هل يُغيّر البنك المركزي الأوروبي نهجه بشأن اليورو الرقمي المتأخر؟
(البيان)-12/05/2026
«إذا أردت أن تبقى الأمور على حالها، فلا بدّ أن تتغير» – هذا ما كتبه جوزيبي توماسي دي لامبيدوزا في روايته «الفهد»، متحدثاً عن التقاليد الأرستقراطية التي أصبحت مهددة جراء غزو غاريبالدي لجنوب إيطاليا. ويتردد صدى الدرس الخالد للرواية – وهو أن الدفاع الفعال عن الوضع الراهن غالباً ما يتطلب برنامج تغيير ذكي – في مشاريع أنظمة الدفع الأخيرة للبنك المركزي الأوروبي.
تجمع هذه المشاريع بين خصائص التسوية بعملة البنك المركزي – وهي الركيزة الأساسية التي اعتمدت عليها الأنظمة النقدية لأكثر من قرن – والتكنولوجيا المتطورة حيث يتم رصد المعاملات في سجلات رقمية مشتركة أو موزعة.
وتحمل مشاريع البنك المركزي الأوروبي، التي تحمل أسماء تُذكّر بالجسور الرومانية «بونتيس» والطرق الرومانية (أبيا)، وعداً بتقديم نموذج للتبادل المالي في أماكن أخرى من العالم.
وكان البنك المركزي الأوروبي شرع في التخطيط لإصلاح نظام المدفوعات في عام 2019، عقب محاولة فيسبوك الفاشلة لإطلاق العملة العالمية «ليبرا». وتمحور البرنامج الرئيسي للبنك حول اليورو الرقمي، وهي عملة رقمية تصدر عن البنك المركزي مخصصة للأفراد. ويختلف هذا عن التطبيقات الخاصة الموجودة حالياً في أن الأفراد العاديين سيُجرون معاملاتهم في دفاتر البنك المركزي بدلاً من دفاتر البنوك التجارية.
ويرى مؤيدو اليورو الرقمي بأن الأمان الإضافي لتسوية البنك المركزي من شأنه أن يجعل العملة جذابة، ويُساعد في حماية سيادة منطقة اليورو من النفوذ المُهيمن للشركات الأمريكية الكبرى مثل فيزا وماستركارد. لكن منذ البداية، واجه اليورو الرقمي مقاومة من القطاع المصرفي.
والمشكلة الكبرى تكمن في أنه يصعب إيجاد مبرر مقنع لاستخدام اليورو الرقمي: فالناس مرتاحون لترتيبات الدفع الحالية التي تتسم بالفعالية من حيث التكلفة والأمان. كما أن هناك مخاوف من أن يُؤدي اليورو الرقمي إلى مشاكل، ويخل بالوساطة المصرفية، وهو ما يمكن أن يُؤثر سلباً على المعروض الائتماني والاستقرار المالي. وأخيراً وليس آخراً، فقد أُثيرت مخاوف من أن يُؤدي اليورو الرقمي إلى اختفاء النقد، ما يُفضي إلى فقدان الخصوصية.
وسواء كانت هذه المخاوف وجيهة أم لا، فقد أسهمت في إبطاء إصدار اليورو الرقمي. وبعد ست سنوات من وضع خارطة الطريق الأولى، لا تزال الاستعدادات التقنية جارية في البنك المركزي الأوروبي لإطلاق محتمل بعد ثلاث سنوات. ويُعدّ مثل هذا الإطار الزمني بطيئًا للغاية مقارنة بالوتيرة المتسارعة للابتكار في مجال التكنولوجيا المالية. ولذلك، فإنه إذا ما صدر قرار إيجابي في نهاية المطاف، فإن اليورو الرقمي مُعرّض لأن يكون قديماً قبل أن يُولد.
وفي هذه الأثناء، تفتح تقنيات السجلات الموزعة التي تدعم العملات المستقرة وغيرها من الأدوات المُرمّزة آفاقاً جديدة تماماً في مجال التمويل. وبعد أن كانت مقتصرة في الأصل على مجال العملات المشفرة، باتت تطبيقات تقنية السجلات الموزعة قيد الاستكشاف الآن من قِبل البنوك ومُقدّمي خدمات الدفع الآخرين. وتدعم التطبيقات الواعدة مدفوعات الجملة، لا مدفوعات التجزئة.
لقد أدرك البنك المركزي الأوروبي أن فوائد تطبيقات تقنية السجلات الموزعة تتحقق على أفضل وجه عند دمجها مع الأمان الذي توفره التسوية بأموال البنك المركزي. وهنا تبرز أهمية المشاريع الجديدة. فمشروع «بونتيس»، الذي سيبدأ كبرنامج تجريبي في سبتمبر، يُضيف طبقة من تقنية السجلات الموزعة إلى «تارجت»، وهي البنية التحتية الخاصة بالدفع بين البنوك المركزية. وسيسمح ذلك بتسوية المعاملات بالأصول الرقمية بين هذه الأطراف. والنتيجة المثيرة للاهتمام هي مفارقة ظاهرية – هيكل تبادل نقدي موزع ولكنه مركزي.
تمتد رؤية البنك المركزي الأوروبي طويلة الأجل، المعروفة باسم «أبيا»، بهيكل مماثل ليشمل جميع البورصات المالية بالجملة. وقد منح البنك المركزي الأوروبي نفسه مهلة حتى عام 2028 لدراسة المشروع والتشاور مع أصحاب المصلحة. هذا التمديد ليس بديهيًا. كما أن هناك بعض المخاطر التي يجب معالجتها، فعلى سبيل المثال، يضاعف منح البنك المركزي إمكانية الوصول إلى جميع المشاركين في أسواق المال بالجملة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي عند حدوث أية أزمة نظامية. علاوة على ذلك، سيصبح البنك المركزي الأوروبي نفسه مزوداً للبنية التحتية للسوق، وهو مجال كان حتى الآن حكراًعلى القطاع الخاص. وقد يؤدي ذلك إلى طمس الحدود وتشويش مجالات كان من المفترض أن تبقى منفصلة.
فهل يمكن أن تكون الجسور والقنوات التي يبنيها البنك المركزي الأوروبي مفتاحًا لدمج العملات الرقمية مع التمويل التقليدي؟ الاحتمالات صعبة، والمخاطر كبيرة، والهدف طموح. والبنك المركزي محق في تحويل تركيزه بشكل أكبر إلى أسواق الجملة. وهذا يطرح السؤال: أين سيبقى اليورو الرقمي؟
رسمياً، لا يزال البنك المركزي الأوروبي نشطاً على كلتا الجبهتين. ولكن كما تعلمنا من جون ماينارد كينز، فإن تبني الأفكار الجديدة يكون دائماً أسهل بكثير من التخلص من الأفكار القديمة.
