لأول مرة منذ 80 عاما.. البنوك المركزية تنقلب على الدولار
(الإقتصادية)-03/07/2026
فكر في الحساب المالي الوحيد الذي لن تجازف به أبداً، ليس رصيد حسابك الجاري، بل المال الذي إذا اختفى دمر حياتك. ستحفظه في مكان آمن وممل، حيث لا يمكن أن يتناقص دون أن تعلم.
تسير الدول على الغريزة ذاتها، الفرق أن خزائنها تحوي تريليونات. وعلى مدى 80 عاماً، كانت الإجابة التلقائية عن مكان حفظ هذه الأموال هي شراء الدولار الأمريكي وسندات خزينة واشنطن، ثقة في أن أكبر اقتصاد على الأرض سيفي دائماً بإلتزاماته. هذه الثقة هي سبب قدرة واشنطن على الاقتراض الزهيد، وسبب القيمة التي يحملها الدولار في أي مطار في العالم.
لكن، بحسب موقع “ذا ستريت”، هذا الأسبوع، قال مديرو تلك الاحتياطيات شيئاً لم يسبق لهم قوله، فلأول مرة، تخطط أغلبية البنوك المركزية لخفض حيازاتها من الدولار خلال العقد المقبل بدلاً من زيادتها، وفقاً لمسح سنوي أجراه “منتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية”.
شمل المسح 90 بنكاً مركزياً وصندوقاً سيادياً تدير مجتمعة نحو 10 تريليونات دولار. وفي 12 نسخة سابقة للمسح، كان الدولار يتصدر دائماً، لكن الكفة انقلبت هذا العام. ولم يكن السبب قوة عملة منافسة، بل المخاطر السياسية داخل الولايات المتحدة والتوترات الجيوسياسية. ويتوقع 4 من كل 5 مشاركين استمرار تجزؤ النظام المالي العالمي ليصبح متعدد الأقطاب دون هيمنة عملة واحدة.
وعند مقارنة النتائج بالبيانات الفعلية، يبدو التحول أشبه بالتراجع البطيء المدروس لا الهروب الجماعي. إذ يشكل الدولار 56.77% من الاحتياطيات العالمية، هبوطاً من ذروة تجاوزت 70% أواخر التسعينيات وفقاً لصندوق النقد الدولي. الغريب أن الدولار ليس ضعيفاً حالياً، بل مكاسبه بلغت 3% عام 2026، ما يعني أن ما يحدث خطة عقلانية مرسومة للسنوات العشر المقبلة.
يعود الدافع لقرار واحد. فبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، جمدت الحكومات الغربية نحو 300 مليار دولار من الاحتياطيات الروسية. واستوعب كل بنك مركزي الدرس في ذات اللحظة: الأموال المحفوظة بالدولار يمكن إلغاء تفعيلها بضغطة زر من الدولة التي تطبعه.
في المقابل، لا يمكن إطفاء الذهب، ولذا أصبح المخرج المفضل. ويمثل المعدن الأصفر الآن 27% من الاحتياطيات الرسمية مقابل 22% للسندات الأمريكية، متفوقاً عليها لأول مرة منذ عام 1996 بحسب البنك المركزي الأوروبي.
ويتوقع مجلس الذهب العالمي انكماش حصة الدولار خلال 5 سنوات بنسبة 74%، بينما يخطط 30% من مديري الاحتياطيات لإضافة الذهب قريباً. وفي حين يبحث المديرون عن اليورو واليوان الصيني، تمنع المشكلات الهيكلية فيهما من استبدال الدولار كلياً، لتتوزع الأموال على زوايا أصغر كالجنيه الإسترليني، الكرونة النرويجية، والدولار النيوزيلندي.
هنا تلمس حسابات مديري الاحتياطيات واقعك المعيشي، فواشنطن تمول عجزها ببيع السندات، وكانت البنوك المركزية المشتري الأجدر لها. وعندما يبرد هذا الشغف، ستضطر الحكومة لجذب مشترين آخرين برفع أسعار الفائدة. وعوائد السندات المرتفعة لا تتوقف في واشنطن، بل تسعر بناء عليها قروض العقارات والسيارات وبطاقات الائتمان، ما يرفع تكلفة قرضك القادم. كما أن الدولار الأضعف يشتري سلعا مستوردة أقل، يغذي بذلك التضخم.
إن الرقم المستهدف ليس حصة الدولار الاسمية، بل الوجهة التي يختارها المديرون، فهم لا يشترون الذهب فحسب، بل ينقلونه إلى خزائن داخل حدودهم، بعيداً عن أيدي الحكومات الأجنبية.
لم يخلع الدولار عن عرشه بعد، فهو يرسخ 42% من الاحتياطيات العالمية الشاملة ويظل العملة الأساسية بلا منافس قريب. لكن مديري الاحتياطيات يتحركون وفق حسابات سنوات لا عناوين صحف، وقد توقفوا عن المراهنة على عودة النظام القديم.
المؤسسات التي تملك المبرر الأقوى للدفاع عن الدولار هي ذاتها التي تشتري البديل وتغلقه في خزائنها، لقد قرأوا التحذير مبكراً، ويبقى السؤال: هل سنحرك أموالنا قبل أن يتحول التراجع البطيء إلى هروب سريع؟
