لا إصلاح مصرفياً بلا ضمانات قانونية
الدكتور فادي خلف
الأمين العام لجمعية مصارف لبنان
كتب أمين عام جمعية مصارف لبنان الدكتور فادي خلف، إفتتاحية التقرير الشهري للجمعية بعنوان «لا إصلاح مصرفياً بلا ضمانات قانونية».
جاء فيها: لا خلاف على أن إصلاح القطاع المصرفي بات ضرورة مُلِحّة. ولا خلاف أيضاً على أن لبنان يحتاج إلى قانون واضح لإعادة تنظيم المصارف، وتحديد المصارف القادرة على الإستمرار، وتلك التي قد تحتاج إلى معالجة أوضاعها.
لكن يبقى السؤال الأساسي: أي قانون نريد؟
نريد قانوناً يعيد الثقة، ويعيد حقوق المودعين والمصارف ويحفظها، ويؤسس لعودة القطاع المصرفي إلى دوره الطبيعي.
لكن هذا الإصلاح لا يُمكن أن يبدأ بتعليق الضمانات القانونية أو بتضييق حق الدفاع.
السرعة في المعالجة لا تعني تجاوز حق الدفاع. فمشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، كما هو مطروح، يتناول مسائل خطيرة تمسّ ملكية المصارف، وحقوق المساهمين، وحقوق الدائنين، وودائع العملاء، وإستمرارية المؤسسات المصرفية. فالقرار بوضع مصرف قيد الإصلاح أو التصفية ليس تفصيلاً تقنياً، بل قرار قد يحدّد مصير مؤسسة، ومساهمين، ومودعين، وموظفين، وعلاقات مصرفية واقتصادية كاملة.
من هنا، لا بد من التوقف عند عدد من المبادئ الأساسية.
أولاً، لا يُمكن إصلاح المصارف بمعزل عن تحديد المسؤوليات
فإذا كانت الأزمة نظامية، كما بات واضحاً، فلا يجوز أن يتحوّل قانون إصلاح المصارف إلى أداة لتحميل القطاع المصرفي وحده نتائج أزمة نشأت من خلل تسببت به الدولة، والمالية العامة، ومصرف لبنان، والسياسات النقدية والمالية. لا يجوز أن يكون الهدف الضمني لأي قانون هو الحدُّ من مساهمة الدولة أو إعفاؤها من مسؤولياتها، في وقت كانت فيه الدولة جزءاً أساسياً من أسباب الإنهيار.
ثانياً، يجب التنبُّه إلى تعدُّد أدوار الدولة ومصرف لبنان في هذه الأزمة
فالسلطات العامة تمسك بمسار التشريع والتنفيذ، ومصرف لبنان هو الجهة الرقابية والنقدية الأساسية، وهما في الوقت نفسه طرفان أساسيان في الأزمة، ولا سيما في ما يتعلق بودائع المصارف لدى مصرف لبنان ومصيرها. لذلك، لا بد من آلية إصلاحية تمنع تضارب المصالح، وتؤمّن توازناً مؤسسياً حقيقياً بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والقضاء.
ثالثاً، حق الإعتراض والطعن ليس عرقلة للإصلاح، بل هو ضمانة لعدالته
فالأزمة، مهما كانت خطيرة، لا تبرّر عدم وجود رقابة قضائية فعّالة. لا يجوز أن تُتخذ قرارات مصيرية في حق مصرف، أو مساهميه، أو دائنيه، أو مودعيه، ثم يُحصر حق الإعتراض بأسباب ضيّقة أو بمهل قصيرة لا تتيح فعلياً إعداد دفاع جدّي. كلّما كانت صلاحيات الجهة الإدارية أوسع، وجب أن تكون الرقابة القضائية أوضح وأقوى وأسرع. فالثقة لا تعود إذا شعر المستثمر أو المودع أو المصرف أن القرارات المصيرية لا تخضع لمراجعة قضائية جدية.
رابعاً، الإصلاح لا يعني تحويل الإدارة أو المصفّي إلى قاضٍ
للمدير المؤقت أو المصفي دور مهم في إدارة المصرف وتنفيذ الإجراءات. لكن لا يجوز منحه صلاحيات ذات طابع قضائي، كإبطال أعمال قانونية أو تقرير حقوق أو تعديل مراكز قانونية نهائية. هذه أمور يجب أن تبقى من اختصاص القضاء. الجهة الإدارية تنفّذ، أما القضاء فهو الذي يحسم النزاعات.
خامساً، الإنقاذ الداخلي، أو ما يسمّى بالـ bail-in، يجب أن يُدار بحذر شديد
فهو قد يؤدي إلى تغيير جذري في ملكية المصرف، وإلى المساس بحقوق المودعين أو الدائنين أو المساهمين. لذلك يجب ألاّ يتحوّل إلى أداة ظالمة لإعادة توزيع الخسائر. وإذا كان لا بد من إستخدامه، فيجب أن يكون ضمن قواعد واضحة، وبما ينسجم مع قانون الإنتظام المالي وإسترداد الودائع. فالـ bail-in ليس مجرّد تقنية مالية، بل إجراء يمسّ الملكية والحقوق، ولذلك ينبغي التعامل معه بمسؤولية لا تَترك مجالاً للإستنسابية أو الغموض.
سادساً، ضمان إستمرارية المصارف القادرة
الهدف من الإصلاح يجب أن يكون عودة القطاع المصرفي إلى دوره الطبيعي في تمويل الإقتصاد، لا إضعاف المصارف القادرة على النهوض. فإذا بقي المصرف السليم والقابل للإستمرار مهدّداً بأعباء إضافية غير واضحة أو غير محدودة، أو بإعادة فتح مراكز قانونية بعد تسويتها، فلن يدخل إليه مستثمر جديد، ولن يثق به مودع جديد، ولن يستطيع المشاركة في تمويل الإقتصاد.
سابعاً، يجب أن يكون هناك إنسجام بين قانون إصلاح المصارف وقانون الإنتظام المالي وإسترداد الودائع
لا يُمكن أن يعمل قانون في إتجاه، وقانون آخر في إتجاه معاكس، فإذا كان قانون إسترداد الودائع يحدد آلية معينة لمعالجة الودائع وتوزيع الخسائر، فلا يجوز أن يفتح قانون إصلاح المصارف باباً موازياً لدعاوى وإعتراضات وتعويضات قد تُعطّل التنفيذ وتُغرق المحاكم والمصارف بنزاعات لا تنتهي.
في الخلاصة، إصلاح المصارف لا يكون بتعليق الحقوق، ولا بتجاوز القضاء، ولا بإعفاء الدولة من مسؤوليتها، بل بإطار قانوني عادل وقابل للتنفيذ. فحق التقاضي ليس تفصيلاً إجرائياً، بل صمام أمان لأي إصلاح قابل للحياة. المطلوب قانون يوزّع المسؤوليات بوضوح، ويحمي المودعين، ويُحافظ على المصارف القادرة على النهوض، ويمنع تكرار الأزمة تحت عنوان معالجتها.
