التوازن المالي وتحوّل سياسات المصارف ومستقبل النظام النقدي والمالي العالمي
المرحلة المقبلة تتطلب من المصارف العربية تعزيز قدرتها
على التكيُّف مع التحوُّلات الدولية عبر تطوير البنية الرقمية
يشهد النظام المالي العالمي مرحلة إعادة تموضع عميقة، لم تعد فيها السياسات النقدية والمصرفية تٌدار وفق منطق النمو السهل والسيولة الوفيرة الذي ساد بعد الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، بل وفق منطق جديد يقوم على ضبط التضخُّم وحماية الإستقرار المالي وإدارة الدين وتحصين الميزانيات العمومية للمصارف وللدول.
وقد أدّت موجات التضخُّم وإرتفاع أسعار الفائدة وتزايد المخاطر الجيوسياسية وتوسّع الدين العام والخاص، إلى تحويل مفهوم التوازن المالي من مجرّد توازن بين الإيرادات والنفقات أو بين الودائع والقروض، إلى مفهوم أوسع يرتبط بقدرة الإقتصاد والنظام المصرفي على إمتصاص الصدمات من دون الوقوع في أزمة سيولة أو أزمة ثقة أو أزمة مديونية.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن النمو العالمي مرشّح للتباطؤ إلى نحو 2.5% في العام 2026 في ظل ضغوط أسعار الطاقة وتجدد المخاطر التضخمية وتزايد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، ما يفرض على السياسات الإقتصادية تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو وكبح التضخم والحفاظ على الإستدامة المالية. وفي هذا السياق، يحذّر صندوق النقد الدولي من أن مخاطر الإستقرار المالي العالمي أصبحت مرتفعة، نتيجة تفاعل إرتفاع عوائد السندات وتشدُّد الأوضاع المالية ومخاطر الديون السيادية واحتمال انتقال الضغوط من الأسواق إلى القطاع المصرفي والإقتصاد الحقيقي.
مفهوم التوازن المالي في المرحلة الراهنة
لم يعد التوازن المالي يعني فقط قدرة الدولة على تمويل عجزها، أو قدرة المصرف على المحافظة على نسبة سيولة مريحة، فالتوازن المالي الحديث يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: توازن المالية العامة، وتوازن السياسة النقدية، وتوازن القطاع المصرفي. فعندما ترتفع كلفة الدين العام، تتأثر موازنات الحكومات، وترتفع عوائد السندات، وتنخفض القيمة السوقية للأصول المالية التي تحتفظ بها المصارف، ما قد يخلق حلقة ضغط بين الدولة والمصارف تعرف بعلاقة الترابط بين المخاطر السيادية والمخاطر المصرفية.
وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدين العام العالمي مرشّح لتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي في حلول العام 2029، وهو مستوى يُعد الأعلى منذ العام 1948، كما أن إرتفاع أسعار الفائدة أصبح يضغط على كلفة خدمة الدين وعلى قدرة الحكومات على بناء هوامش أمان مالية. لذلك، فإن التوازن المالي في المرحلة المقبلة لن يتحقق فقط عبر خفض العجز، بل عبر تحسين نوعية الإنفاق العام ورفع كفاءة الإيرادات وتوجيه الموارد نحو الإستثمار المنتج، والبنية التحتية، ورأس المال البشري، والتحوُّل الرقمي.
تغيّر سياسات المصارف
أدّت التحوُّلات الإقتصادية والمالية العالمية خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة صياغة جوهرية في سياسات المصارف، بعدما إنتقل القطاع المصرفي من بيئة إتسمت بإنخفاض أسعار الفائدة ووفرة السيولة إلى بيئة أكثر تعقيداً، تقوم على إرتفاع كلفة التمويل وتشدد السياسة النقدية وضعف اليقين الإقتصادي وتزايد المخاطر الجيوسياسية والرقابية. ولم تعد المصارف تنظر إلى النمو الإئتماني بوصفه مؤشّراً كافياً على قوة الأداء، بل باتت تركّز بصورة أكبر على نوعية الأصول وإستقرار الودائعو إدارة السيولة وكفاية رأس المال ومتانة نماذج الأعمال. ويأتي ذلك في ظل تحذيرات صندوق النقد الدولي من إرتفاع مخاطر الإستقرار المالي العالمي، نتيجة تفاعل الضغوط الجيوسياسية وتقلُّب الأسواق ومخاطر الديون وتشدُّد الأوضاع المالية.
وقد كشفت الإضطرابات المصرفية التي شهدها عدد من الأسواق المتقدمة في العام 2023 أن قوة المؤشّرات التقليدية لا تكفي وحدها لضمان الإستقرار، إذ يمكن أن تتعرّض المصارف لضغوط حادة إذا إجتمعت خسائر غير محققة في المحافظ الإستثمارية، مع ضعف إدارة مخاطر أسعار الفائدة وسرعة إنتقال الودائع. وأشارت لجنة بازل إلى أن تلك الإضطرابات أبرزت أهمية مراقبة مخاطر السيولة، وسلوك المودعين، وإستخدام أدوات رقابية أكثر فاعلية في مرحلة مبكرة. وفي هذا السياق، أصبحت سياسة إدارة الأصول والخصوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فإرتفاع أسعار الفائدة لا يؤثر فقط على كلفة التمويل، بل يضغط أيضاً على القيمة السوقية للسندات والأدوات المالية التي تحتفظ بها المصارف، وخصوصاً عندما تكون آجال الأصول أطول من آجال الخصوم. لذلك، تتجه المصارف إلى تقصير آجال بعض المحافظ، وتحسين المواءمة بين آجال الودائع والقروض، ورفع جاهزية خطط الطوارئ التمويلية، بما يسمح لها بمواجهة أي ضغط مفاجئ على السيولة أو الثقة.
كما أن سياسة الإئتمان تشهد تحوُّلاً واضحاً من التوسُّع الكمّي إلى التوسُّع النوعي، فالمصارف باتت أكثر تحفّظاً في تمويل القطاعات عالية المخاطر أو الأكثر حساسية لتقلّبات الفائدة، في مقابل إعطاء أولوية أكبر للقطاعات القادرة على توليد تدفقات نقدية مستقرّة، مثل التجارة الأساسية والطاقة والبنية التحتية والصناعات التصديرية والقطاعات المرتبطة بالتحوُّل الرقمي. وهذا لا يعني تراجع دور المصارف في تمويل الإقتصاد، بل يعني إنتقالها إلى دور أكثر إنتقائية، حيث يصبح التمويل مرتبطاً بقدرة المقترض على الإستدامة المالية وليس فقط بحجم الضمانات.
ومن ناحية أخرى، فرضت سرعة التحوُّل الرقمي تغيُّراً في سياسات المصارف تجاه العملاء والودائع، فالمودع أصبح أكثر قدرة على نقل أمواله بسرعة بين المصارف أو نحو أدوات مالية بديلة، وهو ما جعل إستقرار قاعدة الودائع عاملاً محورياً في تقييم قوة المصرف.
وقد أشار مجلس الإستقرار المالي إلى أن التطوّرات التكنولوجية ووسائل التواصل الإجتماعي يُمكن أن تسرّع موجات سحب الودائع في الأزمات، ما يفرض على المصارف تطوير أنظمة إنذار مبكّر ومراقبة لحظية لتدفقات السيولة وخطط تواصل فعّالة مع العملاء والأسواق.
كذلك، تواجه المصارف منافسة متزايدة من مؤسسات التمويل غير المصرفية، مثل صناديق الإستثمار، وشركات التكنولوجيا المالية، وشركات الدفع، وصناديق الائتمان الخاص. فقد أظهر مجلس الإستقرار المالي أن قطاع الوساطة المالية غير المصرفية بلغ نحو 257 تريليون دولار في العام 2024، أي ما يعادل حوالي 51% من إجمالي الأصول المالية العالمية، كما نما بنسبة 9.4%، أي بوتيرة تقارب ضعف نمو القطاع المصرفي. وهذا التطور يُفرض على المصارف إعادة النظر في نموذجها التشغيلي، ليس فقط لمواجهة المنافسة، بل أيضاً لإدارة مخاطر الترابط المتزايد بين المصارف والأسواق والمؤسسات غير المصرفية.
مستقبل النظام النقدي والمالي العالمي
يتّجه النظام النقدي والمالي العالمي إلى مرحلة إعادة تشكيل تدريجية، لا تقوم على إلغاء الدور التقليدي للمصارف أو الإنهيار المفاجئ لهيمنة العملات الدولية الرئيسية، بل على إدماج البنية المصرفية القائمة في بيئة مالية أكثر رقمية وترابطاً وقابلية للبرمجة. ويُرجّح أن يبقى النقد الصادر عن المصارف المركزية مرتكزاً أساسياً للثقة والتسوية النهائية، فيما تتوسَّع المصارف التجارية في تقديم الودائع والخدمات الإئتمانية والتمويلية ضمن قنوات رقمية أكثر سرعة وشفافية.
وتبرز الرمزية المالية للأصول كأحد أهم التحوُّلات المرتقبة، إذ تسمح بتحويل الودائع والسندات والأصول المالية إلى وحدات رقمية قابلة للتداول والتنفيذ الآلي. وبحسب بنك التسويات الدولية، فإن المنظومة المستقبلية قد تقوم على منصّات موحّدة تجمع إحتياطات المصارف المركزية، والنقود المصرفية التجارية، والسندات الحكومية المرمّزة، بما يختصر عمليات المراسلة والمطابقة والتسوية ويخفض الكلفة والمخاطر التشغيلية في المدفوعات والتحويلات عبر الحدود.
كما أن تطورات العملات الرقمية للمصارف المركزية، ولا سيما المخصّصة للتعاملات بين المؤسسات المالية، ستكون عنصراً مؤثّراً في تحديث البنية النقدية. فقد أظهر إستبيان بنك التسويات الدولية لعام 2024 أن 91% من المصارف المركزية المشمولة بالدراسة كانت تستكشف العملات الرقمية للمصارف المركزية، مع تقدّم أوضح في مشاريع العملات الرقمية بالجملة مقارنة بالعملات الموجهة للأفراد. ويعكس ذلك سعي السلطات النقدية إلى الحفاظ على سيادتها النقدية وضمان كفاءة التسويات، في ظل توسُّع العملات المستقرّة والأصول المشفّرة ومنصّات التمويل اللامركزي.
ولا يعني هذا التحوُّل أن الدولار الأميركي سيفقد مكانته المحورية في المدى المنظور، لكنه يشير إلى بيئة إحتياطية ومدفوعات دولية أكثر تنوعاً. فبحسب صندوق النقد الدولي، بلغت حصة الدولار من الإحتياطات الرسمية العالمية 56.8% في الربع الرابع من العام 2025، مقابل 20.2% لليورو و1.95% لليوان الصيني. وتؤكد هذه الأرقام إستمرار مركزية الدولار، مع وجود إتجاه تدريجي نحو تنويع الإحتياطات والعملات المستخدمة في التجارة والتسويات الدولية. وعليه، فإن مستقبل النظام المالي لن يكون نظاماً بلا مصارف، بل نظاماً تتغيّر فيه وظيفة المصرف من وسيط تقليدي إلى مؤسسة تجمع بين الوساطة المالية، وإدارة البيانات، والحماية السيبرانية، والإمتثال الرقابي، وحفظ الأصول الرقمية، وتوفير السيولة ضمن منظومة أكثر آنية وترابطاً. ويبقى نجاح هذا الإنتقال مرهوناً بقدرة المصارف المركزية والجهات الرقابية على تحقيق توازن دقيق بين الإبتكار والكفاءة من جهة، والإستقرار المالي والثقة والسيادة النقدية من جهة أخرى.
المخاطر الجديدة ومتطلّبات الحفاظ على التوازن المالي
يرفع التحوُّل نحو نظام مالي أكثر رقمنة وترابطاً كفاءة المدفوعات والخدمات المصرفية، لكنه يخلق في المقابل مصادر جديدة للمخاطر قد تنتقل بسرعة بين المؤسسات والأسواق. ويأتي الخطر السيبراني في مقدمة هذه التحديات، إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن عدد الهجمات السيبرانية تضاعف تقريباً مقارنة بالفترة السابقة لجائحة «كوفيد-19، وأن المؤسسات المالية تحديداً تتعرّض لما يقارب خُمس مجمل الحوادث المسجلة. كما أن ترابط المصارف مع مزودي التكنولوجيا والحوسبة السحابية يجعل أي عطل أو هجوم واسع النطاق قادراً على تعطيل المدفوعات والخدمات الأساسية وتقويض ثقة المودعين والأسواق.
وتُظهر تقديرات صندوق النقد الدولي أن المخاطر لا تقاس فقط بالخسائر المباشرة المعتادة، بل بإحتمال وقوع خسائر إستثنائية. فإستناداً إلى «نمذجة الخسائر السيبرانية»، قد تبلغ الخسارة القصوى المقدرة للمؤسسات المالية نحو 152 مليون دولار في سنة اعتيادية، فيما قد تصل إلى 2.2 مليار دولار في سيناريو متطرّف، يُتوقع إحصائياً حدوثه مرة كل عشر سنوات.
وهذه تقديرات للمخاطر القصوى وليست متوسّطات خسائر فعلية متكررة، لكنها تعكس كيف يُمكن للحوادث الرقمية أن تتحول إلى أزمة سيولة أو ملاءة لدى المؤسسة المتضرّرة.
ولا يقتصر التحدّي على الأمن السيبراني، بل يشمل ضمان ألاّ يؤدي التحوُّل الرقمي إلى فجوة جديدة في الوصول إلى الخدمات المالية. فبحسب قاعدة Global Findex 2025 للبنك الدولي، والتي تستند إلى مسوح أُجريت خلال العام 2024 وشملت نحو 148 ألف بالغ في 141 إقتصاداً حول العالم، يمتلك 79% من البالغين عالمياً حساباً مالياً، فيما يمتلك 84% من البالغين في الإقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل هاتفاً محمولاً، ويبلغ عدد مالكي الهواتف الذكية فيها نحو 3 مليارات شخص. ومع ذلك، فإن 56% فقط من البالغين يستطيعون تأمين أموال إضافية موثوقة في حالة طارئة، ما يؤكد أن التوسُّع الرقمي لا يكفي بمفرده ما لم يُترجم إلى قدرة حقيقية على الإدّخار وإدارة المخاطر والوصول الآمن إلى التمويل.
وعليه، يتطلّب الحفاظ على التوازن المالي في المرحلة المقبلة أن تتعامل المصارف المركزية والمصارف مع المرونة السيبرانية، وتنويع البنية التكنولوجية، وإدارة مخاطر مزوّدي الخدمات الخارجيين، والشمول المالي الرقمي، بإعتبارها عناصر أساسية في السياسة الإحترازية، لا مجرّد متطلّبات تشغيلية أو تقنية.
خصوصية الواقع المصرفي والمالي العربي
يتميّز الواقع المصرفي العربي بقطاع مصرفي كبير نسبياً، يمتلك قدرة ملحوظة على إستيعاب الصدمات المالية والإقتصادية، إلاّ أنه يتسم في الوقت ذاته بتفاوت واضح بين الدول العربية من حيث حجم الأصول وعمق الأسواق المالية وهيكل الودائع ومدى مساهمة الإئتمان المصرفي في تمويل الإقتصاد الحقيقي، إذ بلغت موجودات القطاع المصرفي العربي نحو 5.5 تريليونات دولار في نهاية العام 2025، فيما وصلت التسهيلات الائتمانية إلى نحو 3.2 تريليون دولار، بما يعادل قرابة 58% من إجمالي الأصول. كما بلغت ودائع العملاء لدى المصارف العربية نحو 3.3 تريليونات دولار، بما يؤكد إستمرار إعتماد القطاع على قاعدة ودائع واسعة كمصدر رئيسي للتمويل والسيولة.
وتشير مؤشّرات السلامة المالية إلى احتفاظ المصارف العربية، في المجمل، بهوامش وقائية جيدة، إذ بلغ متوسط كفاية رأس المال نحو 18.4%، متجاوزاً الحد الأدنى الرقابي وفق متطلّبات بازل والبالغ 10.5%.
غير أن النظام المالي العربي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على القطاع المصرفي، في مقابل محدودية دور المؤسسات المالية غير المصرفية في تعبئة المدّخرات وتوفير التمويل وإدارة المخاطر، إذ لم تتجاوز أصول هذه المؤسسات، بإستثناء صناديق التقاعد، نحو 6.7% من إجمالي أصول القطاع المالي العربي في نهاية العام 2024، كما بلغت نسبة تغلغل التأمين إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.7% فقط، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 7%، مما يعكس محدودية تنوُّع القنوات المالية خارج الجهاز المصرفي.
أما على صعيد التحوُّل الرقمي، فتبرز مؤشّرات إيجابية تعكس تقدُّماً في تطوير البنية التحتية للمدفوعات، إذ أشار صندوق النقد العربي إلى توافر خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول في جميع الدول العربية المشمولة، فيما إمتلك 94% منها أُطراً قانونية لتنظيم أنظمة الدفع. ومع ذلك، فإن الإستفادة الكاملة من هذا التقدم تظل مرتبطة بتطوير نظم التصنيف الإئتماني وسجلاّت الضمانات المنقولة وتعزيز حماية البيانات والأمن السيبراني، إلى جانب ربط البنى التحتية الوطنية بمنظومات دفع وتسوية عربية عابرة للحدود، بما يدعم التكامل المالي الإقليمي ويحدّ من كلفة التحويلات والمعاملات المالية.
توصيات لتعزيز التوازن المالي وتحديث السياسات المصرفية
تتطلّب التحوُّلات المتسارعة في النظام النقدي والمالي العالمي إنتقال المصارف المركزية والسلطات الرقابية من إدارة المخاطر بعد وقوعها إلى بناء سياسات إستباقية قادرة على إستيعاب الصدمات المالية والتكنولوجية والجيوسياسية. ويقتضي ذلك تعزيز هوامش رأس المال والسيولة الوقائية وتطوير إختبارات الضغط لتشمل سيناريوهات أكثر تعقيداً، مثل الهجمات السيبرانية الواسعة، وتعطُّل أنظمة الدفع، وخروج الودائع الرقمية بسرعة، وإرتفاع تقلبات الأسواق وأسعار الفائدة. كما ينبغي أن تتجه المصارف التجارية إلى إعادة النظر في نماذج أعمالها التقليدية، عبر تنويع مصادر التمويل وتطوير آليات إدارة السيولة وتعزيز الإعتماد على التكنولوجيا المالية بصورة مدروسة.
فالتحوُّل الرقمي لا ينبغي أن يقتصر على تقديم خدمات إلكترونية للعملاء، بل يجب أن يشمل تحديث البنية التشغيلية وتطوير نظم تحليل البيانات وتحسين أدوات كشف الإحتيال ورفع كفاءة إدارة المخاطر الائتمانية والتشغيلية. وفي هذا الإطار، تصبح الإستثمارات في الأمن السيبراني وحماية البيانات جزءاً أساسياً من متطلبات السلامة المصرفية، لا مجرّد كلفة تقنية إضافية.
وتبرز الحاجة أيضاً إلى تعزيز التنسيق بين المصارف المركزية والهيئات الرقابية ومؤسسات القطاع المالي، ولا سيما في ما يتعلق بالعملات الرقمية والأصول الإفتراضية والمدفوعات العابرة للحدود ومخاطر شركات التكنولوجيا الكبرى ومزودي الحوسبة السحابية، إذ إن توسُّع الإعتماد على عدد محدود من مقدمي الخدمات الرقمية قد يؤدي إلى نشوء مخاطر تركّز جديدة، تستوجب أطر رقابية أكثر شمولاً وقدرة على مراقبة الترابط بين القطاع المالي والبنية التكنولوجية.
وعلى صعيد النظام النقدي الدولي، من الضروري العمل على تطوير قنوات دفع وتسوية أكثر سرعة وأقل كلفة، مع الحفاظ على دور المصارف المركزية في ضمان الثقة والسيادة النقدية وإستقرار العملة. كما ينبغي ألاّ يؤدي الإنتقال إلى الخدمات الرقمية إلى تعميق الفجوة بين الفئات القادرة على إستخدام التكنولوجيا والفئات الأقل دخلاً أو الأقل اتصالاً بالخدمات المصرفية، مما يفرض ربط التحوُّل الرقمي بسياسات واضحة للشمول المالي والتثقيف المالي وحماية المستهلك.
أما بالنسبة إلى المصارف العربية، فتتطلّب المرحلة المقبلة تعزيز قدرتها على التكيّف مع التحوُّلات الدولية عبر تطوير البنية الرقمية، ورفع مستويات الحوكمة وإدارة المخاطر، وتوسيع التعاون الإقليمي في أنظمة الدفع والتحويلات، وتبادل المعلومات المتعلقة بالجرائم المالية والهجمات السيبرانية. كما أن الحفاظ على مستويات كافية من السيولة ورأس المال وتنويع المحافظ الإئتمانية وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والمشروعات المستدامة، تشكل كلها عناصر أساسية لتعزيز دور القطاع المصرفي العربي في دعم الإستقرار المالي والتنمية الإقتصادية.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
