الذكاء الاصطناعي وثمن الثقة الرقمية
(العربية)-21/07/2026
*المستشار/ عبد الرحمن بن محمد الزومان
يمر التطور الرقمي العالمي اليوم بنمو متسارع تجاوز حدود الأتمتة التقليدية (Classic Automation) نحو ما يمكن وصفه ب”الانفجار الرقمي الشامل” (The Comprehensive Digital Explosion).
وفي قلب هذا التحول، تقدّم المملكة العربية السعودية نموذجاً سيادياً لافتاً؛ إذ نجحت الأجهزة الحكومية والهيئات والشركات الوطنية في تسجيل قفزات نوعية في تبني الحلول الرقمية الشاملة، تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030.
إن تدفق المعاملات الرقمية عبر قنوات مشيدة بأحدث البرمجيات وأنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP) ذات الكلفة المرتفعة، يعكس متانة البنية التحتية لقطاع التقنية في المملكة وكفاءة الكوادر الوطنية التي تدير هذه المنظومات.
غير أن تغلغل لاعب استراتيجي جديد – الذكاء الاصطناعي – يفرض واقعاً هيكلياً مغايراً. فالاعتقاد بأن مخرجات الأنظمة الرقمية وسجلاتها محمية تلقائياً ومعصومة من الخطأ بشكل كامل لم يعد افتراضاً واقعياً من المنظور الفني المعاصر.
والقضية هنا لا تمسّ نزاهة الجهود أو جودة الأنظمة ومراكز البيانات القائمة، بل تكمن في أن حجم البيانات والمعاملات الرقمية قد تجاوز في تدفقه وفوريته طاقة الرقابة البشرية والآليات التقليدية، وهو ما يخلق فجوة هيكلية: غياب قدرة قائمة حالياً على تأكيد سلامة وموثوقية هذه السجلات الرقمية بشكل كمي ومستمر.
تشريح أزمة الثقة: وهم “أمن البيانات” وجزر الحوكمة المعزولة
حققت الجهات السيادية الرقابية في المملكة – كالهيئة الوطنية للأمن السيبراني، وسدايا، وهيئة الحكومة الرقمية، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية – نجاحات مشهودة في ضبط الفضاء الرقمي، إلا أن طبيعة عمل هذه المنظومات موجهة بالدرجة الأولى لحماية “محيط البيانات”، أي تأمين الشبكات ومراكز البيانات وحوكمة البيئة الخارجية ومنع الاختراقات السيبرانية التقليدية.
وهنا تبرز فجوة تتعلق بـ”عمق البيانات” ومخاطرها؛ إذ إن هذه الجهات، بحكم اختصاصها التشريعي، لا تدخل بشكل روتيني في التحقق البرمجي المستقل من عمق المحتوى الداخلي للسجلات الرقمية للمنشآت الحكومية والخاصة لتأكيد دقتها وصحتها الذاتية على نحو مستمر.
يضاف إلى ذلك عدم وجود جهة مركزية تحتفظ بنسخ مستقلة من البيانات الرقمية التاريخية المغلقة والمعتمدة للقطاعات الحكومية والخاصة، يجري التحقق من موثوقية منطقها المالي والتشغيلي كمياً وبشكل دائم قبل حفظها.
فجدران الحماية التقليدية تبقى قاصرة عن رصد التغييرات البرمجية التي تطرأ على السجلات الرقمية التاريخية المغلقة متى ما تمت هذه التغييرات بصلاحيات تبدو نظامية، وهو ما يضع المنشآت أمام تحدٍ في إثبات سلامة سجلاتها بأدلة كمية مستقلة أمام الجهات الرقابية العليا.
ويتضاعف هذا التحدي مع تنامي قدرة الذكاء الاصطناعي على صياغة وتعديل وتوليد المخرجات من داخل الأنظمة نفسها. فمن الناحية النظرية، يمكن لأنماط خوارزمية معقدة أن تُحدث انحرافات في السجلات وحركات الخزينة والمدفوعات والإيرادات والمصروفات والقيود والأدلة المرجعية دون كسر جدار الحماية الخارجي أو إطلاق إنذار أمني – وهو سيناريو مخاطرة ناشئ يستحق دراسة استباقية أكثر منه واقعاً موثقاً حتى اللحظة، لكنه كافٍ لتحويل الامتثال من “عمليات تشغيلية ناجحة” إلى تحدٍ محتمل في “الثقة التشغيلية” يمس قدرة المنشآت على بناء تحالفات استراتيجية (B2B) كبرى.
عيوب التدقيق التقليدي.. مفارقة العينة المحدودة
عندما توضع أصول واقتصادات الوطن في الميزان، تبرز أهمية إيجاد آلية تؤكد كمياً وتقنياً سلامة السجلات الرقمية لقطاعات حيوية كالإيرادات والنفقات الرأسمالية والمصروفات والرسوم والضرائب والزكاة والجمارك والاستثمارات الحكومية.
وهنا تبرز المفارقة التي تكشف حدود الوسائل التقليدية: تعتمد عمليات المراجعة والتدقيق الحكومي والخارجي، بحكم طبيعتها، على أسلوب المراجعة بالعينة – (Sample based Auditing) بدلاً من الفحص الشامل لكامل البيانات – وهي منهجية معتمدة عالمياً في معايير التدقيق، لكنها تعني بالضرورة أن نسبة معتبرة من السجلات لا تخضع لفحص مباشر ومستقل خلال كل دورة مراجعة.
ومع ذلك، فإن قدرة هذه العينات المحدودة على كشف انحرافات أو ملحوظات جوهرية رغم اعتمادها على جزء يسير من البيانات الكلية، تطرح سؤالاً مشروعاً أمام أصحاب القرار: ما هو الحجم المحتمل للمخالفات أو الأخطاء التي قد تبقى كامنة في الجزء الأكبر من السجلات الرقمية التي لا يشملها الفحص المباشر ضمن كل دورة تدقيق؟.
فالاعتماد الإحصائي على العينات الدورية، أمام الحجم المتنامي للسجلات الرقمية والمعاملات المالية والتشغيلية، يخلق بالضرورة مساحات لا تخضع للفحص المباشر يمكن أن يتسلل من خلالها الخطأ البرمجي غير المقصود أو الانحراف التشغيلي أو الاحتيال المحتمل، نتيجة الفارق الزمني والحجمي بين وتيرة المراجعة ووتيرة توليد البيانات.
فالرقابة اللاحقة وتقارير المراجعة البشرية، التي تصدر عادة بعد إغلاق السجلات بفترة، تواجه تحدياً بنيوياً في ملاحقة سرعة وتدفق العمليات الرقمية الفورية.
وفي اقتصاد وطني بلغ ناتجه المحلي الإجمالي نحو 4.8 تريليون ريال بالأسعار الجارية في عام 2025 وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء، مع حجم أكبر بكثير عند احتساب مجمل دورة المعاملات المالية والمصرفية والتجارية المترابطة، فإن الكلفة السيادية المحتملة لأي هامش غير مفحوص – حتى لو مثّل نسبة ضئيلة من هذا الحجم الكلي – تستحق تقديراً كمياً دقيقاً بدلاً من تركها تقديرات مفتوحة، نظراً لما قد تمثله من أثر مالي مؤثر على المستوى الوطني دون أن ترصده جدران الحماية الخارجية بالضرورة.
الفراغ المعياري واستحالة “حكم الخصم“
تؤكد مبادئ الحوكمة الدولية والمحلية على شرط الاستقلالية: ألا يكون الحكم على صحة مخرجات النظام الرقمي وسجلاته صادراً عن الجهة ذاتها التي أنشأت هذا النظام وشغّلته وأدارت قنواته.
والواقع الحالي يشير إلى أن أدوات التقييم والتدقيق الداخلي في المنشآت (حكومية وخاصة وغير ربحية) تخضع غالباً لسلطة وإدارة الجهة المشغّلة نفسها، وهو ما يحدّ من اكتمال شرط الحياد التقني الكامل.
ويكشف هذا الواقع عن فراغ تنظيمي قائم محلياً وعالمياً، يتمثل في محدودية وجود كيانات مستقلة أو برامج محايدة تمتلك القدرة على قياس مؤشرات الثقة كمياً لكامل السجلات الرقمية، ومنح درجة موثوقية (Trust Score) معتمدة على مستوى السجل وعلى مستوى المنشأة.
كما أن الحلول الاستشارية التي تقدّمها شركات المراجعة الكبرى، وإن كانت تستثمر بشكل متزايد في أدوات التحليل البرمجي والمراجعة المستمرة (Continuous Auditing)، لا تزال تعتمد في جوهرها على مراجعات دورية ذات طابع بشري غالب، وهو ما يترك مساحة لتطوير حلول تقنية وطنية متخصصة في المراقبة المستمرة والديناميكية لمحتوى السجلات الرقمية.
حتمية الابتكار والتحرك الاستراتيجي قبل فوات الفرصة
إن الوضع الراهن يستدعي طرح هذا الملف كقضية رأي عام تقني واستراتيجي، ونقله إلى طاولة صناع القرار لدراسته واتخاذ خطوات تشريعية تضمن الحصانة التقنية للاقتصاد الرقمي الجديد.
ومن هنا وتبرز الحاجة إلى أمور من بينها صياغة معيار وطني ملزم يفرض قياس مؤشرات الثقة كمياً في التعاملات والسجلات الرقمية المالية وغير المالية بعد الإغلاق وقبل الحفظ، بآلية مستمرة ومستقلة ومحايدة عن الجهة المشغّلة للنظام.
كما يجب توجيه ودعم الابتكار النوعي، حث برامج التمويل والدعم الوطنية المختصة (كالبرنامج الوطني لتنمية قطاع تقنية المعلومات NTDP ومسرعات الأعمال) على تبني وتمويل الابتكارات المحلية المتخصصة في تقنيات التحقق من موثوقية السجلات الرقمية.
ومن بين الأمور الهامة التأسيس الهندسي الصارم للأنظمة عبر فرض بيئات الحفظ والتنفيذ المعزولة (Isolated Execution) وقنوات البيانات غير التفاعلية كبنية تحتية إجبارية لحماية السجلات من مخاطر التغلغل عبر ثغرات محتملة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ويجب اعتماد أوعية التخزين غير القابلة للمحو (WORM Storage) كمتطلب ملزم لإقفال السجلات التاريخية للعمليات المالية ومنع تعديلها أو تغيير بياناتها دون قيود موثقة.
إن المنشآت التي لن تمتلك مستقبلاً القدرة على إخضاع سجلاتها الرقمية لقياس كمي مستقل يؤكد سلامتها قبل الحفظ، قد تجد نفسها في موقع أضعف تنافسياً ضمن اقتصاد مستقبلي يقوم على الموثوقية الرقمية كعامل أساسي للثقة والشراكة.
