قوانين «دعم السيولة» تعزز مرونة الميزانية في الكويت
(القبس)-22/09/2026
حققت الكويت تقدماً ملحوظاً في بناء الإطار التشريعي الداعم للسيولة وإدارة المالية العامة، ضمن مسار إصلاحي يستهدف توسيع هامش الحركة أمام الميزانية وتقليص الاعتماد على مصدر واحد للإيرادات والتمويل، فبعد إقرار مرسوم قانون التمويل والسيولة «الدين العام» في مارس 2025، الذي أعاد فتح باب الاقتراض الحكومي ووضع سقفاً للدين العام عند 30 مليار دينار، ثم تعديل قواعد احتياطي الأجيال القادمة بما يسمح بالاقتراض منه ضمن ضوابط محددة، جاء قانون الصكوك الحكومية رقم 90 لسنة 2026 ليضيف قناة تمويلية جديدة إلى منظومة الدين السيادي.
تكمن أهمية هذه التشريعات في أنها لا توفر للحكومة سيولة إضافية فحسب، بل تؤسس تدريجياً لإطار متكامل لإدارة الدين والسيولة والالتزامات الحكومية، بما يسمح بتنويع مصادر التمويل والأسواق والمستثمرين وآجال الاستحقاق.
ويمكن النظر إلى التشريعات الثلاثة باعتبارها أركاناً لإطار جديد للسياسة المالية في البلاد: قانون التمويل والسيولة يوفر قناة الاقتراض المنظم، وتعديل قانون صندوق احتياطي الأجيال يضيف هامشاً استثنائياً للسيولة ضمن سقوف محددة، بينما يوسع قانون الصكوك قاعدة أدوات التمويل والمستثمرين. لكن الأثر الإيجابي على الاستدامة والتصنيف السيادي سيظل مرتبطاً بالقدرة على تحويل هذه المرونة التمويلية إلى استثمار منتج وإصلاح مالي هيكلي.
تخفيف ضغوط الميزانية
على المدى القصير، تمنح القوانين الجديدة وزارة المالية مساحة أكبر لإدارة فجوات السيولة وتمويل العجز دون الاضطرار إلى الاعتماد بصورة مباشرة على السحب من الأصول السيادية أو تأجيل الإنفاق الرأسمالي.
فقانون التمويل والسيولة أتاح إصدار أدوات مالية تصل آجالها إلى 50 عاماً، فيما يضع القانون سقفاً للدين العام عند 30 مليار دينار. أما تعديل قانون صندوق احتياطي الأجيال، فيسمح بالاقتراض منه لدعم الاحتياطي العام وفق ضوابط، من بينها ألا تتجاوز القروض السنوية 100 % من متوسط عوائد الاحتياطي خلال آخر خمس سنوات، وألا يتجاوز إجمالي القروض المتراكمة 10 % من صافي أصوله، وهذا يعني أن الحكومة باتت تمتلك خيارات ومستويات متنوعة من السيولة كالاقتراض من الأسواق، وإصدارات الصكوك، وإدارة أكثر مرونة للاحتياطي العام، إضافة إلى إمكانية استخدام جزء من عوائد الأصول السيادية ضمن الأطر القانونية المقررة. لكن هذه المرونة لا تعني أن العجز أصبح أقل أهمية إذ يظل الفرق بين الإيرادات والمصروفات هو العامل الأساسي في تحديد المسار المالي.
عوامل تدعم التصنيف
وحول انعكاسات هذه القوانين على التصنيف السيادي للبلاد، فان تنويع مصادر التمويل ووجود إطار قانوني واضح لإدارة الدين يمكن أن يدعما الجدارة الائتمانية، لأن الدولة تصبح أقل تعرضاً لمخاطر نقص السيولة أو الاعتماد على إجراء تمويلي واحد عند انخفاض أسعار النفط.
وهذا ظهر بالفعل في تقييمات وكالات التصنيف. فقد رفعت «ستاندرد آند بورز» في نوفمبر 2025 تصنيف الكويت إلى – AA مع نظرة مستقرة، وربطت بين الإصلاحات المالية وإعادة تمكين الحكومة من إصدار أدوات الدين وتنويع قاعدة التمويل وتحسين القدرة على التخطيط المالي المتوسط الأجل. في المقابل، فإن ارتفاع الدين والعجز بصورة مستمرة يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط إذا لم تصاحبه إصلاحات في هيكل الإنفاق والإيرادات. لذلك ستراقب وكالات التصنيف ليس فقط حجم الاقتراض، بل معدل نمو الدين، وتكلفة خدمته، وأغراض استخدامه، وقدرة الميزانية على توليد فوائض، ومدى استمرار الإصلاحات المالية.
تمويل مشاريع التنمية
أما الأثر الأكثر أهمية لقوانين دعم السيولة، فقد يظهر في قدرتها على حماية الإنفاق الاستثماري من دورات أسعار النفط.، اذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الكويت أعلنت استثمارات عامة كبيرة في الإسكان والكهرباء والمياه والنقل، تبلغ نحو 26 % من الناتج المحلي تراكمياً بين 2025 و2030. وبالتالي فإن توفير أدوات تمويل طويلة الأجل يمكن أن يسمح بتمويل مشاريع البنية التحتية دون تحميل الميزانية كامل التكلفة في سنة التنفيذ، خصوصاً للمشاريع التي تمتد على سنوات وتحقق عوائد اقتصادية واجتماعية طويلة الأجل.
وهنا تبرز أهمية الصكوك تحديداً؛ إذ تضيف أداة متوافقة مع الشريعة إلى منظومة التمويل السيادي، وتوسع قاعدة المستثمرين محلياً ودولياً، وتتيح للحكومة تنويع آجال ومصادر التمويل. كما أن إصدار الصكوك يمكن أن يسهم في بناء منحنى عائد سيادي إسلامي يدعم لاحقاً إصدارات الشركات والمؤسسات المالية.
فوائد اقتصادية أوسع
لا تقتصر الفوائد على تمويل الميزانية، إذ يمكن لقوانين دعم السيولة أن تدفع باتجاه تعميق السوق المالية الكويتية، فعودة الإصدارات السيادية المنتظمة توفر سعراً مرجعياً للأدوات المالية، وتساعد البنوك والشركات والمؤسسات الاستثمارية على تسعير إصداراتها، كما توفر أصولاً استثمارية جديدة أمام المؤسسات المالية والمستثمرين. ويشير صندوق النقد إلى أن سوق الدين المحلي في الكويت ما زال في مرحلة مبكرة، إذ بلغت السندات المحلية الحكومية والخاصة نحو 5 % من الناتج في 2024، مع إمكانية كبيرة لتوسعه. كما يرى أن استئناف الإصدارات السيادية يمكن أن يساعد في بناء منحنى عائد مرجعي وتنشيط السوق الثانوية. ومن هذه الزاوية، فإن قانون الصكوك لا ينبغي النظر إليه باعتباره أداة لتمويل الحكومة فقط، وإنما كجزء من بنية تحتية مالية جديدة يمكن أن توسع دور السوق المالي في تمويل الاقتصاد.
مساندة الإصلاح المالي
وعلى مدى السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، يتوقع أن تمنح القوانين الحكومة قدرة أكبر على إدارة التقلبات في أسعار النفط وتمويل المشاريع الكبرى، مع تخفيف الحاجة إلى اتخاذ قرارات مالية تحت ضغط السيولة. لكن ذلك يجب أن يتزامن مع إصلاحات في الإيرادات غير النفطية، والدعم، والإنفاق الجاري، وكفاءة المشاريع الحكومية. ويقدّر صندوق النقد أن الكويت تحتاج إلى ضبط مالي تدريجي بنحو 1 % من الناتج سنوياً على مدى العقد المقبل لتحقيق استدامة مالية طويلة الأجل. وهنا تصبح قوانين «الدين العام» «السحب من صندوق الاحتياطي العام» و«الصكوك» أدوات مساندة للإصلاح المالي وليست بديلاً عنه. اما على المدى الطويل، قد تكون القيمة الأكبر لهذه التشريعات في تغيير طريقة إدارة الثروة النفطية نفسها.
فبدلاً من ارتباط الإنفاق السنوي بصورة مباشرة بتقلبات أسعار النفط، يمكن للدولة بناء استراتيجية تمويل متعددة السنوات تقوم على مزيج من الإيرادات النفطية وغير النفطية، والعوائد الاستثمارية، وإصدارات الدين والصكوك، والشراكات مع القطاع الخاص. وهذا التحول من شأنه أن يدعم رؤية الكويت 2035 إذا ارتبط بزيادة الاستثمار المنتج وتنمية القطاعات غير النفطية. لكن نجاح النموذج يتطلب الحفاظ على معادلة دقيقة: زيادة المرونة التمويلية من دون تحويلها إلى توسع دائم في الاقتراض، وحماية أصول الأجيال القادمة مع الاستفادة من قوة المركز المالي للدولة، وتوجيه الدين نحو الاستثمار وليس الاستهلاك.
