7 تريليونات دولار تحت رحمة رئيس الفيدرالي الجديد
(البيان)-03/07/2026
بعد استقالته من مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي عام 2011، كرّس كيفين وارش الكثير من وقته وطاقته، لتوجيه انتقادات حادة للمؤسسة التي كان يعمل فيها. والآن، وبعد سنوات قضاها بعيداً عن أروقة السلطة، سُلمت إليه مفاتيح القيادة.
بالتالي ليس من المستغرب أن تجد الأسواق المالية صعوبة اليوم في توقع طبيعة السياسة التي سينتهجها كرئيس للمجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ إذ إن التنديد بأخطاء الآخرين وإطلاق الانتقادات من بعيد أمر، وتحمل أعباء القيادة ومسؤولياتها أمر آخر تماماً.
وفي هذا السياق، يبرز سؤالان يثيران الكثير من الاهتمام والجدل؛ الأول هو: هل سينصاع وارش لإرادة دونالد ترامب، الذي عيّنه في منصبه ويتوق دائماً لرؤية أسعار فائدة منخفضة؟ والثاني: هل ستفتح رغبة وارش في إرساء نهج أكثر هدوءاً وغموضاً الباب أمام تقلبات سوقية خطيرة؟
الواقع أن الأمرين لا يدعوان إلى الكثير من القلق؛ فقد حاول ترامب من قبل ممارسة الضغوط وترهيب رئيس الفيدرالي السابق، جيه باول، وفشل في ذلك فشلاً ذريعاً. وبالنظر لتلك السابقة التاريخية، سيكون وارش في غاية الحماقة إن خاطر بسمعته ومكانته أمام التاريخ لكسب رضا رئيس في نهاية ولايته ولا يملك التجديد لنفسه.
من جهة أخرى، فمن المبالغة أن نجزم بوجود أهمية فعلية لما يعرف بـ «التوقعات المستقبلية» للفيدرالي، لأن السياسات التي يتم اتخاذها بالفعل هي التي تصرخ بصوت عال في الأسواق، بينما تظل التوقعات مجرد همس غالباً ما يتم تجاهله.
أما الأمر الأكثر أهمية وتأثيرا، خصوصاً على الأسواق المالية، فهو رؤية وارش وموقفه من الميزانية العمومية الضخمة للفيدرالي، التي تبلغ 7 تريليونات دولار.
فقد كانت شكوكه العميقة بشأن استمرار سياسة «التيسير الكمي»، وهي قيام البنك المركزي بشراء السندات الحكومية لتهدئة الأسواق ودعم الطلب، جزءاً من الأسباب التي دعته لمغادرة الفيدرالي قبل 15 عاماً.
وهو لا يزال حتى اليوم يمقت تضخم هذه الميزانية العمومية. ويرجع ذلك أساساً لقناعته بأنها تشجع على تفاقم العجز المالي للحكومة.
وقد صرح العام الماضي بأن صناع السياسة وجدوا أن تخصيص الأموال والإنفاق أسهل بكثير من أي إجراء آخر، لمعرفتهم أن تمويل الحكومة سيحظى بدعم ورعاية البنك المركزي. ما جعل من غير الواضح ما إذا كانت السياسة النقدية خاضعة للسياسة المالية أم موجهة لها. وأنه يرى في ذلك خطراً يهدد بتحول البنك المركزي إلى الحكم النهائي والفيصل في السياسة المالية للدولة.
وملخص هذه الحجة هو أن الميزانية العمومية الضخمة للفيدرالي تؤدي إلى خفض أسعار الفائدة، وأن أسعار الفائدة المنخفضة تشجع على الإفراط في الاقتراض. وبما أن الولايات المتحدة تقترض الكثير بالفعل، فإن الميزانية العمومية بحاجة إلى تقليص حجمها للحد من التجاوزات المالية للحكومة. رغم ذلك، فإن هذه الرؤية تستدعي قدراً من التشكك والتحفظ.
لأن فكرة أن أعضاء الكونجرس كانوا ينظرون إلى سياسة التيسير الكمي ويقولون بحماسة لنقترض المزيد هي فكرة تفتقر إلى الواقعية. فكم عدد أعضاء لجان المخصصات المالية الذين يمكنهم شرح حتى الخطوط العريضة لآليات عمل الميزانية العمومية للفيدرالي؟ من المرجح أن النتيجة تقترب من الصفر. لكن وارش لا يحتاج بالضرورة إلى إثبات ذلك حرفياً، بل يكفيه القول إن التيسير الكمي خفض أسعار الفائدة على سندات الخزانة، ما سهل على المسؤولين المنتخبين عملية الاقتراض.
رغم ذلك، لا تتوفر أدلة قوية تثبت أن التيسير الكمي خفض أسعار الفائدة بشكل كبير بعد أوقات الأزمات الحادة في السوق. وهي الحالات التي أقر فيها وارش نفسه بأن شراء الأصول كان فكرة صائبة. لأن التأثير ربما لم يتجاوز نصف نقطة مئوية، وهو قدر غير كافٍ لإثارة حماسة أعضاء مجلس الشيوخ نحو الإنفاق.
لكننا لسنا بحاجة إلى التسليم بأن التيسير الكمي ترك بصمة كبرى على أسعار الفائدة لنتعاطف مع هذا الطرح، فأحد أهداف هذه السياسة هو تسهيل عمل الأسواق بضخ سيولة نقدية في النظام المالي.
لكن تقلبات السوق تؤدي دوراً مهماً وهو إرسال إشارات تحذيرية لصناع السياسة وللجميع بأن هناك خللاً ما، كأن تكون الديون الحكومية قد تجاوزت الحدود المقبولة. بالتالي، فإن التيسير الكمي وفيضان السيولة المصاحب له يؤديان لإغلاق نظام الإنذار المالي المبكر.
وحتى هذا التفسير اللطيف الذي يلتمس الأعذار لرؤية وارش يظل محل خلاف ونقاش. إذ ليس من البديهي وجود علاقة طردية قوية بين أزمات السوق الأمريكية والتجاوزات المالية للحكومة.
لكن إن رفضنا الربط المباشر بين التيسير الكمي والعجز المالي، فإنه يجب علينا الاتفاق مع وارش في النقطة الأوسع والأشمل، وهي أن البنك المركزي قد تحمل وابتلع الكثير من المخاطر التي ينبغي أن تظل في أيدي القطاع الخاص، ما يؤدي إلى كبت التقلبات اليومية ويشجع على الاستهتار والمخاطرة، بالتالي تخزين المخاطر وتأجيلها بدلاً من إزالتها والتخلص منها.
ومن هذا المنطلق المعتدل، فإن السعي نحو ميزانية عمومية أصغر حجماً يعد هدفاً صحيحاً ومشروعاً.
أما التخوف الأكبر فيكمن في أن التزام وارش الشديد بهذه السردية المالية المستبعدة قد يصنفه بأنه أيديولوجي ينادي بتقليص دور الحكومة، بدلاً من كونه رجلاً براغماتياً واقعياً يهدف ببساطة لإيجاد نظام مالي قادر على دعم التوظيف واستقرار الأسعار، ما قد يدفع به إلى الذهاب بعيداً وبسرعة مفرطة في هذا الاتجاه.
وعلى الجانب الآخر من الميزانية العمومية، نجد أن البنوك تمتلك أكواماً هائلة من الاحتياطيات، وهي عبارة عن أموال نقدية تحتفظ بها لدى الفيدرالي وتجني من ورائها فوائد. وتضمن هذه الاحتياطيات استمرار حركة المدفوعات والمعاملات بين البنوك والأطراف المقابلة لها بسلاسة ويسر نظراً لانخفاض تكلفة السيولة.
لكن مع انكماش الميزانية العمومية للفيدرالي وشح الاحتياطيات، ستضطر البنوك إلى دفع مبالغ أكبر للحصول على السيولة، ما يضغط على ربحيتها، وقد يدفعها ذلك إلى تقليص السيولة التي تقدمها للأطراف المتعددة في السوق، مثل صناديق الأسهم الخاصة وصناديق الائتمان الخاص.
في الوقت نفسه، ستكون هناك ضرورة للبحث عن مشترين جدد لشراء كل تلك السندات الحكومية. ونأمل أن يكون المشترون من الفئات المستقرة الذين يحتفظون بها لآجال طويلة، بدءاً من الصناديق السيادية وصولاً إلى شركات التأمين.
وإلا فقد ينتهي بها الأمر في أيدي صناديق التحوط التي تعتمد على الرافعة المالية، أو مديري العملات المستقرة. ومن السهل تخيل المسارات الكارثية التي يمكن أن تؤول إليها الأمور إذا حدث ذلك.
وإذا تساءلنا عن الطريقة الآمنة لتقليص أهمية الميزانية العمومية وتأثيرها، فالإجابة هي التدرج والتحرك ببطء. فقد يكون مجرد وضع حد أقصى لها أمراً صعباً بما يكفي في البداية.
ومع تضاؤل الاحتياطات، يجب الحذر من تخفيف الضغوط عن البنوك عبر تيسير متطلبات السيولة أو كفاية رأس المال، لأن البنوك تحتاج إلى هامش أكبر للخطأ وتأمين نفسها في ظل نظام احتياطيات شحيح.
السؤال الأخير، ما هي الالتزامات العميقة التي يؤمن بها وارش حقاً؟ وهل هو مدفوع بأيديولوجية جامدة؟ لن يستغرق الأمر منا وقتاً طويلاً لمعرفة الإجابة الشافية بينما يبدأ في مواجهة ومعالجة الميزانية العمومية للفيدرالي.
