الصناديق السيادية الخليجية تحقّق أعلى استثمارات تاريخياً
(القبس)-03/07/2026
ذكر تقرير حديث أن صناديق الثروة السيادية في دول الخليج واصلت تسجيل أداء استثنائي خلال النصف الأول من العام الحالي، متجاهلة حالة عدم اليقين التي فرضتها الحرب مع إيران، لتسجل أعلى مستوى استثماري في تاريخها خلال فترة نصف سنوية.
وبحسب تقرير النصف الأول الصادر عن مؤسسة غلوبال إس دبليو إف Global SWF، المتخصصة في متابعة نشاط صناديق الثروة السيادية، فقد التزمت الصناديق الحكومية الخليجية باستثمارات بلغت 53.9 مليار دولار عبر 108 صفقات خلال الأشهر الستة المنتهية في يونيو، وهو أعلى حجم استثمارات يتم تسجيله في تاريخها خلال نصف عام.
وأشار التقرير إلى أن الصناديق السيادية التابعة لدول مجلس التعاون، والتي تدير أصولاً إجمالية تقدر بنحو 5.7 تريليونات دولار، لم تُبدِ أي مؤشرات على تباطؤ نشاطها الاستثماري، رغم تداعيات الحرب مع إيران، التي ألقت بظلالها على مختلف فئات الأصول وأشاعت أجواء من التقلب وعدم اليقين في الأسواق العالمية طوال جانب كبير من النصف الأول من عام 2026.
وتربعت شركة مبادلة للاستثمار، ومقرها أبوظبي، على رأس قائمة أكثر الصناديق الخليجية نشاطاً للعام الثاني على التوالي، بعدما ضخت استثمارات بقيمة 15.2 مليار دولار على مستوى المجموعة، فيما حافظت بقية الصناديق السيادية الخليجية الكبرى على وتيرة استثمارية قوية، بما يعكس استمرار شهية المنطقة نحو اقتناص الفرص العالمية.
نشاط المستثمرين الحكوميين
وأكدت «غلوبال إس دبليو إف» أن نشاط المستثمرين الحكوميين بلغ «أعلى مستوى تاريخي من حيث القيمة، ورابع أعلى مستوى على الإطلاق من حيث عدد الصفقات خلال فترة نصف سنوية»، في مؤشر واضح على استمرار زخم الاستثمار السيادي رغم التحديات الجيوسياسية.
وأضاف التقرير أن 21 صفقة من أصل 42 صفقة عالمية ضخمة، تجاوزت قيمة كل منها مليار دولار، شهدت مشاركة صناديق الثروة السيادية الخليجية، التي أصبحت شريكاً رئيسياً ومتكرراً إلى جانب كبار المستثمرين ومالكي الأصول حول العالم في تمويل الصفقات العملاقة.
واستحوذت الولايات المتحدة على ما يقارب نصف إجمالي رؤوس الأموال، التي ضختها الصناديق الخليجية خلال النصف الأول، لتبقى الوجهة الاستثمارية الأولى، تلتها الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ثم المملكة المتحدة التي جاءت في المرتبة الثالثة بين أكثر الأسواق استقطاباً للاستثمارات الخليجية.
كما تصدر قطاع التكنولوجيا قائمة القطاعات الأكثر جذباً للاستثمارات، مدعوماً بالطفرة العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي واصلت دفع الصناديق السيادية إلى توجيه المزيد من رؤوس الأموال نحو الشركات والمشاريع التقنية، وفق بيانات غلوبال إس دبليو إف.
تدفق الاستثمارات
ورأى التقرير أن استمرار تدفق الصفقات خلال الأشهر الستة الأولى من العام شكّل مفاجأة للأسواق والمحللين، الذين كانوا يتوقعون أن تدفع الحرب وما صاحبها من ضبابية اقتصادية الصناديق السيادية إلى تبني نهج أكثر تحفظاً وتقليص وتيرة الإنفاق الاستثماري.
لكن الواقع جاء مغايراً لتلك التوقعات، إذ استمرت الصفقات العابرة للحدود، وتدفقت الاستثمارات إلى المنطقة ومنها، كما واصلت الصناديق تنفيذ التزاماتها الرأسمالية طويلة الأجل دون انقطاع، رغم الصراع الذي هز الاقتصادات المعتمدة على استيراد النفط، وأثار اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية. وتضم منطقة الخليج عدداً من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، التي تستثمر فوائض الحكومات بهدف تحقيق عوائد مستدامة وتنويع مصادر الدخل على المدى الطويل.
وتعد الإمارات، ثاني أكبر اقتصاد في العالم العربي، موطناً لعدد من أبرز المؤسسات الاستثمارية الحكومية، من بينها جهاز أبوظبي للاستثمار ADIA، وشركة مبادلة للاستثمار، ومنصة Limad الاستثمارية التي أُنشئت حديثاً، إلى جانب مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية.
وبحسب تصنيف «غلوبال إس دبليو إف»، تحتل الإمارات المرتبة الأولى في الشرق الأوسط والرابعة عالمياً من حيث حجم الأصول السيادية، التي بلغت 3.08 تريليونات دولار حتى مارس الماضي.
ورغم أن جهاز أبوظبي للاستثمار ADIA لا يفصح رسمياً عن قيمة أصوله، فإنه يُعد الذراع الاستثمارية الرئيسية لحكومة أبوظبي، كما يُصنف أكبر صندوق ثروة سيادي في الخليج، بأصول تُقدر بنحو 1.1 تريليون دولار وفق تقديرات المؤسسة.
زخم عالمي في الصفقات
ولم يقتصر النشاط القوي على منطقة الخليج، إذ أظهر التقرير استمرار الزخم الاستثماري عالمياً، حيث ضخت صناديق الثروة السيادية حول العالم 83.3 مليار دولار عبر 188 صفقة، فيما استثمرت صناديق التقاعد العامة 60.3 مليار دولار من خلال 178 صفقة خلال النصف الأول من العام.
وقالت «غلوبال إس دبليو إف»: «إذا استمرت هذه الوتيرة، فقد يشهد عام 2026 أكثر الأعوام زخماً في تاريخ استثمارات صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد من حيث حجم رؤوس الأموال الجديدة التي يتم ضخها». وفي المقابل، تراجعت الحصة النسبية لصناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط من إجمالي النشاط العالمي، من %48 في النصف الثاني من عام 2025 إلى %38 في النصف الأول من عام 2026، وهو تراجع أرجعه التقرير إلى النشاط القوي لمستثمرين دوليين آخرين، من بينهم مؤسسات Maple 8 الكندية، إضافة إلى صندوقي GIC وTemasek السنغافوريين.
ورغم النتائج القوية، أوضح التقرير أن نشاط الصفقات لم يكن مستقراً طوال النصف الأول، مشيراً إلى أن «الحرب في إيران وما تبعها من ارتفاع أسعار النفط وزيادة تقلبات الأسواق أثرت بصورة كبيرة في القطاع خلال الأشهر الستة الماضية».
ومع ذلك، أكد التقرير أن التعافي السريع، الذي شهدته أسواق الأسهم والسندات العالمية خلال الفترة الأخيرة، ساهم في رفع قيمة الأصول الخاضعة للإدارة لدى صناديق الثروة السيادية العالمية إلى مستويات تاريخية. وقدّرت «غلوبال إس دبليو إف» أن المستثمرين الحكوميين حول العالم يديرون حالياً أصولاً تبلغ 62.5 تريليون دولار، تتوزع بين 16 تريليون دولار لصناديق الثروة السيادية، و28 تريليون دولار لصناديق التقاعد، و17.6 تريليون دولار للبنوك المركزية، إضافة إلى 900 مليار دولار تديرها مكاتب استثمار الثروات التابعة للعائلات المالكة.
ارتفاع وتيرة إبرام الصفقات
اختتم التقرير بالتأكيد على أن النصف الأول من 2026 شهد استمراراً، بل وارتفاعاً، في وتيرة إبرام الصفقات لدى معظم المستثمرين الحكوميين حول العالم، رغم التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق، وهو ما يعكس قوة المراكز المالية لهذه المؤسسات وثقتها في فرص الاستثمار الطويلة الأجل.
