البحرين بخير.. السياحة الداخلية رهان المرحلة المقبلة
(اخبار الخليج)-22/06/2026
حين تسجل مملكة البحرين إيرادات سياحية تبلغ 5.4 مليارات دولار خلال عام 2025، محققة نمواً سنوياً بنسبة 7% وفق بيانات منظمة السياحة العالمية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بأرقام إيجابية في قطاع اقتصادي مهم، بل يعكس قدرة المملكة على ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية إقليمية جاذبة وقادرة على المنافسة. وتزداد أهمية هذه النتائج عندما نعلم أن البحرين تقدمت على أسواق سياحية مجاورة في حجم الإيرادات السياحيةً.
غير أن القراءة الأعمق لهذه الأرقام تقودنا إلى قضية لا تقل أهمية عن استقطاب السائح الخارجي، وهي تعزيز السياحة الداخلية باعتبارها أحد أهم روافد النشاط الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة. فالتطورات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من ارتفاع في تكاليف السفر والتأمين وأسعار تذاكر الطيران والإقامة في عديد من الوجهات الخارجية، دفعت شريحة متزايدة من الأسر الخليجية والبحرينية إلى إعادة النظر في أنماط الإنفاق السياحي والترفيهي.
وفي هذا السياق، تبرز السياحة الداخلية كخيار اقتصادي واجتماعي واستراتيجي في آن واحد. فكل دينار يُنفق داخل الاقتصاد الوطني يسهم في دعم المنشآت الفندقية والمطاعم والمجمعات التجارية وشركات النقل والأنشطة الترفيهية، ويوفر فرص عمل إضافية للمواطنين، ويعزز دوران السيولة داخل السوق المحلية.
والواقع أن البحرين تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على تحقيق قفزة نوعية في هذا المجال. فالمملكة تجمع في مساحة جغرافية محدودة بين الشواطئ والمنتجعات البحرية الحديثة، والمواقع الأثرية والتاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي، والمجمعات التجارية الكبرى، والمرافق الرياضية والترفيهية، إضافة إلى المطاعم والمقاهي والفعاليات الثقافية والفنية التي أصبحت جزءاً من هوية المملكة السياحية.
كما أن الجهود الحكومية خلال السنوات الماضية أسهمت في تطوير البنية التحتية السياحية بشكل كبير، سواء من خلال التوسع في الفنادق والمنتجعات، أو تطوير الواجهات البحرية، أو استقطاب الفعاليات الرياضية الدولية والمعارض والمؤتمرات. وقد نجحت البحرين في بناء روزنامة سنوية متنوعة تضم فعاليات رياضية وثقافية وترفيهية قادرة على جذب الزوار على مدار العام، وليس خلال مواسم محددة فقط.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم «تنشيط السياحة» إلى مفهوم «بناء ثقافة السياحة الداخلية». وهذا يتطلب تعزيز الشراكة بين هيئة البحرين للسياحة والمعارض والفنادق والمجمعات التجارية وشركات الطيران والمؤسسات الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني لتقديم برامج أكثر تكاملاً وجاذبية للأسر البحرينية والخليجية.
ومن المفيد التفكير في إطلاق برامج موسمية موحدة تجمع بين الإقامة الفندقية والتسوق والأنشطة الترفيهية بأسعار تشجيعية، إلى جانب توسيع الفعاليات الموجهة إلى العائلات والشباب، وتعزيز السياحة البيئية والبحرية والتراثية، وتشجيع المؤسسات التعليمية على تنظيم رحلات معرفية للمواقع التاريخية والثقافية داخل المملكة.
كما أن تطوير منصات رقمية موحدة للعروض السياحية المحلية يمكن أن يسهم في زيادة الإقبال على الوجهات الداخلية، خصوصاً لدى الأجيال الشابة التي تعتمد بشكل كبير على التطبيقات والمنصات الإلكترونية في اتخاذ قراراتها السياحية.
إن النتائج التي حققتها البحرين في عام 2025 تؤكد أن القطاع السياحي يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب الاستفادة من المتغيرات الحالية وتحويلها إلى فرص اقتصادية مستدامة. فالسياحة الداخلية لم تعد مجرد خيار ترفيهي، بل أصبحت أداة اقتصادية مهمة لدعم النمو وتنشيط الأسواق المحلية وتعزيز جودة الحياة.
ومن هنا يمكن القول بثقة إن البحرين بخير، والأفضل ما زال أمامها إذا نجحنا في تحويل كل مقوماتها الطبيعية والتراثية والاقتصادية إلى تجربة سياحية متكاملة يعيشها المواطن والمقيم والزائر على حد سواء.
