الأمين العام لجمعية مصارف لبنان فادي خلف:
الإستقرار لا يُشترى بإستنزاف الإحتياط بالعملات الأجنبية العائد لحقوق المودعين والمصارف
كتب الأمين العام لجمعية مصارف لبنان الدكتور فادي خلف في إفتتاحية التقرير الشهري للجمعية:
في الأزمات، يتضاعف ضغط الشارع والإعلام والسياسة، وتكثر محاولات تسويق حلول سريعة تحت عنوان «الإستقرار». لكن التجربة اللبنانية علّمتنا درساً واحداً لا يجوز تجاهله: أي إستقرار يُموَّل من حقوق المودعين هو إستقرار موقّت، يشتري وقتاً قصيراً ويُراكم أزمة أطول. ومن هنا، يجب تثبيت قاعدة واضحة: الإستقرار لا يُشترى بإستنزاف الإحتياط بالعملات الأجنبية العائد لحقوق المودعين والمصارف.
أولاً: تحديد الإطار… منعاً لأي التباسٍ
القضية ليست سجالاً ولا تبادلاً للإتهامات، بل مسألة حقوق: للدولة حساباتها وموجباتها ضمن مؤسساتها، ولمصرف لبنان مطالباته تجاه الدولة، وهذا شأن يُعالج بين الدولة ومصرف لبنان. أمّا أموال المصارف، أي أموال المودعين لدى مصرف لبنان، فهي حقوق خاصة لا يجوز تحويلها إلى «هامش قابل للإستهلاك» تحت ضغط الحرب أو أي ظرف إستثنائي.
ثانياً: ثلاث حقائق يجب الوقوف عندها
– الإحتياطي ليس صندوقاً عاماً مفتوحاً يُستعمل عند الحاجة، بل هو آخر هامش متبقٍ لحقوق المودعين، وأي مساس به يضرب إمكانية استرداد الودائع اليوم وغداً.
– الظروف الإستثنائية لا تُسقط الحقوق: الحرب ترفع المخاطر، لكنها لا تُحوِّل حقوق الناس إلى أموال قابلة للإستهلاك. المطلوب حماية ما تبقّى، لا إعادة إستنزافه.
– الإستنزاف لا يصنع إستقراراً: قد تنجح التدابير مرحلياً في الحدّ من التقلّبات أو تهدئة الأسواق، لكن حذار أن يصبح الثمن تبديد ما تبقّى من حقوق المودعين. فذلك لن يكون إستقراراً… بل تأجيل لأزمة إضافية مع مضاعفة كلفتها.
ولتفادي أي إلتباس أو توظيف، لا بدّ كذلك من تثبيت أمرين ملازمين لهذه الحقائق:
-إستبعاد إستعمال ما تبقّى من الإحتياطي العائد عملياً لحقوق المودعين ضمن أي سياسة نقدية أو مالية، لأن ذلك ليس خياراً تقنياً بل شرط بقاء إجتماعي، لأنه يمس بالأموال التي تؤمّن عبر التعاميم الحد الأدنى من الإحتياجات الشهرية لمئات آلاف العائلات.
– إظهار صورة مفصّلة عن مكونات الإحتياطي: ما هو المتاح فعلاً؟ ما هو المخصّص للمصارف وحقوق المودعين؟ وما هو العائد لحسابات الدولة؟ لأن الشفافية هنا ليست تفصيلاً بل ضمانة لمنع الالتباس والتوظيف.
ثالثاً: أين الخطر العملي اليوم؟
الخطر يبدأ إذا ما أصبح الإحتياطي خياراً سهلاً لتمويل الطوارئ في زمن الحرب، لأن الإستقرار الإقتصادي والنقدي لا يُبنى على حرق أموال المودعين. وهنا لا بد من التذكير بحقيقة تقنية يعرفها كل من يقرأ المعايير الدولية: إستعمال إحتياطي المصارف المركزية لفترات طويلة يستهلك حكماً مقدراتها ويُضعف قدرتها على الصمود.
رابعاً: البديل العملي الفعلي
إذا كان الهدف فعلاً حماية الإستقرار الإقتصادي والنقدي، فإن البديل العملي لا يبدأ من «حلولٍ ظرفية» تُموَّل من الإحتياطي، بل يبدأ من تأمين الإستقرار السياسي والأمني. فالإقتصاد لا يستعيد عافيته في بيئةٍ يتراجع فيها الأمان، ولا تنتظم الأسواق في مناخٍ تتبدّل فيه التوقعات كل يوم مع التطوّرات الميدانية، لأنه في ظل غياب الإستقرار السياسي والأمني المطلوب، تتعطّل القرارات الإصلاحية، تتراجع الثقة، وتصبح أي إجراءات نقدية مجرّد إدارة مؤقتة للأزمة لا علاجاً لها.
