اقتصاد الذكاء الاصطناعي التريليوني .. فرصة المملكة بين التوطين ومخاطر الفقاعة
(العربية)-15/09/2026
*م. عبدالله عودة الغبين
حين يتحدث المدير العام لبنك التسويات الدولية، بابلو هيرنانديز دي كوس، عن تقديرات تشير إلى احتمال ارتفاع الاستثمار العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي من نحو خمسمئة مليار دولار حاليًا إلى ما بين ثلاثة وأربعة تريليونات دولار بحلول عام 2030، فإننا لا نتحدث عن نمو قطاع تقني فحسب، بل عن موجة رأسمالية قد تعيد رسم خريطة الاستثمار والصناعة والطاقة في العالم. جاء حديث دي كوس في كلمة ألقاها أمام مؤتمر “Global Fintech Fest” في مومباي في العاشر من سبتمبر 2026، ونشرها بنك التسويات الدولية رسميًا لاحقًا.
وهنا ينبغي التمييز بدقة: رقم الأربعة تريليونات ليس توقعًا رسميًا من البنك، بل تقديرات صناعية أشار إليها في معرض حديثه، بينما يقدّر البنك بشكل مباشر أن أكبر خمس شركات تقنية وحدها ستُنفق أكثر من تريليون دولار خلال عامي 2025 و2026 على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لكن السؤال الأهم ليس: هل سيواصل الذكاء الاصطناعي النمو؟ بل: إلى أين ستذهب هذه التريليونات فعليًا؟ ومن سيستحوذ على القيمة الاقتصادية التي ستولّدها؟ قد يتبادر إلى الذهن أن الحصة الأكبر ستذهب إلى البرمجيات والنماذج الذكية وحدها، لكن الواقع مختلف. فالذكاء الاصطناعي في جوهره قائم على بنية مادية ضخمة: رقائق متقدمة، ومعالجات، وخوادم، ومراكز بيانات، وشبكات اتصالات وألياف ضوئية، وأنظمة تبريد وتخزين، وأمن سيبراني. وقبل كل هذه العناصر يقف عنصر لا غنى عنه: الكهرباء.
فمركز البيانات ليس مجرد مبنى مليء بالخوادم، بل هو في جوهره منشأة صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة. ومع الكهرباء تظهر سلاسل صناعية كاملة: محطات توليد، وشبكات نقل وتوزيع، ومحولات، ومفاتيح كهربائية، وأنظمة تخزين وتبريد، وكابلات. ومع الكابلات والمحولات يبرز معدن محوري في هذه المنظومة كلها: النحاس. وهكذا، قد تكون إحدى مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي أن الثورة الأكثر رقمية في التاريخ تقوم على واحدة من أضخم موجات الاستثمار في الأصول المادية والطاقة والمعادن. وبالتالي، فإن المستفيد من هذه التريليونات لن يكون فقط من يطوّر أفضل نموذج لغوي أو تطبيقي، بل أيضًا من يبني مراكز البيانات وشبكات الكهرباء، ومن يصنع الكابلات والمحولات والمعدات، ومن ينتج المعادن الاستراتيجية وعلى رأسها النحاس.
لكن مع هذه الفرصة الهائلة، تبرز أسئلة معقدة حول جدوى هذه الاستثمارات وعائدها الحقيقي. ففي المراحل الأولى من طفرة الذكاء الاصطناعي، اعتمدت الشركات الكبرى بشكل كبير على تدفقاتها النقدية الضخمة للتمويل. لكن مع تسارع الإنفاق، بدأ التمويل يتجه بصورة متزايدة نحو أسواق الدين والائتمان الخاص وهياكل مالية معقدة. والخطر هنا لا يكمن في حجم الديون وحدها، بل في ظاهرة أشار إليها بنك التسويات الدولية وتستحق التوقف عندها، وهي ما يُعرف ب”التمويل الدائري”؛ حيث تستثمر بعض الشركات المزوِّدة للرقائق أو القدرات الحاسوبية في شركات ذكاء اصطناعي، لتعود تلك الشركات فتستخدم جزءًا من هذه الأموال لشراء الرقائق أو الخدمات نفسها من الشركات المستثمِرة. هذا الترابط قد يُضخّم الإحساس بالطلب، ويجعل من الصعب التمييز بين الطلب الاقتصادي الحقيقي والطلب الذي تغذّيه دورة التمويل ذاتها.
وتشير أبحاث بنك التسويات إلى أن شدة المنافسة قد تدفع الشركات إلى استثمار يفوق المستوى الكفء اقتصاديًا، لأن كل طرف لا يريد أن يتأخر في سباق بناء القدرات. وهذه معضلة عرفها التاريخ الاقتصادي في لحظات كبرى، من السكك الحديدية إلى الكهرباء إلى طفرة الإنترنت في أواخر التسعينيات. ففي كل تلك الحالات كانت التقنية حقيقية وغيّرت العالم، لكن ذلك لم يمنع حدوث فترات مبالغة في الاستثمار وارتفاع مفرط في تقييم بعض الأصول. بمعنى آخر، يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي ثورة إنتاجية حقيقية، وأن توجد في الوقت نفسه فقاعة في أجزاء من الاستثمارات المرتبطة به.
وهنا تظهر أهمية السؤال السعودي: ما موقع المملكة من هذه الموجة؟ وكيف يمكن أن تستفيد منها دون أن تنقل إلى اقتصادها مخاطر لا طائل منها؟ تمتلك المملكة عناصر قوة لا تتوافر لكثير من الاقتصادات: الطاقة، ورأس المال، والبنية التحتية، والموقع الجغرافي، والقدرة على تنفيذ مشروعات كبرى، إلى جانب استراتيجية تحوّل رقمي واضحة. وقد بدأت المملكة بالفعل في بناء موقع لها ضمن اقتصاد الذكاء الاصطناعي، عبر التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، والاستثمار في القدرات الحاسوبية والمبادرات الوطنية.
لكن المقياس الأهم في النهاية لن يكون عدد مراكز البيانات أو حجم القدرات الحاسوبية وحده، بل كمّ القيمة المضافة التي ستبقى داخل الاقتصاد السعودي. فإذا أنفقنا مئة ريال على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فكم ريالاً منها سيذهب إلى شركات ومصانع ومهندسين سعوديين؟ وكم سيذهب إلى الخارج لشراء معدات وتقنيات وخدمات؟ لا توجد حتى الآن نسبة معلنة يمكن الاستناد إليها بثقة، لكن يمكن تحويل هذا السؤال إلى محور للسياسة لا إلى نقطة ضعف. فلا حاجة لاختلاق هدف رقمي غير دقيق، بل يكفي أن نبدأ بقياس واضح لما يمكن أن نسميه “نسبة المحتوى المحلي” في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
والمملكة لا تحتاج إلى تصنيع كل شيء محليًا، فهذا ليس واقعيًا ولا ضروريًا، لكنها تستطيع المنافسة في حلقات عديدة من سلسلة القيمة، خصوصًا في مجالات الطاقة والنقل والتوزيع الكهربائي، وصناعة الكابلات والمحولات والمعدات، والإنشاءات المتخصصة، والألياف الضوئية، والتبريد، والأمن السيبراني، والخدمات السحابية، والبرمجيات والنماذج والتطبيقات العربية، بل حتى في بعض حلقات سلسلة أشباه الموصلات على المدى الأبعد. فالمسألة إذن ليست بناء مراكز بيانات فحسب، بل بناء منظومة صناعية وخدمية كاملة حولها، بحيث لا تكون المملكة مجرد مستورِد للتقنية، بل شريكًا في إنتاجها.
وعلى المدى الأبعد، يمكن أن تتحول بعض الشركات السعودية التي تنشأ لخدمة الطلب المحلي إلى شركات قادرة على التصدير إلى أسواق إقليمية ودولية. عندها فقط يتغير النموذج الاقتصادي جذريًا: فبدلاً من استيراد التقنية فحسب، تصبح المملكة طرفًا مصدّرًا ضمن سوق عالمي ضخم تشير التقديرات إلى أنه قد يصل إلى أربعة تريليونات دولار.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الحماس إلى سباق لبناء قدرات تتجاوز الطلب الحقيقي، أو إلى هياكل تمويلية معقدة يصعب تقييم مخاطرها. فالتقنية تتطور بسرعة كبيرة، وقد يصبح ما هو حديث اليوم أقل تنافسية غدًا، بينما تستمر البنية التحتية الثقيلة لعقود. وهذا الفارق بين سرعة التقادم التقني وطول عمر الأصول يجب أن يكون حاضرًا في كل قرار استثماري كبير.
فالعالم مقبل على سباق استثماري ضخم، لكن التاريخ يقول لنا إن من أنفق أكثر ليس بالضرورة من ربح أكثر؛ فالفائز غالبًا هو من بنى سلاسل قيمة مستدامة. ومن هنا تبدو الفرصة السعودية مختلفة: ليست في حجم الإنفاق بحد ذاته، بل في مقدار ما يبقى من هذا الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني. ونجاح المملكة سيُقاس بقدرتها على تحويل الإنفاق إلى قيمة محلية وتصدير، لا إلى مجرد فاتورة استيراد.
لذلك، السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل قرار وكل استثمار هو: كم من هذا الاستثمار سيبقى هنا؟ وكم قيمة سنضيفها؟ وكم منها سنصدّره للعالم؟ فإذا استطعنا الإجابة عمليًا عن هذه الأسئلة، ستكون المملكة شريكًا ومصدّرًا في اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي، لا مجرد مستورِد للتقنية. الفرصة ليست أن ننفق أكثر من الآخرين، بل أن نحتفظ بقيمة أكبر مما ينفقه العالم.
