العراق.. خفض قيمة الدينار ترقيع مالي أم تدمير للقوة الشرائية؟
(سي ان بي سي)-14/10/2026
دائماً ما تلجأ الحكومات في الاقتصادات الريعية إلى الخيار الأسهل والأكثر خطورة عند مواجهة أزمات السيولة وتضخم النفقات والتشغيلية التلاعب بسعر الصرف.
يُسوّق قرار خفض قيمة العملة غالباً على أنه (تصحيح مسار مالي) لابد منه، لكننا في الواقع أمام (حيلة محاسبية) مكشوفة ، مجرد ترقيع لعجز الموازنة تُرحّل به الأزمة الهيكلية وتُدفع فاتورتها بالكامل من جيوب الناس والأسواق.
الضربة الأقوى يتلقاها الشارع مباشرة. في اقتصاد يعتمد على الاستيراد لتوفير أبسط احتياجاته بالعملة الصعبة، من الغذاء إلى الدواء، ينعكس أي تراجع للدينار العراقي فوراً كضريبة خفية وقاسية. النتيجة الحتمية هي انهيار (القدرة الشرائية) للطبقات المتوسطة والفقيرة، وتآكل (الدخل الحقيقي) دون أي زيادة فعلية في الرواتب تعوض هذا الفارق.
قطاع الأعمال ليس أحسن حالاً، فالتذبذب في أسعار الصرف يضرب استقرار الأسواق ويشل حركة التجارة. المستورد يفقد بوصلة التسعير، وتضطرب سلاسل التوريد، ليجد القطاع الخاص نفسه مجبراً على الانكماش وتجميد أي خطط للتوسع، مفضلاً تقليل الخسائر الناتجة عن (فروقات العملة) بدلاً من المغامرة في بيئة ضبابية ، وهذا بحد ذاته يخلق إحتباسا للسيولة المخصصة للنمو وخنق شريان أساسي يعتمد عليه بشكل تام في خلق تدوير النقد وتعظيم الأيرادات الداخلية .
على الورق، يبدو صانع القرار المالي منتصراً ، فهو يبيع دولارات النفط ليحصد كمية أكبر من الدنانير، ما يوفر له سيولة نقدية سريعة لتغطية نفقات تشغيلية منفلتة. لكن لغة الأرقام لا تكذب، فهذه مجرد (أرباح دفتريّة) وهمية. الحكومة لم تخلق أي ثروة جديدة، بل سحبت السيولة من الأسواق من جيوب الفقراء لترميم ثقوب موازنتها، متجاهلة الحاجة الماسة لبناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
الأزمة أعمق من قرار التخفيض، الأزمة تكمن في غياب الرؤية وعزل القرارات النقدية عن أي إصلاح هيكلي. الاقتصاد اليوم لا يحتاج إلى (مسكنات)، بل إلى عقلية تعالج التشوهات من جذورها عبر إصلاح حقيقي للقطاع المصرفي، وتفعيل منصات التبادل التجاري المنظمة، ودعم الإنتاج المحلي لخفض فاتورة الاستيراد. الاستمرار في الحلول السهلة هو إعلان عجز عن إدارة الاقتصاد وابتكار سياسات تصنع النمو.
يعد توارث الأزمات وتراكم أكاديمية الخبرات السابقة التي لم تنجح في قلب الأحداث وسد الفجوات ( سمة ) تكاد تلاحق الحكومات المتعاقبة لتخلق لنا في كل يوم أزمة جديدة أعمق من سابقتها.
في المحصلة، اللعب بأسعار الصرف قد يشتري للحكومة بعض الوقت، لكنه يعمق جراح الاقتصاد. ولنكن واقعيين صرير المكائن، وهدير الأنهار، واستصلاح ملايين الكيلومترات بعرق السواعد السمر، لا يحتاج إلى (تنظير أكاديمي) بقدر ما يحتاج إلى إرادة وطنية تدرك قيمة الأرض والإنسان. المسكنات لا تصنع اقتصاداً، بل تنسينا ألم المرض حتى يقضي علينا.
