أمريكا ترامب تشن حرباً لمحو النظام الاقتصادي والسياسي العالمي
(العربية)-23/01/2026
تتجلى كثيراً حقيقة أن المستقبل غامضٌ بشكلٍ لا لبس فيه، عندما يُعلن الضيف الرئيس في مؤتمرٍ مقام على جبلٍ سويسري، حرباً تجاريةً على أراضي أقرب حلفاء بلاده، والذين يُعدّ العديد من قادتهم ضيوفاً أيضاً على نفس المؤتمر. هذا أمرٌ غير واقعي، على أقل تقدير. ولكن ماذا يعني لمستقبل العالم، لا سيما مستقبله الاقتصادي، أن يكون عرضةً لأهواء رئيس دولة هي الرائدة في العالم، والتي لا يُمكن التنبؤ بها؟
قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نُلقي نظرةً على وضع الاقتصاد في الماضي، وعلى مساره المُحتمل في المستقبل القريب. ويُقدّم تقرير البنك الدولي الجديد «التوقعات الاقتصادية العالمية» رؤيةً واضحة للماضي القريب. ويُشير التقرير تحديداً إلى أن: «الاقتصاد العالمي أظهر مرونةً ملحوظةً في مواجهة تصاعد التوترات التجارية، وعدم اليقين في السياسات. وقد تُوّج النمو الأسرع من المتوقع خلال العام الماضي بانتعاشٍ من ركود عام 2020، الذي لم نشهد له مثيلاً منذ ستة عقود، حتى وإن كانت اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية الهشة مُتخلّفةً عن الركب».
إن قوة التعافي الاقتصادي من تداعيات الجائحة أمرٌ مُبشّر. ويعود الفضل في ذلك، إلى حدٍ كبير، إلى فعالية اللقاحات، التي تحمّل دونالد ترامب، من خلال برنامجه «عملية السرعة القصوى»، مسؤولية كبيرة في تطويرها. ويُثير التباينُ الكبير بين موقف إدارته الثانية من اللقاحات وموقف ترامب منها استغراباً شديداً.
لقد شهد العالم أعمق ركودين اقتصاديين منذ عام 1960، وذلك في عامي 2009 و2020. وكان التعافي من الركود الأخير هو الأقوى على الإطلاق: ففي غضون خمس سنوات، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي للفرد بنسبة 10 % عن مستواه في عام 2019. وكان التعافي في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع أسرع من التعافي من الركودين السابقين. وفي حين كان تعافي الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، أسرع من تعافي الدول ذات الدخل المرتفع، إلا أنه كان أبطأ بكثير مما كان عليه في الفترة 2010 – 2014.
والأمر الأكثر إثارة للقلق، هو الأداء الضعيف للغاية لعدد كبير من الدول النامية في الفترة الأخيرة: فبحلول عام 2025، تجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في نحو 90 % من الاقتصادات ذات الدخل المرتفع مستواه في عام 2019، فيما ظل، في المقابل، أدنى من مستواه في عام 2019، في أكثر من ربع الاقتصادات الناشئة والنامية، بل وفي 40 % من الدول ذات الدخل المنخفض. والأسوأ من ذلك، أن انخفاض نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع في أفقر البلدان قد توقف خلال العقد الماضي. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية لصناع السياسات في جميع أنحاء العالم. فقد كان الانخفاض الهائل في نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع، مكسباً كبيراً ورائعاً.
لكن من يهتم في عالم اليوم الذي يتسم بالاستغلال الشرس؟ ربما لا يهتم كثيرون في دافوس بذلك. لذا، دعونا ننتقل إلى ما يهمهم حقاً: الآفاق الاقتصادية العالمية في عالم خاضع لأهواء دونالد ترامب. (كما يتضح من خلال رغبته في امتلاك غرينلاند، وفرضه للضرائب كيفما شاء).
ويمكن اعتبار تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر مؤخراً عن صندوق النقد الدولي مُطمئناً، إذ يُشير إلى أن «النمو العالمي من المتوقع أن يظل قوياً عند 3.3 % في عام 2026، و3.2 % في عام 2027: وهي معدلات مماثلة للنمو المُقدّر بنسبة 3.3 % في عام 2025». ويُمثّل هذا التوقع تعديلاً طفيفاً بالزيادة لعام 2026، دون أي تغيير لعام 2027، مقارنة بأكتوبر 2025. وبشكل عام، فقد عوضت السياسات النقدية والمالية المُيسّرة، وانتعاش أسواق الأسهم، والتفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي، حالة عدم اليقين التي أحدثها ترامب، والأثر السلبي للتعريفات الجمركية، التي كانت بدورها أقل حدة بكثير مما كان مُتوقعاً في «يوم التحرير» في أبريل الماضي.
إذن، هل يُمكن اعتبار عهد ترامب، رغم كل ما يحدث «قصة مليئة بالضجيج والغضب، ولا تُشير إلى شيء»، على الأقل في ما يتعلق بالاقتصاد؟ لقد أدرك أنه لا يستطيع التنمّر على الصين، لكنه يظل على اعتقاده أنه قادر على التنمّر على الجميع. وتبدو تكلفة حملاته إلى فنزويلا، وغيرها من الحملات المماثلة، متواضعة. وفي المجمل، قد تكون المكاسب ضئيلة، لكن الخسائر قد تكون ضئيلة أيضاً. وعموماً، فإن تهديداته تبقى أشدّ من أفعاله. ومع ذلك، أظنّ أن هذا الرضا بما يحدث خطأ كبير، لأن ما نشهده هو تآكل تدريجي لأنظمة العمل في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.
وهكذا، في ظلّ عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة، وعدم التزامها بأي مبادئ عمل أساسية، باستثناء بعض المكاسب قصيرة الأجل، تتلاشى مصداقيتها كشريك وحليف موثوق، ربما بشكل دائم. وعلى الصعيد الداخلي، باتت سيادة القانون والاستقرار المالي واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي (وبالتالي الاستقرار النقدي والمالي) والالتزام بالعلم موضع تساؤل. وعلى الصعيد الدولي، تشنّ الولايات المتحدة حرباً على جميع المؤسسات المهمة تقريباً، لا سيما الاتحاد الأوروبي. وقد أصبحت منظمة التجارة العالمية هامشية. وتراجع التعاون في مجالي المناخ والصحة. وفي المجمل، أعلنت الإدارة الأمريكية حتى الآن قرارها بالانسحاب من 66 منظمة دولية، بما في ذلك 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة.
ومن الممكن ألّا يؤثر هذا المناخ غير المتعاون وغير المستقر في رغبة قطاع الأعمال وصنّاع السياسات في خوض رهانات كبيرة على المستقبل- لننظر هنا إلى طفرة الذكاء الاصطناعي، لكن هذا أمرٌ مشكوك فيه، فالتكاليف قد لا تظهر بسرعة، أو حتى بشكل واضح. وكما نعلم أن السياسات الشعبوية تُضعف الأداء الاقتصادي المحلي، ينطبق الأمر نفسه بالتأكيد، عندما يكون النظام المعني قوة عظمى عالمية. وفي هذه الحال، سيمتد الضرر إلى الاقتصاد العالمي أيضاً، إذ سنفقد العديد من المنافع العامة العالمية. وقد تشمل الخسائر الدور العالمي للدولار، والنظام المالي الأمريكي.
في الوقت نفسه، وكما يُظهر لنا التعافي من الجائحة، يتمتع الاقتصاد العالمي بزخم كبير: فقد نما بشكل ملحوظ في كل عام منذ عام 1950. وتتوالى الابتكارات المهمة بوتيرة متسارعة، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في أماكن أخرى أيضاً. لكن سيكون من الحماقة اختبار هذه النظرة المتفائلة، مع تواصل تدمير الولايات المتحدة والعالم.
