تحوُّلات بارزة على صعيد المؤشرات الإقتصادية الكلية
الإقتصاد المصري يمر بمرحلة مفصلية تتّسم بالتعافي الحذر والاستجابة التدريجية لتحديات محلية وعالمية

شهد الإقتصاد المصري خلال العام 2024 وحتى منتصف عام 2025 تحوّلات بارزة على صعيد المؤشرات الإقتصادية الكلية، تعكس في مجملها مرحلة من التعافي الحذر في أعقاب التحدّيات العميقة التي شهدتها البلاد في العام الذي سبق. فمن المقدّر أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً نسبته 3.76 % خلال العام 2025 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، مقارنة بـ 2.40 % في العام 2024، و3.76 % في العام 2023، ما يعكس إنتعاشاً تدريجياً في النشاط الإقتصادي بعد الإنكماش نتيجة الضغوط التضخمية ونقص العملة الصعبة (رسم بياني رقم 1).
وتُعزى هذه الديناميكية الإيجابية إلى تحسن الأداء في قطاعات السياحة والصناعة والطاقة، إضافة إلى تدفُّقات إستثمارية خارجية جديدة عقب توقيع إتفاقيات شراكة إستراتيجية عدّة. أما على صعيد الأسعار، فمن المقدّر أن يشهد معدل التضخُّم السنوي تراجعاً ملموساً من ذروته البالغة 33.3 % في العام 2024 (و24.4 % في العام 2023) إلى 19.65 % في العام 2025 بحسب توقعات صندوق النقد الدولي، ما يعكس نجاح أدوات السياسة النقدية في كبح جماح الأسعار وتطبيع المستويات التضخمية. وقد ساهمت في هذا التحسُّن عوامل عدة أبرزها إستقرار سعر الصرف بعد التعويم، وعودة التدفقات النقدية الأجنبية، وزيادة المعروض المحلي من السلع الأساسية عبر سياسات تحفيزية للإنتاج.
تطورات المؤشرات الإقتصادية
في ما خصّ سوق العمل، فقد إنخفض معدل البطالة إلى 6.3 % في الربع الأول من العام 2025، مسجّلاً أدنى مستوى له منذ أكثر من عقد، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في حين بقيت معدّلات البطالة بين الشباب والفئات الهشة مرتفعة نسبياً. من جهة أخرى، إستمر الدين العام عند مستويات مرتفعة قاربت 90 % من الناتج المحلي، ما يُبقي الضغط قائماً على المالية العامة في ظل إرتفاع تكاليف خدمة الدين. أما سعر الصرف، فقد استقر بعد تحريره في مارس/آذار 2024 عند مستويات تُراوح بين 50 و55 جنيهاً للدولار، مع تحقيق إحتياطي النقد الأجنبي إرتفاعاً إلى 48.1 مليار دولار في نهاية أبريل/نيسان 2025. تعكس جميع هذه المؤشرات تحسناً تدريجياً في المشهد الإقتصادي الكلي، لكنها في المقابل تُبرز الحاجة الملحة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية لضمان إستدامة الإستقرار الإقتصادي على المدى المتوسط.

تحوُّلات السياسات النقدية والمالية في مصر
في أعقاب الضغوط الإقتصادية الحادة التي واجهتها مصر منذ العام 2022، برزت السياسات النقدية والمالية كأدوات محورية لإعادة التوازن الإقتصادي وتعزيز الإستقرار الكلي. فقد تبنّى البنك المركزي المصري سياسة نقدية إنكماشية صارمة إستجابة لإرتفاع معدلات التضخُّم وتذبذب سعر الصرف، تمثّلت في رفع أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 600 نقطة أساس دفعة واحدة في مارس/ آذار 2024، في أعقاب تحرير سعر الصرف. وإستمرت هذه السياسة خلال الأشهر اللاحقة بهدف احتواء الضغوط التضخُّمية، قبل أن يعمد البنك المركزي إلى تخفيض تدريجي للفائدة في الربع الثاني من العام 2025 بإجمالي 325 نقطة أساس، مع الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات 24 % للإيداع و25 % للإقراض حتى يوليو/تموز 2025. وقد ساهمت هذه السياسات في الحد من التضخم وتحقيق إستقرار نسبي في سوق الصرف، لكنها فرضت في المقابل تحديات أمام النشاط الإنتاجي والتمويلي، خصوصاً في القطاع غير النفطي.
أما على صعيد السياسة المالية، فقد حرصت الحكومة المصرية على الإلتزام بخطى الإصلاحات الهيكلية المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، ضمن إطار إتفاق التمويل الممتد البالغ 8 مليارات دولار. وتمثلت أبرز محاور هذه السياسة في التوسّع في الإيرادات الضريبية من خلال تعميم ضريبة القيمة المضافة، وتقليص الإعفاءات الضريبية، إلى جانب ضبط الإنفاق العام وتوجيهه نحو القطاعات ذات الأولوية الاجتماعية والتنموية. كما سعت الدولة إلى تسوية المتأخرات المستحقة لشركات النفط الأجنبية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص عبر توسيع برنامج الطروحات الحكومية. ويدل أداء المالية العامة خلال الفترة الأخيرة على تحسن في العجز الأولي، لكنه لا يزال عرضة لمخاطر ارتفاع خدمة الدين وتذبذب الإيرادات نتيجة تقلبات الأسواق الدولية.
تعكس هذه السياسات محاولة دقيقة للموازنة بين أهداف السيطرة على التضخُّم والحفاظ على إستقرار العملة، وبين ضرورة تنشيط الإقتصاد وتحفيز الإستثمار. إلاّ أن فعّاليتها المستقبلية ستعتمد إلى حد كبير على القدرة على تنفيذ إصلاحات هيكلية أعمق وتحقيق إستقرار سياسي وإقتصادي مستدام.
دور المصارف المصرية في ترسيخ الثقافة المالية والمحافظة على الإستقرار الإقتصادي
لعبت المصارف المصرية دوراً محورياً في ترسيخ الثقافة المالية لدى المواطنين، وذلك من خلال إطلاق مبادرات التوعية المصرفية وتوسيع الشمول المالي، بما يتماشى مع إستراتيجية البنك المركزي المصري لتعزيز الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي. وقد أسهمت هذه المؤسسات، عبر فروعها الممتدة في كافة أنحاء الجمهورية، في إدماج شرائح واسعة من السكان ضمن النظام المالي الرسمي، ولا سيما من خلال التوسع في تقديم الخدمات الرقمية، وتبسيط إجراءات فتح الحسابات، وإطلاق منتجات مخصّصة للفئات غير المتعاملة سابقاً مع المصارف، مثل النساء والشباب وأصحاب المهن الحرة.
كما ساهمت المصارف في تعزيز الاستقرار الإقتصادي من خلال دعم التمويل الموجّه للقطاعات الإنتاجية، وتوفير أدوات ادخار آمنة، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ما أدى إلى تنشيط الدورة الإقتصادية وتقليل معدّلات البطالة. ومن جهة أخرى، فإن إلتزام القطاع المصرفي المصري بالإمتثال للمعايير الرقابية، وتطبيق نظم حوكمة فعّالة، قد أسهم في تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وجعله أحد دعائم الاستقرار المالي والنقدي في البلاد، حتى في فترات الأزمات الإقليمية أو تقلبات الأسواق العالمية.
كما أتاحت المصارف المصرية، بقيادة البنك المركزي، مجموعة من المبادرات والإصلاحات التي هدفت إلى ترسيخ الثقافة المالية وتحقيق الإستقرار الإقتصادي:
• مبادرة حساب لكل مواطن: بدأت في العام 2017، حيث تم تشجيع فتح الحسابات المصرفية دون حد أدنى للإيداع، في فروع المصارف والمدارس والنوادي والجمعيات، ما حرّك نمو الشمول المالي في البلاد.
• فعّاليات شمول مالي دورية: والتي تُقام ست مرات سنوياً منذ العام 2017، حيث يتم خلال هذه الفعّاليات فتح الحسابات مجاناً من دون رسوم، مع توفير بطاقات خصم مسبقة الدفع وخدمات إنترنت و«موبايل بنكي» فوري.
• مبادرة حياة كريمة: والتي بدأت منذ العام 2021، حيث شاركت المصارف مع البنك المركزي ووزارة التخطيط في تحسين البنية التحتية المالية بالمناطق الريفية من خلال نشر ماكينات الصراف الآلي وتقديم جلسات توعوية وتمويل قروض صغرى.
• تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة: سبق أن تم ضخ قروض بقيمة تزيد على 200 مليار جنيه بفوائد مخفّضة (ما بين 5 الى 12 %)، مما أدى إلى نمو بحجم التمويلات بنسبة 388 % خلال الفترة 2015‑2024، مع توسُّع ملحوظ في محافظ المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتمويل المتناهي الصغر بنسبة 1,350 %.
• تحويل الدفع للمحمول: عبر تنظيم خدمات الدفع عبر المحمول منذ العام 2016، والذي ساهم في توسع خدمة المحافظ الذكية، وصولاً إلى 9.2 مليون مستخدم.
• إنتشار أجهزة الصرّاف الآلي: إذ تم توزيع أكثر من 6,500 ماكينة صراف إضافية، وإرتفع عددها بنسبة 48 % وصولاً إلى نحو 24,862 جهازاً في نهاية العام 2024.
• الشمول المالي الشامل: إرتفع معدّل الشمول المالي من 25 % في العام 2016 إلى 71.5 % في حلول يونيو/ حزيران 2024، لتصل أعداد الحسابات المصرفية والمحافظ الذكية إلى نحو 48.1 مليون مواطن.
المتغيّرات الإقتصادية وإنعكاسها على الأداء المالي للمصارف المصرية
شهدت البيئة الإقتصادية الكلية في مصر خلال الفترة الممتدة من العام 2023 وحتى منتصف العام 2025 سلسلة من التحوُّلات التي إنعكست بوضوح على الأداء المالي للمصارف العاملة في السوق المحلية. فقد إتخذ البنك المركزي المصري سلسلة من الإجراءات النقدية التقييدية في مواجهة موجات التضخُّم المرتفعة التي بلغت ذروتها عند 38 % في سبتمبر/أيلول 2023. تزامن ذلك مع تنفيذ مرحلة جديدة من تحرير سعر الصرف في مارس/آذار 2024، ما أدّى إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وزيادة تنافسية العملة المحلية، مما ساهم في تعزيز موارد المصارف من العملات الأجنبية ورفع العائدات الناتجة عن فروق أسعار الصرف. كما أدى هذا الإجراء إلى دعم التحويلات الخارجية وإستقطاب موارد دولارية إضافية من الخارج، مما إنعكس إيجاباً على المراكز المالية للمصارف، لا سيما تلك التي لديها تعاملات دولية واسعة.
من جهة أخرى، سجلت السيولة الكلية عرض النقود نمواً معتدلاً، إذ بلغت 12.68 تريليون جنيه في أبريل/نيسان من العام 2025، مدعومة بإنخفاض معدّل نمو المعروض النقدي من 33.9 % في فبراير/شباط إلى 25.8 % في نهاية أبريل/نسيان، ما يعكس إنضباطاً نقدياً واضحاً من جانب البنك المركزي. وقد أفضى هذا إلى تعزيز السيولة داخل الجهاز المصرفي، ودفع الودائع إلى مستويات جديدة، حيث إرتفعت من 13.48 تريليون جنيه في نهاية العام 2024 إلى 14.32 تريليون جنيه في نهاية الربع الأول من العام 2025. وإنعكست هذه التحوُّلات الإقتصادية بوضوح على المؤشرات المالية الأساسية للمصارف المصرية. فقد إنخفضت نسبة القروض المتعثّرة إلى 2.2 % في الربع الأول من العام 2025، وهي من أدنى النسب على مستوى الأسواق الناشئة، مع تغطية مخصّصات تجاوزت 87 % على مستوى القطاع، و92.7 % في أكبر خمسة مصارف.
وإرتفعت نسبة القروض إلى الودائع إلى 63.6 %، مما يعكس تنشيطاً نسبياً في عمليات الإقراض، مدعوماً بوفرة في السيولة التي بلغت نسبتها 37.1 % بالعملة المحلية و73.7 % للعملات الأجنبية، وهي مستويات تفوق بكثير الحدود الرقابية الدنيا. وعلى صعيد الربحية، حقق القطاع المصرفي أرباحاً صافية بلغت 152.8 مليار جنيه في الربع الأول من العام 2025، بدعم من صافي دخل فوائد تجاوز 253 مليار جنيه. وسجّلت المصارف عائداً على متوسط حقوق الملكية بلغ نسبة 39 %، مقارنة بـ 32.2 % في نهاية عام 2024، فيما بلغ العائد على الأصول 2.6 %، مدفوعاً بهامش فائدة صافي بلغ 5.8 %. كما إرتفع حجم الإستثمارات في الأوراق المالية الحكومية إلى 6.88 تريليون جنيه، في حين حافظت نسب كفاية رأس المال على مستوى جيد بلغ 18.3 %، رغم الضغوط التضخمية وتحديات العملة.
تُظهر هذه المؤشرات أن المصارف المصرية قد نجحت في الحفاظ على إستقرارها المالي، بل وتعزيز أدائها في بيئة اقتصادية معقدة، من خلال التنويع في مصادر الدخل، والمرونة في إدارة السيولة، والتحوّط الجيد ضد المخاطر الائتمانية. وقد ساعد التنسيق الوثيق بين السياسات النقدية والرقابية في تمكين المصارف من التكيّف مع تغيُّرات الإقتصاد الكلي، والإستفادة من الفرص الناشئة، لا سيما في ظل إنفتاح نسبي في المناخ الإستثماري وتحسُّن التوقعات على المدى المتوسط.
ختاماً، في ضوء ما تقدم، يتّضح أن الإقتصاد المصري يمر بمرحلة مفصلية تتّسم بالتعافي الحذر والإستجابة التدريجية لتحدّيات محلية وعالمية. وقد أظهرت المؤشّرات الكلية تحسناً ملحوظاً في معدّلات النمو والإنخفاض النسبي في التضخُّم، بالتوازي مع خطوات حاسمة في إصلاح السياسة النقدية والمالية. كما برز القطاع المصرفي كلاعب رئيسي في ترسيخ الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي، عبر تعميق الشمول المالي وتحقيق مؤشّرات أداء قوية.
إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية