صندوق النقد يُعطّل الإصلاح المصرفي… فهل بدأت الوصاية المالية هرباً من البرنامج مع لبنان؟
(النهار)-24/06/2026
أثار الموقف الأخير لصندوق النقد الدولي من التعديلات التي أقرتها الحكومة على قانون إصلاح المصارف تمهيداً لإحالتها على لجنة المال والموازنة لدرسها ورفعها إلى الهيئة العامة للمجلس، علامات استفهام كبيرة حول النيات المبيتة لديه وراء رفض الصيغة المتوافق عليها لبنانياً، بعدما كان وراء المطالبة بها، رغم إقرار القانون في المجلس في آب ٢٠٢٥، ما أعاد فتح الباب أمام إعادة درسه وفقاً لما طلبه الصندوق.
فبعدما تم التوصل إلى توافق بين مجلس الوزراء ومصرف لبنان على الصياغة النهائية للمادتين الثالثة (أدوات معالجة وضع المصارف المتعثرة) والثالثة عشرة (صلاحيات الهيئة المصرفية العليا)، وبعدما دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى اجتماع ضم الأطراف المعنية وتم خلاله التوصل إلى صيغة توافقية حظيت بموافقته الشخصية، وبعدما أبلغ مجلس الوزراء لجنة المال والموازنة النيابية بهذا الاتفاق، وأبلغ وزير المال رئيس الجمهورية بتحقيق الإنجاز، عاد صندوق النقد الدولي ليرفض- من دون أي مبرر أو تفسير مقنع- الصيغة التوافقية، علماً أنها لا تمس جوهر المادتين ولا تعدّل مضمونهما، بل تقتصر على تحسين الصياغة بما يضمن انسجامها مع القوانين اللبنانية النافذة.
وقد أضعف هذا الموقف وزير المال بسبب العجز عن الدفاع عن التوافق أو التمسك به، واضطراره إلى إبلاغ لجنة المال والموازنة برفض الصندوق للصيغة التي تم إقرارها، ما أدى الى ترحيل البحث في هاتين المادتين في جلسة اللجنة، بعدما اشترط رئيسها النائب إبرهيم كنعان أن يتسلم رأي الصندوق الجديد والصيغة المشتركة التي أقرتها، علماً أن وزير المال أبلغ إلى كنعان أنه أرسل الكتابين إلى اللجنة ويفترض أن يكونا في بريدها الآن.
حجم الوصاية
مصادر وزارية تعبّر عن استيائها من هذا الموقف، وترى أن هذا النهج يعكس بوضوح حجم الوصاية التي يسعى الصندوق إلى فرضها على مسار التشريع في لبنان، في حين أن دوره، من الناحية القانونية والمؤسسية، يقتصر على إبداء الملاحظات وإسداء المشورة الفنية، لا على صياغة النصوص القانونية أو فرضها، ولا على نسف أي تفاهم أو توافق تم التوصل إليه بين مجلس الوزراء ومصرف لبنان، وأُبلغ إلى السلطة التشريعية وفقاً للأصول الدستورية.
وتلاحظ أن هذا السلوك يشي بأن صندوق النقد لا يكتفي بتقديم الرأي الفني، بل يسعى إلى فرض رؤيته الخاصة للإصلاح، بمعزل عن القوانين والأنظمة اللبنانية المرعية، وبعيداً من أي اعتبار للتعاون المؤسسي بين مجلس الوزراء ومصرف لبنان ومجلس النواب.
والأخطر في رأيها، أن هذا النهج يوحي بوجود أجندة غير معلنة تهدف إلى إضعاف البنية المؤسسية لمصرف لبنان، وتفتيت مراكز القرار داخله، والحد من استقلالية مؤسساته، عبر استحداث هيئات جديدة وزيادة عدد السلطات المتداخلة في الصلاحيات، بما يؤدي إلى تشتيت المسؤوليات، وإضعاف وحدة القرار، وتذويب المساءلة الواضحة التي تشكل ركناً أساسياً في حسن إدارة أي مؤسسة عامة، ولا سيما المصارف المركزية التي تقوم فاعليتها على وضوح التسلسل الإداري ووحدة المسؤولية والقرار.
سياق سياسي
تستغرب المصادر سلوك الصندوق الذي دأب عليه منذ الانهيار المالي عام 2019 بالاعتراض والتحفظ بعد إعلان موافقته، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت هذه الاعتراضات تصب في سياق سياسي في ظل الضغوط الخارجية التي تمارس على لبنان، بحيث يتم تأخير إقرار الاتفاق بين الحكومة والصندوق، رغم تنفيذ لبنان كل شروط الصندوق وطلباته والتعديلات التي يقترحها على قوانين أصبحت نافذة، كما يحصل الآن في قانون الإصلاح المصرفي أو كما حصل سابقاً بعد إقرار قانون السرية المصرفية، على نحو يجعل من الصندوق شريكاً في العمل التشريعي وصولاً إلى أن يكون وصياً على القرارات الحكومية والقوانين القائمة.
وترى أن على لبنان عدم الانصياع لهذه الشروط، وإبلاغ الصندوق بضرورة احترام سيادته على قراراته وقوانينه، خصوصاً أنها لا تتعارض مع ما يطالب به، وإبلاغ لبنان كذلك النية الواضحة بأي قرار يتعلق برفض أي اتفاق على برنامج معه، لأن ممارسات الصندوق تدل على أنه يعوق البرنامج بسبب عجزه عن التراجع عنه، إلا إذا طلب لبنان ذلك!
