ما أبرز العوامل التي يمكن أن تفضي إلى أزمة مالية عالمية جديدة؟
(البيان)-22/04/2026
عندما ألقى جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كلمة أمام طلاب الاقتصاد في جامعة هارفارد أواخر مارس، كان من أبرز الأسئلة التي وجهت له حول أكثر العوامل التي يرجح أن تدفع النظام المالي العالمي إلى أزمة أخرى.
لقد فاجأت إجاباته كثيراً من الطلاب، فبينما كان العديد من المعلقين يشيرون إلى مخاطر الصراع في الشرق الأوسط أو التوترات في أسواق الائتمان الخاصة، بدا باول أكثر قلقاً بشأن الارتفاع الهائل في مستوى الدين الحكومي الأمريكي. وقال: «لن ينتهي هذا الأمر على خير إذا لم نتحرك سريعاً».
لقد بلغ الدين القومي الأمريكي 39 تريليون دولار في مارس، أي ما يعادل 125 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أكثر من ضعف ما كان عليه في عام 2007 عندما كان يمثل 60 % من الناتج الاقتصادي، وذلك بسبب سنوات من العجز المرتفع في الميزانية لتمويل التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق.
وتعاني اقتصادات متقدمة أخرى من مديونية أكبر من الولايات المتحدة، مثل إيطاليا التي يبلغ اقتراضها القومي 137 % من الناتج المحلي الإجمالي، أو اليابان التي تتجاوز 230 % من الناتج المحلي الإجمالي. لكن باول قال إن قلقه لا ينصبّ على مستوى الدين الحكومي الأمريكي، بل على ارتفاعه المطرد الذي يبدو حتمياً. وأضاف: «لا أعتقد أننا ندرك هذا الرقم جيداً. وصحيح أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي قد تشكل مشكلة، لكن من الواضح أن الدين الحكومي الفيدرالي ينمو بوتيرة أسرع بكثير من نمو الاقتصاد، وهذا هو تعريف عدم الاستدامة».
تشير جميع الدلائل إلى أن الديون الأمريكية ستستمر في الارتفاع بوتيرة متسارعة، بعد أن قدم الرئيس دونالد ترامب مؤخراً إلى الكونغرس خططاً لزيادة ميزانية الدفاع بنسبة 50 % لتصل إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027. وإذا استمر الدين الأمريكي في التزايد، فسيأتي وقت يصبح فيه المستثمرون معرضين لتداعيات التشكيك في مكانة الدولار وسندات الخزانة كملاذ آمن، بعد أن ظلا لسنوات طويلة ركيزة النظام المالي العالمي.
يقول أندرو ميتريك، الأستاذ في كلية الإدارة بجامعة ييل، والذي يركز في بحث له على الاستقرار المالي: «في نهاية المطاف، ستحدث أزمة يعلن فيها العالم أن الأصول الآمنة لم تعد تعتبر آمنة بالمرة، وهذا هو حال الديون السيادية المقومة بالدولار الأمريكي». «وإذا حدث ذلك، فلن نملك الأدوات اللازمة للتعامل معه. هذا هو الخطر الأكبر».
وقد أدّت المخاوف بشأن تأثير حرب إيران على الوضع المالي للولايات المتحدة، واحتمالية حدوث صدمة في قطاع الطاقة تجبر الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة، إلى ارتفاع حاد في عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل خلال الشهر الماضي.
ويوضح أندرو ميتريك قائلاً: «نشهد ارتفاعاً جديداً في عوائد سندات الخزانة. ومن الواضح أننا لا نستطيع الاستمرار في الاقتراض بلا هوادة. وسيأتي وقت تقول فيه الأسواق: كفى!».
ويخشى مسؤولو البنوك المركزية حول العالم أن يتسبب الصراع في الشرق الأوسط في صدمة طويلة الأمد في إمدادات النفط، مما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى فترة من الركود التضخمي، في حين سيرفع صناع السياسات تكاليف الاقتراض لمواجهة التضخم المتزايد، حتى مع تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل كبير.
وبالفعل، فقد حذر بنك إنجلترا مؤخراً من أن الصراع في الشرق الأوسط «فاقم من توقعات الديون السيادية عالمياً، نظراً لقدرته على التأثير سلباً على النمو، ورفع أسعار الفائدة، وزيادة ضغوط الإنفاق». وأضاف تقرير للبنط إن هذا قد «يُقيد قدرة الحكومات على الاستجابة للصدمات المستقبلية وتفاقم مواطن الضعف في أسواق الدين السيادي».
من جانبه، حذّر المجلس الأوروبي للمخاطر النظامية، الذي يرصد التهديدات التي تواجه النظام المالي للاتحاد الأوروبي، الشهر الماضي من أن استمرار الصراع الإيراني لفترة طويلة قد يؤدي إلى «تصحيحات حادة وغير منتظمة في أسعار الأصول».
وأضاف المجلس، الذي ترأسه رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، إن هذا قد يؤدي إلى «مزيد من التشديد بشروط التمويل». وذكر أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي ونظامه المالي أثبتا حتى الآن مرونةً، لكن «مواطن الضعف في قطاع صناديق الاستثمار» قد تُفاقم الضغوط السوقية من خلال «عمليات بيع الأصول القسرية، وضغوط السيولة، والسلوكيات الدورية».
وبموازاة ذلك، تتزايد المخاوف بشأن قطاع الائتمان الخاص الذي تبلغ قيمته 1.8 تريليون دولار، حيث اضطرت العديد من الصناديق الأمريكية الكبرى إلى تقييد حجم الأموال التي يمكن للمستثمرين سحبها بعد ارتفاع طلبات الاسترداد بسبب المخاوف من تزايد الخسائر في القروض المقدمة للشركات المثقلة بالديون.
وقال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورغان تشيس، في رسالته السنوية إلى المساهمين: «أعتقد أنه عندما نشهد دورة ائتمانية، وهو أمر لا مفر منه، ستكون الخسائر في جميع عمليات الإقراض بالرافعة المالية أعلى من المتوقع، قياساً بالظروف الراهنة. ويعود ذلك إلى التراجع الطفيف في معايير الائتمان بشكل عام».
لكن باول قلل، من جانبه، من شأن مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن الائتمان الخاص عندما سأله عنها طالب اقتصاد من جامعة هارفارد. وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي: «نحن نبحث عن أي صلة بالنظام المصرفي وأي مؤشرات قد تؤدي إلى عدوى اقتصادية. ولا نرى أياً منها حالياً. ما نراه هو تصحيح جار. وبالتأكيد سيخسر البعض أموالهم، وما إلى ذلك. لكن لا يبدو أن هناك ما ينذر بحدث نظامي أوسع نطاقاً».
ويرى جون دانييلسون، أستاذ المالية في كلية لندن للاقتصاد، أن خضوع سوق الائتمان الخاص لمراقبة الجهات التنظيمية لعدة سنوات قد يقلل أيضاً من احتمالية أن يكون سبباً للأزمة القادمة. وبدلاً من ذلك، قد يأتي التهديد التالي من التكنولوجيا الحديثة، خاصة في ظل تسابق المؤسسات المالية للاستفادة من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، ووفقاً لدانييلسون الذي يحذر من أن الاستخدام الواسع النطاق للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي قد يُسرّع من وتيرة الصدمات، ويُصعّب على الجهات التنظيمية مواكبة التطورات.
ويضيف دانييلسون: «تستخدم البنوك الذكاء الاصطناعي لإدارة وظائف الخزينة والسيولة، حيث تُقيّم مدى خطورة الحدث عند وقوع الصدمة، وتحدد الإجراءات اللازمة، ثم يبدأ سباق محموم للاستجابة، مما يزيد من إمكانية أن تحدث الأزمة التالية بوتيرة أسرع بكثير. في الوقت نفسه، ستظل البنوك المركزية والجهات التنظيمية تُجري اتصالات واجتماعات مع المعنيين، ما سيؤدي إلى تباطؤ كبير في الاستجابة».
