التحوّلات الجيوسياسية العالمية وفرص الإستثمار
في القطاع المصرفي العربي
د. وسام فتوح
الأمين العام لإتحاد المصارف العربية
فرضت الأحداث الدولية الأخيرة تحوّلات جيوسياسية عالمية، إنعكست على الإقتصادات العربية والأوروبية، كما على أمن الطاقة العالمي، وتركت تداعيات على إستقرار الأسواق المالية. وفي هذا السياق نجدّد الدعوة إلى حماية الإقتصادات العربية من خلال تمويل القطاع المصرفي العربي لهذه الإقتصادات، وخصوصاً أن حجم هذا القطاع يزيد عن 3 تريليونات دولار، مما يزيد الحاجة إلى تمويل المشاريع الإنتاجية.
ونرى أهمية توجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة بما يحقق أهداف التنمية المستدامة، حيث كان قد سعى إتحاد المصارف العربية مؤخراً بالتعاون مع لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) بإجراء مسح لإستكشاف أيّ من القطاعات التي تتلقى تلك الكتلة النقدية الكبيرة من التمويلات، سواء البترول أو السياحة أو الصناعة أو الإقتصاد الأخضر وتمويل السلع الإستهلاكية، بحيث يُمكننا بعد هذا التحليل إعداد خطة عمل جيدة للإقتصاد العربي.
والحق أنه لا يزال توفير التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في حلول العام 2030 تحدّياً رئيسياً للمنطقة العربية، لذا فإن الإتحاد يلتزم السعي إلى تشجيع المصارف العربية على حشد تريليون دولار أميركي دعماً لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة في حلول العام 2030، وذلك بالشراكة مع الإسكوا.
وتسعى هذه المبادرة التمويلية الطموحة إلى الإسراع في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة في كافة الدول العربية ودعم تحقيق التحوُّلات الرئيسية اللازمة في ستة مجالات هي الحماية الإجتماعية، والطاقة، والتعليم، والنظم الغذائية، والتحوُّل الرقمي، والتنوُّع البيئي والطبيعة.
إننا ننطلق بهذه المبادرة لكي نساهم على قدر ما أمكن بالإجراءات التحويلية اللازمة حتى العام 2030. علماً أن تضمين أهداف التنمية المستدامة في التحوُّل الاقتصادي جوهري، ويتطلّب مساهمات جميع المعنيين في كافة القطاعات. ويعكس هذا الإلتزام إصرارنا على دعم التنمية المستدامة في المنطقة العربية وفي جعلها واقعاً لمجتمعاتنا وأوطاننا.
ويُتوقع أن تستفيد جهات مختلفة من هذه المبادرة، منها الحكومات والمؤسسات (بما فيها المؤسسات المتناهية الصِغر والصغيرة والمتوسطة) والأسر في المنطقة العربية.
وتوفر قمّة الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة فرصة لتأمين الحلول المبتكرة والزخم اللازم لتغيير المسار وتحقيق الأهداف العالمية في حلول العام 2030.
إننا نسعى في إتحاد المصارف العربية من خلال المؤتمرات والقمم المصرفية العربية والدولية، إلى تعزيز التعاون العربي المشترك، كذلك التعاون مع أوروبا وبلدان أخرى، كما تعزيز التكامل الإقتصادي في الدول العربية والإستثمار في القطاعات الإقتصادية المختلفة وخصوصاً في القطاع المصرفي وقطاعي الزراعة والسياحة.
في المحصّلة، إن المصارف هي المحرّك الأساسي للإقتصادات العربية، إذ تساهم هذه المصارف بقوة في دفع عجلة النمو من خلال تقديم تمويلات ضخمة للقطاعين العام والخاص، وتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية. وقد تجاوزت تمويلات القطاع المصرفي العربي حاجز ثلاثة تريليونات دولار، وهو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة العربية. كما تعمل المصارف كحجر زاوية لحماية الإقتصادات وتوجيه رؤوس الأموال نحو المشاريع المنتجة، مما يخلق فرص عمل جديدة ويحسن القدرة الشرائية، في ظل قيام المصارف بإدارة أصول تتجاوز 4.4 تريليونات دولار، كما تمتلك قاعدة ودائع ضخمة تصل إلى2.8 تريليون دولار، مما يمنحها القدرة على مواصلة تمويل الاقتصادات.
