نموذج تطبيقي مقترح لتأهيل الكوادر المصرفية
وفق أحكام الشريعة الإسلامية والإطار القانوني العراقي
بقلم البرفسور الدكتور صادق الشمّري إستشاري وخبير مالي دولي
يتناول هذا المقال – البحث تصميم نموذج عملي للمصرف الإسلامي التعليمي بوصفه بيئة محاكاتية متكاملة تجمع بين التأصيل النظري في أحكام الشريعة الإسلامية والتطبيق العملي لأعمال المصارف الإسلامية. وتكمن الأهمية في الفجوة القائمة بين مخرجات التعليم الأكاديمي في مجال المصرفية الإسلامية ومتطلّبات سوق العمل المصرفي، لا سيما في ظل التطوُّر المتسارع للصناعة المالية الإسلامية على المستويين الإقليمي والدولي.
ويسعى المقال إلى بناء إطار مؤسسي متكامل للمصرف التعليمي يشمل رؤيته ورسالته وقيمه المحورية وهيكله التنظيمي والإجراءات التشغيلية. ويخلص إلى أن المصرف الإسلامي التعليمي يُمثل أداة فعّالة لسدّ الفجوة بين التعليم والتطبيق، وأن تطبيق هذا النموذج داخل الكليات الإقتصادية العراقية سيُسهم في رفع مستوى الكفاءة المهنية لخرّيجي أقسام المصارف، موصياً بتبنّي هذا النموذج ضمن مناهج كليات الإقتصاد والمصارف في الجامعات العراقية والتنسيق مع البنك المركزي العراقي لمنحه الغطاء التنظيمي اللازم.
في هذا السياق تشهد الصناعة المالية الإسلامية نمواً متسارعاً على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تجاوزت أصولها حاجز ثلاثة تريليونات دولار، في حين تتصاعد الحاجة إلى توافر كوادر بشرية مؤهلة تمتلك المعرفة الشرعية والمهارة التقنية المصرفية في آن واحد. لذا، تبرز الجامعات بوصفها الرافد الأساسي لإمداد هذه الصناعة بالكوادر البشرية المدرّبة والمؤهّلة.
تعريف المصرف الإسلامي التعليمي
يُعرّف المصرف الإسلامي التعليمي بأنه مؤسسة أكاديمية تطبيقية تُحاكي البيئة الفعلية للمصرف الإسلامي التجاري، وتعمل وفق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، بهدف تدريب الطلبة والمهتمين على إجراءات وعمليات الصيرفة الإسلامية ضمن سياق تعليمي منضبط، بما يُكسبهم المهارات العملية والمعرفة التطبيقية اللازمة للعمل في القطاع المصرفي الإسلامي.
ويختلف المصرف التعليمي عن المصرف التجاري الإسلامي في أن هدفه الأساسي تربوي تأهيلي لا ربحي تجاري، وإن كانت عملياته تُحاكي العمليات التجارية بصورة كاملة لتحقيق أعلى درجات الواقعية في التدريب.
خصائص المصرف الإسلامي التعليمي
يخلق المصرف الإسلامي التعليمي بيئة إفتراضية (محاكاتية) تُشابه الواقع المصرفي في جميع تفاصيله من نماذج ووثائق وإجراءات ومنظومة معلوماتية.
وتخضع جميع عمليات هذا المصرف لضوابط الشريعة الإسلامية، وإشراف هيئة رقابية شرعية متخصّصة، بإستبعاد الفائدة في تعاملها بحسب المادة 6 من قانون المصارف الإسلامية رقم 43 لسنة 2025.
ويعمل المصرف الإسلامي التعليمي ضمن خطة دراسية منهجية تربط العمليات التطبيقية بالمفاهيم النظرية في المقرّرات الدراسية، مستهدفاً التوجُّه الأكاديمي تحقيق مخرجات تعليمية محدّدة وقابلة للقياس ترتبط بمتطلّبات سوق العمل المصرفي، مواكباً التطوّرات في الصناعة المالية الإسلامية، ومحدّثاً إجراءاته وعملياته بصفة دورية.
الفرق بين التدريب التقليدي والمحاكاة المصرفية
يتجاوز مفهوم المحاكاة المصرفية التدريب التقليدي القائم على المحاضرات النظرية والزيارات الميدانية المحدودة، إذ يُتيح للطالب خوض تجربة مصرفية شاملة تتضمّن التعامل مع العملاء وتنفيذ العمليات المصرفية الفعلية كفتح الحسابات والإيداع والسحب ومنح التمويل، وكل ذلك في بيئة آمنة تُتيح التعلُّم من الأخطاء من دون تبعات مالية حقيقية.
الرسالة المؤسسية
يسعى المصرف الإسلامي التعليمي إلى توفير بيئة تدريبية متكاملة تجمع بين التأصيل العلمي والتطبيقي العملي، من خلال تقديم خدمات مصرفية إفتراضية وفق صيغ التمويل الإسلامي، وتأهيل الطلبة والباحثين لإكتساب المهارات المهنية في مجالات العمل المصرفي، مع الإلتزام بأحكام الشريعة الإسلامية وتعزيز الإبتكار في تقديم الحلول المالية الإسلامية المستجيبة لمتطلّبات العصر.
القيم الأساسية للمصرف الإسلامي التعليمي
تُحدّد القيم الأساسية للمصرف الإسلامي التعليمي كالتالي:
– الإلتزام الشرعي بالمادة 7 و8 (هيئة الرقابة الشرعية) من قانون المصارف الإسلامية رقم 43 لسنة 2015.
– الشفافية والمصداقية.
– الإبداع والإبتكار.
– التطوير المستمر.
– المسؤولية المهنية.
– الجودة والتميّز.
أهمية المصرف التعليمي في منظومة التعليم الإقتصادي
يحتل المصرف التعليمي موقعاً محورياً في منظومة التعليم الإقتصادي الحديث، إذ يُجسّد فلسفة التعلُّم النشط Active Learning، القائمة على الممارسات الفعلية بدلاً من التلقي السلبي. ويتجلّى دوره في محاور أساسية عدّة:
– سدُّ الفجوة المهارية، إذ يُعالج الهوّة بين ما يتعلّمه الطالب في قاعة الدراسة وما يحتاجه في بيئة العمل المصرفي الفعلية.
– تعزيز التوظيف، إذ يرفع من معدّلات توظيف الخرّيجين في القطاع المصرفي الإسلامي بما يختصر فترة الإعداد الوظيفي ويوفر تكاليف التدريب على المصارف.
– بناء الثقة المهنية، إذ يُعزّز ثقة الطالب بنفسه وكفاءته الذاتية من خلال التجربة العملية المتكرّرة في بيئة آمنة.
– التكامل مع المنهج الأكاديمي، إذ يُحوّل المفاهيم النظرية في مقرّرات المصارف الإسلامية إلى تجارب تطبيقية ملموسة وذات معنى للطالب.
وعلى صعيد التجارب الدولية، تشير الدراسات إلى أن عدداً من المؤسسات التعليمية الرائدة في ماليزيا والمملكة العربية السعودية والأردن، تبنّت نماذج مماثلة للمصارف التعليمية ضمن برامجها الأكاديمية، وأسهمت في تخريج كفاءات مصرفية إسلامية متميّزة أثّرت في سوق العمل إيجاباً.
إستخلاص النتائج
يُمثل المصرف الإسلامي أداة تربوية متميّزة وفعّالة لسدّ الفجوة الحقيقية بين التعليم الأكاديمي النظري في مجال المصرفية الإسلامية ومتطلّبات سوق العمل المصرفي المتطورة.
ويتوافق النموذج المقترح مع الإطار القانوني العراقي الناظم للمصارف الإسلامية، لا سيما قانون المصارف الإسلامية رقم 13 لسنة 2013، ويُعزّز من إمكانية تطبيقه ضمن المنظومة التشريعية القائمة.
وتشكل هيئة الرقابة الشرعية حسب المادة 8 من قانون المصارف الإسلامية رقم 43 لسنة 2015 محوراً لا غنى عنه في منظومة المصرف التعليمي، وتمنحه الشرعية الدينية والمهنية اللازمة لتحقيق أهدافه التعليمية.
وتُسهم محاكاة العمليات المصرفية الإسلامية الفعلية في رفع الكفاءة المهنية للطلبة، وتُقلّص فجوة المهارات التي كثيراً ما تحول دون توظيفهم في القطاع المصرفي مباشرة بعد التخرّج.
ويُمكن توسيع نطاق المصرف التعليمي ليشمل موظفي المصارف الإسلامية القائمة الذين يحتاجون إلى تطوير مهاراتهم في صيغ التمويل الإسلامي.
التوصيات
بناء على النتائج المشار إليها حول المصرف الإسلامي التعليمي، نوصي بالتالي:
– تبنّي نموذج المصرف الإسلامي التعليمي وإدراجه رسمياً في خطط التعليم لكليات الإقتصاد والإدارة والمصارف في الجامعات العراقية بوصفه متطلّباً تطبيقياً إلزامياً.
– التنسيق مع البنك المركزي العراقي للحصول على التوجيه التنظيمي الملائم وضمان توافق نموذج المصرف التعليمي مع أحدث المتطلّبات الرقابية.
– تطوير مناهج أكاديمية تكاملية تربط المقرّرات النظرية في المصرفية الإسلامية بالتدريب الميداني المنظم في المصرف التعليمي لتحقيق أعلى درجات الإندماج بين النظرية والتطبيق.
– إنشاء شركات إستراتيجية مع المصارف الإسلامية العاملة في العراق لتطوير برامج التدريب وتوفير فرص التوظيف المباشر للمتميّزين من خريجي المصرف التعليمي.
– تطوير منظومة معلوماتية متكاملة Core Banking System مخصّصة للمصرف التعليمي تُحاكي الأنظمة المعلوماتية الفعلية المستخدمة في المصارف الإسلامية العراقية.
– تعميم تجربة المصرف الإسلامي التعليمي على المؤسسات التعليمية في سائر المحافظات العراقية بما يخدم الإستراتيجية الوطنية للتنمية البشرية في القطاع المصرفي.
