بريكست بعد عشر سنوات: بريطانيا استعادت السّيطرة… وخسرت اليقين
(النهار)-24/06/2026
في صباح 24 حزيران/يونيو 2016، استيقظت بريطانيا على بلد آخر. الجنيه انهار، الأسواق ارتجفت، ديفيد كاميرون خرج من داوننغ ستريت معلناً نهاية
مغامرة سياسية ظن أنها ستنقذ حزبه فإذا بها فتحت واحدة من أطول أزمات المملكة المتحدة الحديثة. كان الشعار بسيطاً وقوياً: استعادة السيطرة. السيطرة على الحدود، على المال، على القوانين، وعلى مستقبل تجاري أكثر حرية خارج الاتحاد الأوروبي. بعد عشر سنوات، يبدو السؤال أكثر قسوة: هل استعادت بريطانيا السيطرة فعلاًً، أم اكتشفت أن الخروج من أوروبا كان أسهل كثيراً من بناء بديل مقنع؟
لم يكن بريكست مجرد تصويت على علاقة قانونية مع بروكسل. كان تصويتاً على هوية بلد، وعلى غضب مناطق شعرت بأنها متروكة، وعلى وعد بأن السيادة ستتحول سريعاً إلى ازدهار. لكن العقد الذي تلى الاستفتاء كشف فجوة واسعة بين الخطاب والنتائج. الاقتصاد نما ببطء، الاستثمار تعثر، التجارة أصبحت أثقل، الهجرة لم تنخفض كما وُعد الناخبون، والجنيه لم يستعد قوته القديمة. أما السياسة، فقد تحولت إلى كراسيّ أسرع مما اعتادت لرؤساء الحكومات، حتى بدت بريطانيا وكأنها خرجت من اتحاد خارجي لتدخل في أزمة داخلية لا تنتهي.
ليلة غيّرت مسار المملكة المتحدة
في 23 حزيران/ يونيو 2016، صوّت البريطانيون بفارق ضيق لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي. النتيجة كانت 51.9% للخروج مقابل 48.1% للبقاء. إنكلترا وويلز منحتا معسكر المغادرة الزخم الأكبر، فيما صوّتت اسكتلندا وإيرلندا الشمالية بأغلبية واضحة للبقاء. منذ اللحظة الأولى، لم يكن التصويت موحداً بقدر ما كان كاشفاً لانقسام جغرافي وسياسي واجتماعي عميق.
المدن الكبرى، الجامعات، الأجيال الأصغر، وقطاعات واسعة من لندن اختارت البقاء. المدن الصغيرة والمناطق الصناعية السابقة والأرياف مالت إلى الخروج. هذا الانقسام لم يختفِ بعد الاستفتاء. لقد انتقل إلى البرلمان، ثم إلى الحكومات المتعاقبة، ثم إلى الاقتصاد نفسه.
وعد الازدهار الذي تأخر كثيراً
كانت الحجة الاقتصادية لمعسكر الخروج تقوم على فكرة جذابة: التحرر من قيود بروكسل سيفتح الطريق أمام بريطانيا أكثر ديناميكية، أكثر قدرة على توقيع اتفاقيات تجارية حول العالم، وأكثر مرونة في إدارة قوانينها واقتصادها. غير أن الأرقام بعد عشر سنوات لا تمنح هذا الوعد كثيراً من المجاملة.
الاقتصاد البريطاني لم يحصل على دفعة ما بعد الخروج. بالعكس، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي كان بحلول 2025 أقل بنحو 6% إلى 8% مما كان يمكن أن يكون عليه في سيناريو البقاء داخل الاتحاد الأوروبي. كما قدّر مكتب مسؤولية الميزانية أن بريكست خفض إنتاجية البلاد بنحو 4%. هذه ليست أرقاماً صغيرة. في اقتصاد كبير مثل بريطانيا، تعني هذه النسب مئات المليارات من الجنيهات المفقودة عبر سنوات، وأجوراً أبطأ نمواًً، وحيزاً مالياً أضيق للحكومة.
الناتج المحلي الحقيقي للفرد تأخر أيضاً مقارنة بالاتحاد الأوروبي. فبعدما كان مؤيدو الخروج يتحدثون عن انطلاقة بريطانية مستقلة، وجدت البلاد نفسها متخلفة بنحو خمس نقاط قياسية عن الاتحاد الأوروبي على أساس 2016. أما التوقعات للسنوات بين 2026 و2030 فتشير إلى نمو سنوي متوسط يقارب 1.3%، وهو رقم لا يشبه اقتصاداً خرج كي يتحرر، بل اقتصاداً يحاول التكيف مع تكلفة إعادة رسم حدوده التجارية.
الاستثمار دفع ثمن الضباب
أحد أكثر آثار بريكست عمقاً لم يظهر في الموانئ فقط، ولا في قيمة الجنيه وحدها، بل في قرارات الشركات. الاستثمار يحب الوضوح، وبريطانيا أعطته عقداً من الأسئلة. أي قواعد ستنظم التجارة؟ ما موقع لندن المالي؟ كيف ستُعامل البضائع؟ ماذا عن العمالة الأوروبية؟ وهل ستكون العلاقة مع بروكسل مستقرة أم عرضة للتوتر السياسي المستمر؟
هذه الأسئلة لم تبقَ في غرف الاجتماعات. تحولت إلى تأجيل، ونقل بعض العمليات إلى القارة الأوروبية، وتردد في ضخ رأس مال جديد. تشير بعض الدراسات إلى أن استثمارات الشركات جاءت أقل بنحو 12% إلى 18% مقارنة بما كان يمكن أن يحدث من دون بريكست. هذا النزف الهادئ في الاستثمار قد يكون أخطر من هبوط مفاجئ في سوق الأسهم، لأنه يضرب القدرة الإنتاجية للبلد على مدى طويل.
الشركات الكبرى استطاعت امتصاص جزء من التكلفة. أما الشركات الصغيرة، خاصة تلك التي كانت تبيع إلى الاتحاد الأوروبي بسهولة داخل السوق الموحدة، فقد وجدت نفسها أمام أوراق وشهادات وفحوصات ورسوم امتثال لم تكن موجودة سابقاً. هنا لم يعد الحديث عن سيادة نظرية، بل عن صندوق صغير في مدينة بريطانية لا يعرف إن كان تصدير منتجاته إلى فرنسا أو ألمانيا يستحق كل هذا العناء.
الجنيه… الاستفتاء الذي لم ينتهِ في سوق الصرف
من بين كل المؤشرات، ربما كان الجنيه الأكثر صراحة منذ الليلة الأولى. مع ظهور نتيجة الاستفتاء، هبطت العملة البريطانية بأكثر من 10% أمام الدولار، من نحو 1.48 دولار إلى مستويات قرب 1.32 دولار. كان ذلك أحد أكبر الهبوطات اليومية في تاريخ الجنيه الحديث، ورسالة واضحة من الأسواق بأن القرار سيحمل ثمناً.
بعد عشر سنوات، لم يعد الجنيه إلى مستوياته السابقة للاستفتاء أمام الدولار أو اليورو. تشير بيانات السوق إلى أن العملة البريطانية تحركت غالباً قرب 10% دون قيمتها في يونيو 2016. كما بلغ متوسط سعر الجنيه مقابل اليورو نحو 1.16 يورو منذ الاستفتاء، مقارنة بنحو 1.27 يورو في العقد السابق له، مع قضاء العملة معظم الفترة دون مستوى 1.20 يورو.
العملة الضعيفة قد تساعد المصدرين نظرياً، لكنها في بريطانيا حملت كلفة معيشية مباشرة. بلد يستورد قدراً كبيراً من غذائه وطاقته ومواده الأولية لا يستطيع التعامل مع ضعف العملة كميزة صافية. الجنيه الأضعف جعل الواردات أكثر تكلفة، وأضاف طبقة جديدة إلى أزمة الأسعار التي انفجرت لاحقاً مع الجائحة وحرب أوكرانيا وارتفاع الطاقة.
الهجرة: السيطرة التي جاءت بنتيجة معاكسة
كانت الهجرة في قلب حملة الخروج. الوعد كان واضحاً: إنهاء حرية الحركة مع الاتحاد الأوروبي سيعيد للحكومة البريطانية سيطرتها على الحدود. من الناحية القانونية، حدث ذلك. حرية الحركة انتهت، ونظام النقاط حل محلها، والهجرة الصافية من الاتحاد الأوروبي تحولت إلى رقم سلبي بحلول 2022، أي أن عدد الأوروبيين المغادرين أصبح أكبر من القادمين.
لكن الصورة الكاملة لم تخدم الوعد السياسي. انخفاض الهجرة الأوروبية تزامن مع قفزة في الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي. نقص العمالة، الحاجة إلى موظفين في قطاعات الصحة والرعاية والتعليم، ارتفاع أعداد الطلاب الدوليين، وبرامج التأشيرات الطارئة لأوكرانيا وغيرها، كلها دفعت أرقام الهجرة الإجمالية إلى مستويات قياسية في 2023. ثم جاءت القواعد الأكثر تشدداً في 2025 لتخفض الأرقام، لكنها بقيت أعلى مما كانت عليه قبل بريكست.
هذا ليس تفصيلاً هامشياً. إنه يكشف أحد تناقضات الخروج الكبرى. بريطانيا خرجت من نظام أوروبي للهجرة، ثم احتاج اقتصادها إلى عمالة من أماكن أخرى. النتيجة أن السيطرة تغيرت في الشكل، فيما لم يتحقق الهدف الشعبي المعلن بخفض الهجرة بصورة حاسمة ومستقرة.
القوانين عادت إلى لندن… لكن التغيير أبطأ من الحلم
من الوعود المركزية أيضاً أن بريطانيا ستستعيد قوانينها. تقنياً، خرجت آلاف القواعد الأوروبية من سلطة بروكسل ودخلت إلى يد البرلمان البريطاني. لكن العملية كانت أعقد بكثير من الخطاب. بعد الخروج، جرى نسخ نحو 6,800 قاعدة أوروبية إلى القانون البريطاني لتجنب فراغ قانوني. وبعد عقد تقريباً، لم يُعدّل أو يُلغَ إلا نحو الثلث.
نعم، استطاعت بريطانيا تمرير قوانين لم تكن قادرة على تطبيقها وهي عضو في الاتحاد، مثل حظر تصدير الحيوانات الحية للذبح، واستعادة السيطرة على المياه الإقليمية خارج سياسة الصيد الأوروبية المشتركة، وإلغاء ضريبة القيمة المضافة على منتجات صحية نسائية. هذه إنجازات رمزية ومحددة. لكنها لا تشكل حتى الآن الثورة التشريعية التي تخيلها كثيرون عام 2016.
الواقع أن فك الارتباط القانوني عن أوروبا يشبه تفكيك شبكة كهرباء في مدينة كبيرة. يمكنك فصل الأسلاك نظرياً، لكن كل سلك يقود إلى تكلفة ومصلحة وقطاع ومستهلك وشركة. ولهذا تحركت بريطانيا بحذر أكبر بكثير مما أوحت به شعارات الحملة.
بورصة لندن وسوقان داخل سوق واحد
في سوق الأسهم، كان أثر بريكست أقل صخباً من الجنيه، لكنه أكثر دلالة. مؤشر فوتسي 100، المكوّن من شركات كبرى ذات إيرادات عالمية، صمد نسبياً واستفاد من ضعف الجنيه ومن انكشافه الدولي. أما فوتسي 250، الأقرب إلى الاقتصاد المحلي البريطاني، فقد عكس صورة أكثر تعباً للشركات المرتبطة بالطلب الداخلي وكلفة التمويل وثقة المستثمرين.
الفجوة بين المؤشرين تقول الكثير. الشركات البريطانية العالمية استطاعت الاحتماء بإيراداتها الخارجية، أما الشركات المحلية فقد بقيت أكثر تعرضاً لضعف العملة، وارتفاع الكلفة، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالمقارنة مع الأسواق الأميركية التي استفادت من موجة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تبدو سوق لندن أقل حيوية وأقل قدرة على إنتاج جيل جديد من الشركات القيادية.
بعد عشر سنوات، لم تعد مشكلة بريطانيا في أنها خرجت من الاتحاد فقط، بل في أنها لم تبنِ بعد قصة نمو جديدة تقنع رأس المال العالمي بأن لندن ما زالت المكان الأفضل للمخاطرة طويلة الأجل.
سياسة بلا استقرار
سياسياً، كان بريكست زلزالاً لم تتوقف ارتداداته. كاميرون استقال صباح النتيجة. تيريزا ماي حاولت تمرير اتفاقها ثلاث مرات وفشلت. بوريس جونسون أنجز الخروج رسمياً في 2020، لكنه لم ينهِ الصراع حول معناه. بعد ذلك، توالت الحكومات بسرعة. لم يستمر أي رئيس وزراء منذ الاستفتاء أكثر من ثلاث سنوات، ووصلت إحدى الحكومات إلى نهايتها بعد 49 يوماً فقط.
المفارقة أن القرار الذي رُوّج له كطريق لاستعادة القرار الوطني جعل السياسة البريطانية أكثر هشاشة. كل حكومة جاءت وهي تحمل تفسيراً مختلفاً لبريكست: خروج صارم، خروج عملي، تقارب مع أوروبا، أو محاولة لتجاوز الملف. لكن الملف لم يتجاوز أحداً. بقي حاضراً في التجارة، والهجرة، واسكتلندا، وإيرلندا الشمالية، والمالية العامة، وحتى في هوية حزب المحافظين نفسه.
ومع وصول البلاد إلى الحديث عن سابع رئيس وزراء خلال عقد، يصبح من الصعب اعتبار بريكست فصلاً مغلقاً. إنه ما زال يتحرك داخل النظام السياسي البريطاني، كجرح لم يلتئم تماماً.
بريكست… عقد من السيطرة المكلفة
بعد عقد كامل، يمكن القول إن بريطانيا استعادت كثيراً من السلطات الرسمية التي أرادها أنصار الخروج. استعادت حق وضع قواعد الهجرة، ووقعت اتفاقات تجارية، ونقلت قوانين كثيرة من بروكسل إلى لندن. لكن السؤال الأهم لم يكن يوماً عن عدد الصلاحيات التي عادت، بل عن الثمن الذي دُفع مقابلها.
النمو أضعف، الاستثمار أقل، التجارة أثقل، الجنيه أضعف، السياسة أكثر اضطراباً، والهجرة لم تنخفض كما وُعد الناخبون. هذه ليست نهاية بريطانيا، ولا تعني أن الخروج لا يمكن إدارته بطريقة أفضل في المستقبل. لكنها تقول إن الشعارات الكبرى حين تصطدم بالاقتصاد الحقيقي تصبح أكثر تواضعاً.
بريكست وعد البريطانيين بأن السيطرة ستفتح الباب أمام ازدهار جديد. بعد عشر سنوات، تبدو البلاد أكثر سيطرة على بعض أدواتها، وأقل ثقة في الاتجاه الذي تستخدمها نحوه. وربما تكون هذه هي خلاصة العقد كله: الخروج من الاتحاد كان قراراً سياسياً، أما كلفته فكانت اقتصادية ومؤسسية ونفسية. والبلد الذي أراد أن يغلق صفحة أوروبا اكتشف أن أوروبا لم تكن صفحة في كتابه، بل جزءاً من بنيته اليومية العميقة.
