أين تتبخر مليارات الذكاء الاصطناعي؟.. عوائد بـ2600% تثير تساؤلات صعبة
(العربية)-04/06/2026
يثير قياس التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي حالة من الجدل الواسع، في ظل تضارب واضح بين ما تروج له شركات التكنولوجيا الكبرى وما تعكسه البيانات الرسمية. فبينما تؤكد هذه الشركات أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل بيئات العمل وهياكل الشركات وحتى صناعات كاملة مثل هندسة البرمجيات، تبدو المؤشرات الاقتصادية التقليدية عاجزة عن التقاط هذا التحول.
تعكس هذه الفجوة بين الضجيج والأرقام جوهر نقاش متصاعد تسعى مذكرة بحثية حديثة صادرة عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي إلى تفكيكه، في محاولة لفهم ما إذا كانت المشكلة في الواقع الاقتصادي أم في أدوات القياس، بحسب ما ذكرته مجلة “Fortune”، واطلعت عليه “العربية Business”.
يرى معدا المذكرة، أنطون كورينيك، الزميل في معهد بيترسون ورئيس دراسات الذكاء الاصطناعي التحولي في معهد أنثروبيك، وباتريك ماكلفي، عالم البيانات في بنك كندا، أن الذكاء الاصطناعي ينمو بوتيرة استثنائية، لكن الإحصاءات الرسمية “غير مصممة” لالتقاط هذا النمو.
وأشارا إلى مشكلتين رئيسيتين: تتوزع أنشطة الذكاء الاصطناعي عبر عشرات القطاعات في الحسابات الرسمية، مثل الخدمات السحابية والبرمجيات ومعالجة البيانات، ما يمنع تكوين صورة شاملة للاقتصاد المرتبط به.
كما تفتقر البيانات إلى أدوات فعالة لقياس سرعة تحسن أداء التكنولوجيا نفسها.
وبحسب تقديراتهما، بلغ النشاط الاقتصادي المرتبط بالذكاء الاصطناعي نحو 250 مليار دولار في 2025، وهو حجم يوازي قطاع الطيران الأميركي بالكامل. كما يقدران أن القدرة الإنتاجية لهذه الصناعة تنمو بمعدل 2600% سنوياً، في حين انخفضت تكلفة الحصول على نفس مستوى الأداء بنحو 94% سنوياً، ما يعني أن كل دولار ينفق اليوم على الذكاء الاصطناعي يحقق قيمة أكبر بكثير مقارنة بالعام الماضي.
نماذج بديلة لقياس التأثير
يعتمد الباحثان على منهجية مختلفة عن الإحصاءات الرسمية، إذ يبنيان تقديراتهما باستخدام بيانات مثل، أسعار تأجير وحدات معالجة الرسوميات (GPU)، استهلاك الكهرباء، أسعار خدمات الاستدلال (AI inference)، وتيرة التقدم في خوارزميات التدريب.
ومن خلال هذه المقاربة، يقدران أنه لو تم احتساب تحسن قدرات الذكاء الاصطناعي في الإحصاءات الرسمية، لظهر نمو الاقتصاد الأميركي في 2025 أعلى بنحو 4 نقاط مئوية. ومع ذلك، يشددان على أن هذا الرقم يمثل “الحد الأقصى المحتمل” وليس التوقع الأساسي.
دعوة لإنشاء “قطاع إحصائي” مستقل للذكاء الاصطناعي
اقترح الباحثان حلاً يتمثل في إنشاء مسار إحصائي مستقل للذكاء الاصطناعي، على غرار ما تفعله الحكومات مع قطاعات مثل الطاقة أو التجارة الدولية، بحيث يتم تجميع أنشطته عبر مختلف الصناعات مع الأخذ في الاعتبار سرعة تطوره.
ويحذران من أن التأخر في تطوير هذه الأدوات قد يؤدي إلى فجوة أخطر ليست فقط في البيانات، بل في السياسات، حيث قد تضطر الحكومات لاتخاذ قرارات بشأن الضرائب وسوق العمل والإنفاق العام دون فهم دقيق لما يفعله اقتصاد الذكاء الاصطناعي. وكما يلخصان الفكرة: “ما لا يمكن قياسه لا يمكن توجيهه.”
تشكيك أكاديمي في حجم التأثير
في المقابل، لا يحظى هذا الطرح بإجماع. إذ ترى ديان كويل، أستاذة السياسات العامة في جامعة كامبريدج، أن فجوة القياس حقيقية، لكنها تشكك في حجم التأثير الذي يقدره الباحثان.
توضح كويل أن الذكاء الاصطناعي يستخدم في الأساس كمدخل وسيط لإنتاج سلع وخدمات أخرى، وليس منتجاً نهائياً بحد ذاته. وبما أن الناتج المحلي الإجمالي يقيس السلع والخدمات النهائية، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يظهر إلا إذا انعكس فعلياً على تحسين المنتج النهائي.
وتشير إلى أن الأدلة لا تزال محدودة على أن الذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية على مستوى الشركات بشكل منهجي، لافتة إلى أن تسارع أداء بعض الموظفين لا يترجم بالضرورة إلى تحسن شامل في أداء المؤسسات. فإذا تبنى قسم معين التكنولوجيا بينما لم يواكب قسم آخر، قد تختنق المكاسب عند “عنق الزجاجة” وتضيع.
معركة حول التعريف قبل القياس
في جوهره، يتجاوز النقاش مجرد الأرقام ليطرح سؤالاً أعمق: إلى أي مدى يغير الذكاء الاصطناعي فعلاً طريقة العمل؟ وهل أدوات القياس الحالية قادرة على الإجابة عن هذا السؤال؟
وتلخص كويل التحدي بقولها إن المشكلة ليست فقط في ضعف القياس، بل في غياب اتفاق أساسي حول ما يجب قياسه من الأساس، وهي نقطة تضيف مزيداً من التعقيد إلى فهم واحدة من أسرع التقنيات نمواً في العصر الحديث.
