنفيذ على تقييمات شفافة لجدوى كل بنك على حدة، وخطط موثوقة لإسترداد أموال المودعين، ورقابة صارمة لضمان الوفاء بتعهد الحكومة بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات.
ويُعتبر تنفيذ قانون الفجوة المالية شرطاً لإجراء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي مما يجعل الإمتثال للقانون شرطاً أساسياً للحصول على المساعدات الدولية. إن التنفيذ الفعّال للقانون يساعد في استعادة الثقة في النظام المالي اللبناني ووضع أسس الإستقرار الإقتصادي.
التقنيات المطلوبة
يتطلّب تطبيق قانون سد الفجوة المالية في لبنان مزيجاً من التقنيات المالية والرقمية والتنظيمية لضمان الشفافية والكفاءة والمصداقية. وهناك حاجة إلى منصّات مصرفية رقمية وأنظمة دفع آمنة لإدارة إسترداد أموال المودعين على مراحل وتتبع المعاملات بدقة. ويمكن لسجلاّت البيانات القائمة على تقنية سلسلة الكتل (البلوكشين) أن تُوفر سجلاّت موثقة لتوزيع الخسائر وسداد الودائع، مما يساعد على إعادة بناء الثقة في النظام المالي. وستكون تحليلات البيانات وأدوات الذكاء الإصطناعي أساسية لإجراء تقييمات جدوى لكل بنك على حدة، وإختبار قدرة المؤسسات على تحمُّل الضغوط، ومراقبة الإمتثال لمتطلبات القانون. أما على الصعيد التنظيمي، فستتيح أنظمة الإدارة المالية المركزية المتكاملة مع مصرف لبنان الإشراف الفوري على السيولة، بينما ستحمي أطر الأمن السيبراني بيانات المودعين الحساسة. ويُمكن للوحات معلومات التقارير الرقمية المتاحة للبرلمان وصندوق النقد الدولي والمجتمع المدني أن تعزّز الشفافية، مما يضمن القدرة على مراقبة التقدم المحرز نحو تحقيق تعهد الحكومة بإسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع في غضون أربع سنوات.
الآثار على النمو الاقتصادي في لبنان
إن لقانون الفجوة المالية أثراً بالغاً على النمو الإقتصادي في لبنان إذا تم تطبيقه بفعّالية، إذ يُوفِّر القانون إطاراً للإعتراف بالخسائر المالية الهائلة التي تكبَّدتها البلاد وتوزيعها، وإستعادة الثقة في النظام المصرفي، وتفعيل الدعم الحاسم من صندوق النقد الدولي والمساعدات الدولية. وبالتعهّد بإسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، يساعد القانون في زيادة ثقة المستهلك، وتحفيز الإنفاق، وتشجيع الإستثمار، وهي عوامل أساسية للنمو. كما وأن إعادة هيكلة البنوك وتعزيز الحوكمة المالية من الأمور التي تساعد في استقرار النظام النقدي، والحد من الضغوط التضخمية، وتحقيق إنتعاش مستدام. إلاّ أن نجاح القانون يعتمد على تنفيذه بشفافية وتوافق سياسي. ومع ذلك، قد تبقى وعود القانون رمزية، مما يجعل الإقتصاد اللبناني عُرضةً للركود والمزيد من التدهور.
الآثار على الصعيد العالمي
إن قانون الفجوة المالية في لبنان هو نموذج لكيفية إدارة الاقتصادات المثقلة بالديون والأزمات للخسائر المالية النظامية، حيث تراقب مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي تنفيذه عن كثب كشرط للحصول على المساعدات. ومن خلال الإعتراف الرسمي بـ 70 مليار دولار من الخسائر ومحاولة توزيعها، يُشير القانون إلى الأسواق العالمية والمستثمرين بأن لبنان مستعد لمواجهة انهياره المالي، مما يُعزّز الثقة في الإقتصادات الناشئة التي تواجه أزمات ديون مماثلة.
إن التنفيذ الناجح للقانون يُعزّز مصداقية لبنان، ويجذب الإستثمارات الأجنبية، ويُرسّخ دور صندوق النقد الدولي كقوة إستقرار في التمويل العالمي، بينما قد يُؤدي الفشل إلى تقويض الثقة في أطر الإنقاذ الدولية، ويُبرز مخاطر التشرذم السياسي في إدارة التعافي الإقتصادي.
دور البنوك
إن البنوك لها دور محوري في قانون الفجوة المالية، إذ يُتوقع منها إستيعاب جزء كبير من الخسائر المالية التي تُقدر بنحو 70 مليار دولار. وتلتزم البنوك التجارية، التي كانت قد منعت المودعين من الوصول إلى مدخراتهم منذ إنهيار العام 2019، بإعادة هيكلة ميزانياتها العمومية وتقاسم الخسائر مع الدولة والبنك المركزي. وتتعهّد الحكومة بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، لكن هذا يتطلب من البنوك الحفاظ على ملاءتها المالية واستمرار عملياتها. لقد قاومت البنوك القانون بشدة، معترضةً على تقديرات الحكومة للخسائر ومحذرةً من أن تقاسم الأعباء بشكل مفرط قد يؤدي إلى إنهيار النظام المالي. لذلك، وعليه فإن دور البنوك إداري وسياسي في آن واحد لتطبيق القانون بفعّالية.
التوصيات للبنوك
يُوصي إتحاد المصارف العربية البنوك بتبنّي مجموعة من الإستراتيجيات المنسّقة التي توازن بين المتطلّبات التنظيمية وحماية المودعين وإستمرارية المؤسسات:
أولاً، يجب على البنوك إجراء عمليات تدقيق شفافة وتقييمات جدوى لتحديد حجم خسائرها وتحديد المؤسسات التي يمكن إعادة هيكلتها.
ثانياً، على البنوك تنفيذ خطط إعادة هيكلة رأس المال، بما في ذلك إعادة الرسملة من خلال بيع الأصول أو عمليات الإندماج، لإستيعاب جزء من العجز المالي دون الإنهيار.
ثالثاً، على البنوك وضع آليات لإسترداد الودائع، مثل المدفوعات التدريجية أو مبادلة الديون بالأسهم أو الأدوات المالية المضمونة، بما يتماشى مع تعهد الحكومة بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع في غضون أربع سنوات.
رابعاً، يجب على البنوك تعزيز أنظمة إدارة المخاطر والإمتثال، بإستخدام الأدوات الرقمية ومعايير المحاسبة الدولية لضمان دقة التقارير وبناء الثقة مع الجهات التنظيمية والمودعين وصندوق النقد الدولي.
خامساً، على البنوك إجراء مفاوضات بنّاءة مع الحكومة والشركاء الدوليين لتحقيق التوازن بين بقائها وإنتعاش لبنان الإقتصادي، مما يجعل التعاون بديلاً لمقاومة القانون على المدى الطويل.
النظرة المستقبلية
على المدى القريب، يُتوقع أن يتم إقرار القانون في البرلمان مطلع العام 2026، إلاّ أنه قد تؤدي الإنقسامات السياسية ومقاومة القطاع المصرفي إلى تأخير القانون أو تغيير صيغته النهائية. وفي حال إقراره، يتضمّن الأفق المتوسط إعادة هيكلة البنوك، وإجراء تقييمات الجدوى، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات دولية، وهو أمر بالغ الأهمية لإستقرار الإقتصاد.
وعلى المدى البعيد، حتى العام 2030، يُساعد القانون على إستعادة ثقة المودعين، وإعادة بناء الحوكمة المالية، وتهيئة لبنان لإنتعاش إقتصادي تدريجي. وعليه، يُعتبر القانون إختباراً للإرادة السياسية في لبنان، وفرصة لإعادة ضبط النظام المالي في البلاد، ويعتمد نجاحه على تطبيق شفّاف ودعم دولي مستدام.
أفضل الممارسات المستفادة
إن من أفضل الممارسات المستفادة من قانون الفجوة المالية في لبنان أهمية الإعتراف الرسمي بالخسائر المالية بدلاً من إنكارها، فالشفافية هي الخطوة الأولى نحو التعافي وإعادة بناء الثقة. ومن الدروس الأخرى ضرورة تقاسم الأعباء بشكل شامل، حيث تُوزّع الخسائر بين الدولة والبنك المركزي والبنوك والمودعين، بدلاً من تركيزها على فئة واحدة، مما يُسهم في الحفاظ على إستقرار النظام المالي. كما يُبرز القانون أهمية ربط الإصلاحات بالأطر الدولية، إذ إن ربط الإمتثال بدعم صندوق النقد الدولي يضمن المساءلة ويُتيح الوصول إلى المساعدات الخارجية. إضافةً إلى ذلك، تُظهر تجربة لبنان أن تحديد جداول زمنية واضحة لإسترداد أموال المودعين، كالتعهد بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، يُمكن أن يُعيد الثقة إذا ما دُعم بإنفاذ موثوق. وأخيراً، تُؤكد هذه العملية ضرورة إشراك مختلف الجهات والتواصل معهم، إذ إن إشراك البرلمان والمجتمع المدني والقطاع المصرفي في المناقشات يُساعد على إضفاء الشرعية على الإصلاحات ويزيد من فرص نجاح وتنفيذ القانون.