إدارة المال وتوظيفه… من الأمانة إلى التنمية المستدامة

الدكتور صادق راشد الشمري
إستشاري وخبير مالي دولي
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (سورة النساء: 58)
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (سورة النساء: 5)
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ سورة هود: 61)
إستوقفني موضوع إدارة الأموال وإكتنازها في المساكن، أي تجميدها خارج الدورة الإقتصادية وعدم ضخّها في الجهاز المصرفي، وما يترتب على ذلك من آثار إقتصادية وإجتماعية وتنموية.
ولم يكن إهتمامي في هذا الموضوع مقتصراً على الجانب المصرفي، بل لأنه يمسُّ جوهر بناء الدولة الحديثة، ويعكس مدى قدرتها على إدارة مواردها بعقول راشدة ونزيهة تمتلك رؤية إستراتيجية تستشرف المستقبل. فالإدارة الرشيدة للمال لا تقتصر على حفظه، وإنما تتمثّل في حسن توظيفه وتحويله إلى قوة منتجة تُسهم في إعمار الأرض، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز رفاه المجتمع.
إن المال في المنظور الإسلامي والاقتصادي ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو أمانة وإستخلاف ومسؤولية، فإذا أُدير بعقول نزيهة وكفوءة، تحوّل إلى مشاريع إنتاجية، وفرص عمل، وإستثمارات، ونهضة إقتصادية. أما إذا بقي مكتنزاً داخل المنازل أو أُهدر بسبب الفساد وسوء الإدارة، فإنه يتحوّل إلى ما يسمّيه الإقتصاديون «الأموال الميتة»، وهي أموال معطّلة لا تضيف قيمة للإقتصاد، ولا تُسهم في بناء المجتمع.
الإدارة الرشيدة للمال تمثل أحد أهم مرتكزات التنمية المستدامة
يقوم الإقتصاد السليم على حركة المال، لا على بقائه ساكناً، فالمال الذي يدور داخل الجهاز المصرفي يتحوّل إلى قروض وإستثمارات وتمويل للمشروعات الإنتاجية، فيولد دخلاً وفرص عمل ويزيد الناتج المحلي. أما المال الذي يُكتنز خارج المنظومة المصرفية فإنه يفقد وظيفته الإقتصادية، ويصبح ثروة جامدة لا تحقق التنمية.
ومن هنا فإن الإدارة الرشيدة للمال، القائمة على الأمانة والشفافية والحوكمة، تمثل أحد أهم مرتكزات التنمية المستدامة، لأنها تربط بين سلامة الإدارة وحسن إستثمار الموارد، وتُسهم في مكافحة الفساد، والحدّ من الفقر والبطالة، وتحقيق الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي.
لماذا يُعد إكتناز الأموال مشكلة إقتصادية؟
إن إحتفاظ الأفراد بالأموال داخل المنازل بدلاً من إيداعها في المصارف، لا يضر بصاحب المال وحده، بل ينعكس أثره على الإقتصاد بأكمله، ومن أبرز نتائجه:
* إنخفاض حجم الودائع في المصارف، مما يقلّل قدرتها على تمويل المشاريع الإستثمارية.
* ضعف النشاط الإقتصادي بسبب إنخفاض حجم التمويل والإنتاج.
* إرتفاع معدّلات البطالة نتيجة تراجع إنشاء المشاريع الجديدة.
* إنخفاض فرص الإستثمار في القطاعات الزراعية والصناعية والإسكانية والخدمية.
* تباطؤ دورة المال داخل الإقتصاد، فتتراجع معدّلات النمو الإقتصادي.
* زيادة الإعتماد على النقد المتداول خارج النظام المصرفي، مما يُضعف فاعلية السياسة النقدية.
* ضياع فرص تحقيق عوائد مالية لأصحاب المدّخرات من خلال الإستثمار المشروع.
* إرتفاع مخاطر السرقة أو التلف أو فقدان الأموال المكتنزة.
ولهذا يصف الإقتصاديون الأموال المكتنزة بأنها «أموال ميتة»؛ لأنها لا تؤدي وظيفتها الطبيعية في تحريك عجلة الإقتصاد.
الجهاز المصرفي… شريان الإقتصاد
كما أن الدم إذا توقف عن الجريان تعطلت وظائف الجسم، فإن المال إذا توقف عن الدوران أصيب الإقتصاد بالركود.
فالمصارف ليست مجرّد أماكن لحفظ الأموال، بل هي مؤسسات مالية تعمل على تحويل المدّخرات إلى قروض وإستثمارات وتمويل للمشروعات، فتُسهم في خلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتحسين مستوى الدخل وتحقيق التنمية الإقتصادية.
ولهذا فإن تعزيز ثقة المواطنين بالمصارف، وتطوير الخدمات المصرفية، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة، تمثل خطوات أساسية لإعادة الأموال إلى الدورة الإقتصادية.
الإدارة الرشيدة… طريق التنمية
إن التنمية المستدامة لا تتحقق بكثرة الموارد، وإنما بحسن إدارتها، لذلك فإن الدول التي نجحت إقتصادياً لم تعتمد على وفرة الأموال فقط، بل على وجود مؤسسات كفوءة، وقيادات نزيهة، وعقول إستراتيجية أحسنت توظيف المال في خدمة الإنسان.
فكل دينار يُدار بعلم وأمانة يُمكن أن يتحوّل إلى مصنع، أو مزرعة، أو مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، أو مشروع صغير يُوفّر فرص العمل ويحسّن مستوى المعيشة.
أما المال الذي يُجمّد أو يُهدر، فإنه يحرم المجتمع من هذه الفرص ويؤخّر عجلة التنمية.
في المحصّلة، إن المال نعمة من الله تعالى، لكنه في الوقت نفسه أمانة ومسؤولية. ولا تتحقق رسالته إلاّ إذا أُحسن توظيفه في خدمة الإنسان والمجتمع. من هنا فإن بناء عقول نزيهة وراشدة، تمتلك رؤية إستراتيجية لإدارة المال العام والخاص، يُعد الركيزة الأساسية لبناء إقتصاد قوي وتنمية مستدامة.
فالمال الذي يبقى حبيس الخزائن والمنازل هو مال معطّل، أما المال الذي يدخل الجهاز المصرفي ويتحوّل إلى إستثمارات ومشروعات إنتاجية، فهو المال الذي يعمّر الأرض، ويخلق فرص العمل، ويحدُّ من الفقر، ويحقّق الرفاه الإقتصادي للأجيال الحاضرة والآتية.
